تلتقي في تجربة الرسام البريطاني ديفيد هوكني الذي رحل الخميس الماضي عن ثمانية وثمانين عاماً، مصادر عديدة خلقت ما نعرفه عن أسلوبه البصري المبهج.
بدايةً من مسقط رأسه مدينة برادفورد الصناعية، وحتى تأثّره العميق بكبار رسامي الحداثة في القرن العشرين، فقد أخذ من تكعيبية بيكاسو كسر النسق، والنظر إلى الأشخاص والطبيعة من زوايا متعددة، ومن وحشية هنري ماتيس الألوان الفاقعة بعيداً عن الالتزام بالتصوير الدقيق، وما إن انتقل إلى كاليفورنيا في الستينيات حتى انخرط في أجواء البوب آرت الأميركي، محوّلاً شمس لوس أنجلس وزرقة مسابحها إلى علامة مسجّلة باسمه.
المسبح هو كلمة السرّ التي اشتُهر بها هوكني متّخذاً منه موضوعاً تشكيلياً متخفّفاً، كما في لوحته" رذاذ أكبر" (1967) التي أراد من خلالها أن يرسم شيئاً يدوم لثانيتين فقط، وفقاً لتصريحه، وإن استغرقه رسمُها أسبوعين كاملين، إذ اعتمد على ألوان الأكريليك، واستخدم فرشاة صغيرة جداً لينقل تفاصيل تطاير رذاذ الماء وحركته الشفافة.
وتعمّد هوكني ألا يُظهر الشخص الذي قفز، تاركاً المجال للأثر كي يعبر عن ذلك، وسط مساحات من الأزرق والوردي.
رأى في التقنية مساراً مُمكناً لتطور الفن وليست نقضاً لهبالتوازي مع سحر المياه، برع هوكني في السبعينيات في رسم البورتريهات الثنائية التي تجمع شخصين في كادر واحد، وأبرزها لوحة" السيد والسيدة كلارك والقط بيرسي" (1970).
نجده في هذه الأعمال يفكك العلاقات الإنسانية، إذ رسم الزوجين في اتجاهات مختلفة ليُفصح من خلال هذه الإشارة عن مشاعر العزلة والفراغ خلف الأناقة الظاهرية.
ورغم نجاحه في تلك الفترة، إلا أن أسلوبه لم يستقبل باستحسان النقاد، باعتبار أنه" رسّام توضيحي" أو" فنّان خفيف الوزن"، خاصة أن الجدّية وملامح الحِدَاد التراجيدي - وهُما شرطان لم تحفل بهما اشتغالاتُه- كانت الثيمات الأبرز التي تُشكِّل متن فنون ما بعد الحرب العالمية الثانية.
خاض هوكني سجالاً ضد الكاميرا الفوتوغرافية، فكان عام 1982 أحد النقاط الفارقة في مسيرته، عندما أراد تصوير تفاصيل بيته في لوس أنجلس، فلاحظ أن العدسة تعطي صورة مسطّحة، ومن هنا وُلد موقفه الشهير، إذ اشترى كاميرا فورية وبدأ يلتقط عشرات الصور المنفصلة لزوايا الغرفة، ثم قام بلصقها في كولاج واحد، يُظهر عناصر الغرفة في أوقات وإضاءات مختلفة، في محاولة منه لكسر جمود اللقطة الميكانيكية.
هذه الحيوية، ستقوده لاحقاً، وهو في الثمانين من عمره، إلى ترك الفرشاة التقليدية، والرسم بواسطة شاشات الآيباد والآيفون، متجاوزاً تطيُّر أقرانه - أو حتى حالة الرهاب من التكنولوجيا السائدة - من أثر الآلة على الفنّ.
وقبيل أن ندخل الألفية الجديدة بسنتين، أنجز هوكني عمله" الوادي العظيم"، الذي بلغ فيه شغفُه بتركيب الأجزاء وتفكيكها ذروته.
فلكي يجسّد المهابة والاتساع اللامتناهي لهذا المَعلم الأميركي، تخلّى عن فكرة اللوحة التقليدية الضخمة، وبدلاً من ذلك، قسّم المشهد إلى 60 لوحة صغيرة منفصلة، رسم كلّاً منها على حدة، قبل أن يجمعها معاً كمكعّبات اللعب، ليُشيد جدارية يتجاوز عرضها سبعة أمتار.
ومن خلال هذا التكنيك، ثار هوكني على قواعد المنظور التقليدي في الرسم.
فبينما ترصد عينك قمّة صخرية في الأعلى، تلتقط في اللحظة ذاتها عُمق الهوة السحيقة في الأسفل والامتداد المنكشف على جوانب عدة.
عام 2001 أصدر الرسام البريطاني كتابه" المعرفة السرّية"، حيث لاحظ فيه أن اللوحات بعد عام 1430 تحولت فجأة من الطابع البسيط المسطح إلى واقعية شديدة تُشبه الصور الفوتوغرافية، مما قاده لإجراء تجارب في مرسمه افترض من خلالها أن رسامين قدامى مثل كارافاجيو وفيرمير وفان إيك استخدموا سرّاً أدوات بصرية ومرايا عاكسة (كالكاميرا المظلمة) ليعكسوا خيال المشهد على القماش، ومن ثم تتبُّع الخطوط بدقة وتلوينها.
واجهت أطروحة هوكني رفضاً من أصوات أكاديمية عديدة، من بينها المتخصص في علم البصريات ديفيد ستورك الذي رأى فيها افتقاراً إلى المنهجية التاريخية، وانحيازاً شخصياً نحو التكنولوجيا أكثر من كونها قراءة تاريخية موضوعية، وقد خلص ستورك من خلال نمذجة حاسوبية إلى أن التشوهات البصرية في إحدى لوحات فان إيك لا تتوافق مع الإسقاط البصري، مرجّحاً أنها أخطاء طبيعية مألوفة في الرسم بالعين المجردة أو خيارات أسلوبية متعمدة.
وفي العقد الأخير من حياته، انتقل هوكني إلى ريف النورماندي شمال فرنسا، وهناك توّج مغامرته التكنولوجية بمعرضه الضخم" عام في النورماندي" (" متحف أورانجيري"، باريس، 2021).
في هذا المعرض صمّم لوحة رقمية واحدة متصلة يصل طولها إلى 90 متراً، ممتدة على طول الجدار كشريط سينمائي.
وقد استلهم هذا الشكل الفريد مباشرة من" نسيج بايو" التاريخي (أثر فرنسي فني من القرن الحادي عشر)، أراد هوكني محاكاة هذا الأثر القديم ليروي قصة السلام وتغير الفصول.
ملحمة لم تكن لتتحقق لولا التكنولوجيا، فقد رسمها بالكامل مستخدماً تطبيق (Brushes) على جهاز آيباد، في واحد من استدلالاته على قدرة التكنولوجيا في أن تخدم الفن إن وقعت باليد الصحيحة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك