" لتعرِفَ كيف ربيعٌ إلى الصَّيفِ قد مرَّ من كرمِه، نادِ شاعرا باسمِه".
وقد فعلت.
معتمدا على ذاكرة انطباعي عنه منذ لقائنا الأول في نهاية تسعينيات القرن الماضي.
عبد القادر الذي تفرغ للشعر كما لم يفعل أحد غيره، فلامست قصائده" سقف العالم" 1.
ولا عجب، فهو الذي يقول: أستشعر قرابةً ونسبًا بيني وبين الشعراء الذين أؤمن بشعريتهم على امتداد العصور.
منذ أن صدرت مجموعته الأولى (بالنار على جسد غيمة) 1976 وهو يربح رهان الشعر، ويخسر هباء اللهاث، الذي يتسابق عليه صغار الكتبة.
يخيّم فوق الرؤوس، ويكمن بين اعتلاج النفوسويشرب قهوته معنا في الصباحيلوث أفواهنا بالشعارات، أسماعنا بالخطاباتأحداقنا بالوجوه المريضة للساسة الخائبين"يعتبر الحصني بنّاء المشاهد الحركية في القصيدة العربية، مهندس الجدل بين الفكرة والخيال، فترى الخيال يرفع الفكرة لتصبح صورة، وترى الفكرة كيف تُوظف في القصيدة لتصبح مشهداً.
وما بينهما تنداح التفاصيل، وتبث في القصيدة روح الحياة.
وعلقت كفي على جرس الباب.
لكن نبضاً بأنملتي كان أفتر من أن يثير بأسلاكه شهوة للرنين"ذلك الأسلوب الذي تقمص موضوعه، هو الذي استدرجنا إلى القراءة أولاً، والى التأمل في البعد الصوفي المتجذر في قصائد عبد القادر الحصني، وما بين هذا وذاك كانت الدهشة عنوان وجودنا بين يديه، فالدراما غالباً ما تكون أحد مرتكزات الجمال في قصائد الحصني:" لو يفتح الباب، قال الحنينماذا لو انفتح الباب عنهم، فألفيتهم آخرين؟تعال أريك على الباب صمتين: صمتاً يرن وصمتاً يرين"هذا الطرح الرهيف هو في الحقيقة خلاصة أسئلة، والمتعطش الى ظمأ السؤال محروم من فيض الجواب كما يقول المتصوفة، ولكنه ليس محروماً من فيض الشعر.
حتى تجيء السوابق من كل قولفتلقى سواها من القول والخيل والليليسلك الحصني دربين للوصول الى القصيدة، وهذان المسلكان متوحدان ظاهرياً، مختلفان في بنيتيهما، جوانياً.
هذان المسلكان هما اللغة والإيقاع، لأن للإيقاع قراءة موسيقية لا تقل أهمية عن باقي القراءات، وإيقاع قصيدة الحصني محصن بثنائية الرموز الصوفية:" لماذا لا أكون زمانك، وتكون مكاني.
من الخطأ هنا الانتهاء بإشارة استفهام، يجب التوقف عند إشارة التعجب المتضمنة في الوجود الثنائي شكلاً، المتوحد حقيقة.
فهذا الشاعر الذي تخلى عن دراسة الهندسة المدنية في جامعة دمشق، لصالح هندسة الشعر، أصبح كـ" ماء الياقوت" 2" ينام في الأيقونة" 3.
فهو في الشعر كما يقول: لا أذكرُ أنّني صنعتُ ثيابًا لقصيدة، كنتُ أساعدها على ارتداء ثيابِها فقط.
الحصني أبعد ما يكون عن التكرار، إذ أن طبيعة تجربته متحولة الأطوار، وهذا ما خلّانا نلاحظ الاختلاف والتباين في مؤلفاته الشعرية، وما دفعنا إلى تفضيل قصيدة على قصيدةأما لغته فهي ليست اللغة المتعارف عليها وإن كانت تبدو كذلك، فالحصني يستعمل مفردات اللغة لصياغة مؤامرة لغوية موازية لتآمر الحالة الشعرية على الشاعر:" حين أيقن أني بمنقطع من خطاي إليه رثى ليوأومى لبعض مراياه أن تلبس الأمر بين رؤاي وبين رؤاه.
وينقطع الحبل بين المراد وبين المريد".
طريق الحصني إلى الحداثة، طريق خاص به وحده.
تستند حداثة الحصني على إرث هائل من الشعر العربي، لغته، وأوزانه، وميراثه اللغوي المكين.
أرث أخذه الحصني على محمل الجد، وأعاد إليه الاعتبار.
" لا بد من شجر كثيف في الظلامما تراكم من تفاصيل النهارتلك الخصوبة فائقة الوضوح في قصائد الحصني، فالصور المتلاحقة، ليست جزر متناثرة، كل منها تمسك بطرف سابقتها، وتمد يداً للصورة التي تليها.
" نديمك إن نمت يا سيدي لا ينامأترضى له أن يموت قليلاً، ويخبو في فيه كنز الكلام؟ "وكأن كل شيء قد أنجز، ولم يبق للشاعر إلا التعبير عنه.
بهذه الخلاصة يواجه الموجود عياناً، ليمنح نفسه فرصة معاينة ما وراء النصف الفارغ من كأس الوجود.
لغة الحصني في تماس مباشر مع الحياة، مع الخصوصية الفردية، مع نبرة الحب الخافتة، ومع الشعر، الشعر بمعناه ومبناه، الشعر بشكله ومضمونه، الشعر كحالة، وليس صفة.
في مؤلفات عبد القادر الحصني (بالنار على جسد غيمة 1976، الشجرة وعشق آخر 1980، ماء الياقوت 1993، ينام في الأيقونة 2008، كأني أرى 2006، سارقو النار 2014، في محبتها 2014)، يلاحظ ذلك التفاوت بين القصائد، فهي ليست نسخاً مكرورة، فالحصني أبعد ما يكون عن التكرار، إذ أن طبيعة تجربته متحولة الأطوار، وهذا ما خلّانا نلاحظ الاختلاف والتباين في مؤلفاته الشعرية، وما دفعنا إلى تفضيل قصيدة على قصيدة، علماً أن بعض القصائد لا يوجد ما يربطها إلى الشاعر الذي عرفناه بغيرها إلاّ أنها موجودة في ديوانه كالقصيدة الموسومة بـ (ماذا تريد القصيدة) في ديوانه ماء الياقوت، وقصيدته (نم قرير العين) المتضمنة في ديوانه، ينام في الأيقونة.
بقي أن نقول إن هذه ليست دراسة، فلقد مرّ بنا الفرق ذاهباً إلى جمعه، ومرّ بنا الجمع ذاهباً إلى فرقه، وبين المرورين مرّت قراءتنا، على أمل أن تنير شمعة في ليل الإبداع الشعري العربي الحديث، قبل أن تفرغ الساحة من فرسانها الأوائل.
فالشعر بالشعر أدرى كما يقول وصفي القرنفلي.
1- عنوان إحدى قصائد عبد القادر الحصني التي ألقاها في مهرجان الشعر العربي الثالث.
20072- عنوان مجموعة شعرية صدرت عن دار الرائي للنشر والتوزيع عام 20083- عنوان مجموعة شعرية صدرت عن دار الكنوز الأدبية 2008.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك