تعيش إسرائيل حالةً من الاستنفار الأمني والعسكري منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، إذ تعمل سلطة الاحتلال على ترسيخ استراتيجية جديدة داخل المجتمع الإسرائيلي تستند إلى الهيمنة والسيطرة على الأراضي العربية، ورفض أي تسوية سياسية، مع فرض واقع جديد يهدف إلى حرمان السكان من حقوقهم المشروعة ودفعهم نحو التهجير القسري من أراضيهم.
ويرتكز مفهوم الأمن لدى حكومة بنيامين نتنياهو على زعزعة الأمن والاستقرار وإشاعة الفوضى في منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب التحشيد المستمر للمستوطنين الإسرائيليين وجيش الاحتلال، استعدادًا لخوض معارك مفتوحة لا أفق سياسيًا لها، سواء في غزة أو لبنان أو سوريا أو إيران، وذلك في ظل فشل دبلوماسي أمريكي واضح في لجم السلوك العدواني الإسرائيلي.
ويسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى فرض واقع أمني وجغرافي جديد في المنطقة، تكون فيه القوة الوسيلة الأساسية لترسيخ أجندته ومخططاته، وذلك بذريعة حماية أمن إسرائيل من أي تهديدات مستقبلية.
وهو الفخ الذي تورطت فيه الإدارة الأمريكية، من خلال الانخراط في معارك تخدم السياسة الإسرائيلية وحدها في الشرق الأوسط، بينما تلحق ضررًا بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة.
كما تستخدم الحكومة اليمينية الإسرائيلية سياسة المناورة في تنفيذ التفاهمات الأخيرة في لبنان وغزة، وتتهرب من التزاماتها المتعلقة بتنفيذ كامل بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
وينطبق الأمر ذاته على رفضها وقف العمليات العسكرية والقصف المستمر للجنوب اللبناني، بذريعة ضرورة نزع سلاح حزب الله أولًا وتمكين الحكومة اللبنانية من بسط سيطرتها.
ومع هذا التوجه الإسرائيلي الساعي إلى الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، تشكل خلال الأشهر الماضية تكتل إقليمي موازٍ يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان وقطر، بهدف احتواء السياسات الإسرائيلية التصعيدية، وخلق توازن إقليمي قادر على التصدي لأي محاولات لفرض الهيمنة بالقوة.
كما يربط هذا التكتل أي خطوات تطبيعية مستقبلية بين إسرائيل والدول العربية بضرورة التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، يقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
إن الفوضى الاستراتيجية التي تتبناها حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل تتطلب عملًا عربيًا مشتركًا، وجبهة إقليمية موحدة تحول دون أي محاولات لزعزعة استقرار المنطقة أو فرض ترتيبات أحادية لنظام إقليمي جديد.
ويتطلب ذلك تعزيز مجالات التعاون السياسي والعسكري بين الدول المعتدلة في المنطقة، للتصدي للمخططات الإسرائيلية الهادفة إلى الهيمنة على ثروات ومقدرات الشعوب العربية.
وتشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى اتساع الفجوة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع احتمالية توسعها تدريجيًا نتيجة تراكم تكاليف الحروب والصراعات على واشنطن، فضلًا عن توسيع إسرائيل لدائرة المواجهة في الإقليم ومحاولة جر الولايات المتحدة إلى حروب طويلة الأمد.
ويتناقض هذا النهج مع السياسة الأمريكية التقليدية التي تسعى إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار والتوازن في المنطقة، وتأمين حركة التجارة الدولية، والحفاظ على أسعار النفط ضمن مستويات مقبولة.
ويشير الواقع السياسي الراهن إلى صعوبة إطلاق أي مفاوضات سلام جادة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في ظل الأجواء الحالية غير المهيأة لذلك.
ويتطلب الأمر جهدًا دبلوماسيًا مكثفًا تقوده الولايات المتحدة وعدد من القوى الدولية المؤثرة، من أجل تهيئة الظروف اللازمة لإطلاق مسار جديد للسلام في الشرق الأوسط، ينهي حالة الاستقطاب والصراع العسكري المستمر.
والحقيقة أن القضية الفلسطينية تمر بواحدة من أصعب مراحلها خلال العقود الماضية، الأمر الذي يستدعي جهدًا وطنيًا فلسطينيًا للتوافق على رؤية موحدة تنطلق من توحيد الصفوف وإنهاء الانقسام، مرورًا بتجديد شرعية المؤسسات من خلال إجراء الانتخابات العامة والتشريعية دون إقصاء، وصولًا إلى الاستعداد لمعركة دبلوماسية مرتقبة قد تكون الأشد صعوبة في سبيل انتزاع الحق الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وتحقيق حقه في تقرير المصير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك