في الوقت الذي يترقب فيه العالم الإعلان الرسمي عن اتفاق أمريكي إيراني قد يضع حدا لأشهر من الحرب والتوتر في منطقة الشرق الأوسط، تحوّل موعد التوقيع نفسه إلى ساحة جديدة للمناكفة السياسية بين واشنطن وطهران.
فالرئيس الأمريكي دونالد ترمب يصر على أن يتم توقيع الاتفاق اليوم الأحد 14 يونيو/حزيران، وهو اليوم الذي يصادف ذكرى ميلاده الـ80، في خطوة يرى مراقبون أنها تنسجم مع أسلوبه السياسي القائم على ربط الإنجازات الكبرى بشخصه وصورته السياسية.
في المقابل، تبدو طهران حريصة على حرمانه من هذا المكسب الرمزي، إذ شكك مسؤولون إيرانيون علنا في إمكانية إتمام التوقيع في الموعد الذي حدده الرئيس الأمريكي، ما أضفى على الجدل حول التوقيت أبعادا تتجاوز التفاصيل البروتوكولية إلى صراع على الرمزية السياسية والرواية الإعلامية.
ورغم التباين بين واشنطن وطهران بشأن موعد التوقيع، تتزايد المؤشرات على اقتراب التوصل إلى تفاهم قد يفتح الباب أمام إنهاء الحرب التي اندلعت في فبراير/شباط الماضي.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الاتفاق من المقرر أن يُوقّع الأحد.
وأكد شريف أن الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى إطار عمل لاتفاق سلام، مشيرا إلى أن إسلام آباد تستعد للمشاركة في مراسم توقيع إلكترونية، على أن تعقبها محادثات فنية خلال الأسبوع المقبل.
لكن طهران سارعت إلى تبديد أجواء الحسم التي حاول ترمب إظهارها، فقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن موعد التوقيع لم يُحسم بعد، مشيرا إلى أن الحديث عن توقيع الاتفاق الأحد سابق لأوانه.
وأضاف أن إمكانية إتمام التفاهم خلال الأيام المقبلة لا تزال قائمة، إلا أن ما وصفه بتردد الطرف الآخر يفرض الحذر في التعامل مع الملف.
ويعزز هذا الموقف ما نشرته وكالة فارس المقربة من الحرس الثوري الإيراني، التي ربطت إصرار ترمب على موعد الأحد بتزامنه مع عيد ميلاده، واعتبرت الوكالة أن الرئيس الأمريكي يسعى إلى تحويل الاتفاق إلى إنجاز شخصي ذي طابع دعائي، مشيرة إلى أن المفاوضين الإيرانيين يدركون هذه الأبعاد ولن يسمحوا باستثمار التوقيت لمصلحة ترمب سياسيا.
وفي منشور له عبر منصته للتواصل الاجتماعي" تروث سوشيال"، قال ترمب إن" الاتفاق المقرر توقيعه غدا (الأحد) سيؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز فورا أمام الملاحة الدولية"، مؤكدا أن الممر البحري الحيوي سيصبح متاحا للجميع بمجرد دخول التفاهم حيز التنفيذ.
ولا يقتصر الجدل بشأن موعد التوقيع على الاعتبارات السياسية والرمزية فحسب، بل يرتبط أيضا بحسابات لوجستية وأمنية داخل الإدارة الأمريكية.
فبحسب شبكة" سي إن إن"، فإن خيار التوقيع الافتراضي جاء جزئيا نتيجة تعقيدات الجدول الزمني للرئيس الأمريكي ونائبه جي دي فانس، إذ تفرض البروتوكولات الأمنية الأمريكية عدم سفر الرئيس ونائبه إلى الخارج في الوقت نفسه حفاظا على استمرارية الحكم.
ومع استعداد ترمب للتوجه إلى فرنسا غدا الاثنين، برزت صعوبات في ترتيب سفر فانس إلى أوروبا والعودة قبل مغادرة الرئيس.
وفي السياق ذاته، نقل موقع" أكسيوس" عن مسؤولين أمريكيين ومصادر في الدول الوسيطة أن عدم تمكن فانس من العودة إلى واشنطن قبل سفر ترمب للمشاركة في قمة مجموعة السبع شكّل أحد الأسباب الرئيسية لاعتماد صيغة التوقيع عن بعد.
وبحسب مصادر مطلعة على المفاوضات تحدثت لوكالة رويترز، تنص مسودة مذكرة التفاهم على إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، إلى جانب بدء خطوات متبادلة لخفض التصعيد العسكري.
كما تتضمن ترتيبات للإفراج التدريجي عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة وتخفيف العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، وفي المقابل، تؤكد واشنطن أن الملف النووي سيبقى على طاولة المفاوضات خلال مرحلة لاحقة تمتد لنحو 60 يوما.
ويقول مسؤولون أمريكيون إن الهدف النهائي يتمثل في تفكيك البرنامج النووي الإيراني والتخلص من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، بينما تتمسك طهران بحقها في الاحتفاظ ببرنامج نووي سلمي وبكميات من اليورانيوم المخصب بدرجات منخفضة.
ورغم الخلاف حول موعد الإعلان الرسمي، يبدو أن جوهر الاتفاق بات أقرب إلى التبلور من أي وقت مضى، لكن الصراع على توقيت التوقيع يكشف أن معركة النفوذ والرمزية لم تنته بعد بين الجانبين الأمريكي والإيراني.
فبين رئيس يسعى إلى ربط لحظة تاريخية باسمه، وقيادة إيرانية ترفض منحه هذا الانتصار المعنوي، قد يتحول يوم التوقيع نفسه إلى جزء من التفاوض، لا مجرد محطة بروتوكولية في طريق الاتفاق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك