يطرح كتاب" اليسار ضد التنوير؟ " (المحروسة، القاهرة، ترجمة عصام الدين حسين، 2026) للأكاديمية الفرنسية المتخصصة في الفلسفة السياسية ستيفاني روزا، عدة أسئلة جوهرية حول مآلات التيارات اليسارية، والتحولات التي شهدتها خلال القرنين الأخيرين، من بينها: هل انقلب اليسار على أبيه الروحي كارل ماركس؟ وهل بات يهاجم إرث التنوير الذي كان لعقود مصدر استمراره؟وينطلق الكتاب الصادر بداية عن دار" فايار" عام 2020، من كون الهجوم على أفكار مثل العقلانية والتقدم والكونية لم يعد مصدره اليمين المحافظ أو المؤسسات الدينية فحسب، بل امتد إلى التيار اليساري، كما أنه بات مرصوداً في بعض دراسات ما بعد الاستعمار، وفي شعارات الحركة النسوية التقاطعية، والعديد من الحركات الهوياتية.
ويعدّ الكتاب خلاصة لدراسات ستيفاني روزا السابقة حول فلسفة التنوير والفكر الاشتراكي، وتقول الكاتبة فيه، إنه" منذ ظهور الحركات الاشتراكية والشيوعية والأناركية، كانت مهمة اليسار هي توسيع مكتسبات التنوير، لا هدمها.
أما اليوم، فثمة تيار يساري يُحدث تحوّلاً جوهرياً في طبيعة هذه العلاقة".
يُفرد الكتاب الفصل الأول لتشخيص ما يسمّيه" اللاعقلانية الجديدة"، وكيف تتسلل إلى اليسار في أثواب متعددة، من بينها رفض الأُطر التنظيمية الجماعية، مثل النقابات العمالية، وتحدي مسارات اتخاذ القرار الديمقراطية، مع التركيز على ظاهرة التعلق بالعفوية والحدس على حساب التحليل المنهجي.
وتُحدد الكاتبة بوضوح كيف تتقاطع اللاعقلانية مع العداء للعلم، وكيف تحول الفكر اليساري من أداة تحرر عقلاني إلى احتضان الغرائز ودعم أزمة الهويات.
وهي ترصد في الكتاب ظاهرتين معاصرتين، أولاهما ازدهار ثقافة" الشهادة الشخصية" والتي باتت تُقدَّم بوصفها أهم من المعرفة النظرية، والثانية هي صعود" المعرفة الهوياتية"، والتي تربط صحة الادعاء المعرفي بانتماء صاحبه الهوياتي.
تقول روزا: " اللجوء إلى أسلوب الرواية بضمير المتكلم، ورفض التعميم لصالح التجارب الفردية من بين نتائج هذه الروح المعادية للعقلانية".
ترى أن اليسار ليس تحررياً ما لم يحافظ على العقلانيةفي فصله الثاني، يعالج الكتاب هجوم تيارات يسارية على مفهوم التقدم، وتستحضر الكاتبة ما فعله الفيلسوف الفرنسي جورج سوريل (1847-1922)، صاحب كتاب" أوهام التقدم" الصادر في عام 1908، حين انتقد التقدم باعتبار أنه" أيديولوجيا برجوازية صُممت لترسيخ هيمنة الطبقات الحاكمة، وصرف انتباه الجماهير عن النضال الحقيقي"، وانتقد فكرة" الخط المستقيم" للتاريخ التي روّجها مفكرو عصر التنوير، معتبراً أنها" أسطورة ملفقة لإقناع الطبقات الكادحة بأن الحاضر هو بالضرورة أفضل من الماضي، والمستقبل سيكون أفضل للجميع، ما يبث السلبية والاستكانة".
يعدّ فصل الكتاب الثالث هو الأكثر توسعاً، والأكثر إثارة للجدل أيضاً، وفيه تحاول الكاتبة إثبات أن مفهوم الكونية يشمل الحقوق الإنسانية المشتركة، والمساواة بصرف النظر عن الانتماء، والعلمانية بوصفها فضاء محايداً، وترى أن تلك المبادئ الأساسية باتت تتعرض لحملات إقصاء أو إنهاء من بعض منظري التيار اليساري.
وتكتب: " بالنسبة للهوياتيين العِرقيين المعاصرين، تخفي فكرة الكونية واقع الهيمنة البيضاء، فالكونية المُدّعاة ليست في رأيهم سوى قناع يبرر استمرار النظام الاستعماري".
تفكك انزياح اليسار عن العمل النقابي لصالح صعود الهوياتوتستشهد بمثالين للدلالة على فكرتها: أولهما استناد هو تشي منه في إعلان استقلال فيتنام عام 1945 صراحةً إلى إعلان الاستقلال الأميركي وإعلان حقوق الإنسان الفرنسي، مستعملاً الكونية التنويرية سلاحاً أيديولوجياً ضد الاستعمار، لا أداة لتسويغه.
والمثال الثاني هو الخلاف بين جواهر لال نهرو والمهاتما غاندي حول رؤيتهما لمستقبل الهند، حين دافع نهرو بوصفه رجل دولة ذا توجه اشتراكي عن إرث العقلانية الغربية بوصفها أداة أساسية لتحديث المجتمع، في حين كان غاندي يدعو إلى اقتصاد ريفي لا مركزي يؤدي إلى الاكتفاء الذاتي، والعودة إلى نمط الحياة التقليدي.
ويورد الكتاب نقداً لاذعاً لتيار النسوية التقاطعية، والذي يعتبر أن تجارب النساء تختلف بحسب العرق، والطبقة، والتوجه الجنسي، والموقع الجغرافي، وترى الكتابة في ذلك توجهاً طبقياً، وأن هذا التيار يُفرط في تقييم الجندرية والعرقية على حساب المساواة، كما يُفتت النضال العمالي ويُشتت طاقته في مسائل هوياتية.
وتستشهد بالنقاش المحتدم حول دستور تونس في 2012، حين تبنّى المشروع الأول للدستور تعريف" المرأة مكملة للرجل لا مساوية له".
وتقول روزا: " أين كانت الفيلسوفات الحقيقيات في تلك اللحظة؟ لماذا تصدت لهذا التعريف المعارضات التونسيات المدفوعات بكره الإسلام وحدهنّ؟ ".
ويمكن اعتبار محاولة رسم الخريطة الفكرية للتيارات اليسارية من بين أبرز ما يُقدمه كتاب" اليسار ضدّ التنوير؟ "، إذ تتبعت ستيفاني روزا كيف انبثقت بذور اللاعقلانية اليسارية من رحم النقابية الثورية في مطلع القرن العشرين.
وترصد هجوم جورج سوريل على الاشتراكية البرلمانية متهماً إياها بالتواطؤ مع الجمهورية البرجوازية، ثم ذهاب تلميذه عالم الاجتماع إدوار بيرت (1875-1939) أبعد من ذلك بالدعوة إلى التحالف مع أقصى اليمين، ما يعتبره الكتاب" إرهاصة أولى للفاشية".
وتؤكد روزا أن تلك المواقف أظهرت بجلاء أن رفض أفكار التنوير يمكن أن يقود تيار اليسار إلى مواقف لا تختلف كثيراً عن كل ما يدعي محاربته.
وكتبت: " ثمة تقاطع نظري بين دراسات ما بعد الاستعمار المعادية للكونية، وبين مواقف الإسلام السياسي، ويعتمد هذا التقاطع بالأساس على رفض الكونية التنويرية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك