في خطوة تعكس تحولا استراتيجيا عميقا في توجهات سلطنة عُمان، كشف تقرير “سوق الأمن السيبراني والاستثمار في سلطنة عُمان 2026” الصادر عن المركز الوطني للسلامة المعلوماتية بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات أن سلطنة عُمان لم تعد تنظر إلى الأمن السيبراني باعتباره درعا دفاعية فحسب، بل باتت تؤطره محركا أساسيا للتنويع الاقتصادي والنمو.
من الدفاع إلى الصناعة: قصة تحولالمفهوم الذي يشير اليه التقرير جريء في جوهره: أن الأمن السيبراني يمكن أن يكون صناعة قائمة بذاتها تصدر الخبرات وتجذب الاستثمارات، لا مجرد تكلفة تتحملها المؤسسات لحماية بياناتها.
وفي هذا السياق، أطلقت السلطنة برنامج “حداثة” للصناعة السيبرانية، الذي يعد الأول من نوعه على مستوى المنطقة، ويقوم على ستة ركائز استراتيجية وهي: تعزيز المهارات، وتحفيز الابتكار، وتمكين الشركات الناشئة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتقديم الحوافز السوقية، ودعم تصدير الخدمات، وتعزيز التعاون الدولي.
خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، حقق البرنامج نتائج ملموسة لا يمكن تجاهلها:- تضاعف عدد الشركات المحلية العاملة في الأمن السيبراني من 16 شركة عام 2020 إلى 48 شركة بنهاية عام 2025، ليصل إجمالي الشركات العاملة في السوق العُماني إلى 56 شركة محلية ودولية.
- ارتفع عدد مزودي الخدمات السيبرانية المعتمدين من 4 شركات عام 2021 إلى 11 شركة بنهاية عام 2025.
- بلغ عدد المنتجات السيبرانية المطورة محليا 17 منتجا، فيما حصلت 3 شركات عُمانية على اعتمادات دولية.
- استفاد من البرنامج أكثر من 13,000 شخص على مدار خمس سنوات، في ظل وجود 445 طالبا في تخصصات الأمن السيبراني عبر 18 مؤسسة أكاديمية.
- أطلقت 36 مبادرة معتمدة، ونظمت 120 فعالية محلية ودولية، وأبرمت 32 مذكرة تعاون، إلى جانب تحديد 6 فرص استثمارية واضحة المعالم.
ما يمنح هذه الأرقام مصداقيتها الدولية هو تصنيف عُمان ضمن الفئة الأولى عالميا في مؤشر الجاهزية السيبرانية للاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، إذ ارتفعت نقاطها من 96 نقطة عام 2020 إلى 97.
02 نقطة عام 2024.
وتتوافق هذه المكانة مع إنجازات لافتة، أبرزها استضافة المركز الإقليمي للأمن السيبراني (RCC) بموجب اتفاقية مع الاتحاد الدولي للاتصالات، وتولي رئاسة مجلس إدارة منظمة التعاون الإسلامي للمراكز الوطنية للأمن السيبراني (OIC-CERT)، وتحقيق خمسة أرقام قياسية موثقة في موسوعة غينيس خلال الأسبوع الإقليمي الحادي عشر للأمن السيبراني.
على صعيد الأرقام الاقتصادية، تشير التوقعات إلى أن سوق الأمن السيبراني في عُمان سينمو من 135.
33 مليون دولار عام 2025 إلى 214.
27 مليون دولار بحلول 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 7.
97%، وفقا لبيانات مؤسسة Mordor Intelligence.
ويأتي هذا النمو في سياق عالمي مواكب، حيث يتوقع أن يتجاوز حجم سوق الأمن السيبراني العالمي 878 مليار دولار بحلول 2034، مرتفعا من نحو 302 مليار دولار عام 2025، بمعدل نمو سنوي مركب يصل إلى 12.
6%.
ومن أبرز المحركات المحلية لهذا النمو: اشتراطات “الأمن بالتصميم” التي تفرضها رؤية عُمان 2040 على جميع المشاريع الحكومية الجديدة، وقواعد الإقامة الإلزامية للبيانات التي توجه رؤوس الأموال نحو مراكز البيانات المحلية والسحابة السيادية.
- موقع استراتيجي يصنع الفارق: لا يمكن فهم الطموح العُماني في قطاع الأمن السيبراني بمعزل عن الجغرافيا.
فسلطنة عُمان، ثالث أكبر دول شبه الجزيرة العربية بمساحة تبلغ 309,500 كيلومتر مربع وساحل يمتد لأكثر من 3,000 كيلومتر مطلا على الخليج العربي وبحر عُمان وبحر العرب، تجلس عند مفترق طرق يربط ثلاث قارات.
موقعها عند مدخل الخليج العربي، يعتبر مصدر ثلثي صادرات النفط العالمية والذي يمنحها ورقة نادرة: إمكانية الوصول إلى الهند والصين وأفريقيا والاتحاد الأوروبي والأمريكيتين، مع قدرة فريدة على تجاوز مضيق هرمز عند الحاجة.
وتعزز موانئ صلالة ومسقط وصحار والدقم هذه الميزة لتصل إلى أكثر من ملياري مستهلك عبر ثلاث قارات.
- تنوع البيئات: ميزة غير مألوفة: ما يميز عُمان إضافة إلى موقعها هو تنوع تضاريسها الطبيعية بشكل استثنائي، من الجبال إلى الصحراء إلى الساحل.
وهذا التنوع يجعلها بيئة اختبار مثالية لتجربة الحلول التقنية والأمنية في ظروف مناخية وجغرافية متباينة، وهي ميزة تنافسية نادرا ما تذكر لكنها ذات قيمة حقيقية للشركات التي تطور منتجات تعمل في بيئات متعددة.
- شراكات: على الصعيد الدبلوماسي والاقتصادي، تربط سلطنة عُمان بالولايات المتحدة الأمريكية علاقة متميزة تجاوزت الإطار السياسي لتترجم إلى اتفاقيات ملزمة تخدم المستثمرين مباشرة، أبرزها اتفاقية التجارة الحرة التي تزيل الحواجز الجمركية وتسهل تدفق السلع والخدمات، واتفاقية التعاون في مجالي العلوم والتكنولوجيا التي تفتح آفاقا للبحث المشترك والابتكار التقني.
وتمنح هذه الاتفاقيات الشركات الأمريكية العاملة في مجال الأمن السيبراني ميزة تنافسية واضحة عند الدخول إلى السوق العُمانية، كما تسهل على الشركات العُمانية الوصول إلى السوق الأمريكية.
فرص استثمارية لا تزال شاغرةيكشف التقرير الذي اطلعت عليه “أثير” عن 6 فرص استثمارية عالية الأثر لا تزال في طور الدراسة الأولية، وهي:- مركز العمليات الأمنية المدعوم بالذكاء الاصطناعي (AI SOC) في مسقط، بتكلفة تقديرية تبلغ 10 ملايين دولار، يستهدف ما بين 200 و400 جهة، في سوق عالمي يتوقع أن ينمو من 25.
35 مليار دولار إلى 93.
75 مليار دولار بحلول 2030.
- الأمن السيبراني الكمي في مسقط، باستثمار يتراوح بين 5 و15 مليون دولار، في سوق عالمي ينمو بمعدل 28.
4% سنويا، ليقفز من 1.
5 مليار دولار عام 2023 إلى 8.
8 مليار دولار بحلول 2030.
- الأمن السيبراني كخدمة (CaaS) للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في مسقط، بتكلفة تقدربـ19.
5 مليون دولار، ويستهدف أكثر من 141,000 مشروع صغير ومتوسط.
- مختبر جدار الحماية السيبراني في مسقط وصحار، الأول من نوعه في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا، في سوق يتوقع أن ينمو من 3.
15 مليار دولار إلى 12.
26 مليار دولار بحلول 2030.
- مختبر استرداد البيانات والأجهزة الإلكترونية والتخلص منها بأمان، الذي يعالج ثغرة حقيقية في التعامل مع الأجهزة الحاوية على بيانات حساسة.
- التأمين السيبراني، وهو قطاع ناشئ عالمياً لا يزال يفتقر إلى لاعب محلي رائد في عُمان.
على صعيد بيئة الأعمال، تقدم سلطنة عُمان منظومة حوافز تنافسية تشمل: الملكية الأجنبية الكاملة في مشاريع ومناطق بعينها، وإعفاءات ضريبية على الشركات لمدة تصل إلى 25 عاما في المناطق الحرة والصناعية، وضريبة دخل شخصية صفرية، وحرية تحويل رأس المال والأرباح دون قيود، فضلا عن اتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة وسنغافورة.
وتضاف إلى ذلك مزايا تشغيلية كبرنامج اعتماد وزارة الاتصالات الذي يسهل الوصول إلى المناقصات الحكومية، ومسار الترخيص السريع عبر بوابة “استثمر في عُمان”، ومناطق اقتصادية متخصصة من بينها منطقة الذكاء الاصطناعي الجديدة في مسقط التي أُسست بموجب المرسوم السلطاني رقم 50 لعام 2026.
يرسم التقرير أهدافا واضحة للمرحلة المقبلة، أبرزها: دعم تطوير 15 منتجا سيبرانيا محليا جديدا، وتأسيس 8 شركات سيبرانية محلية، وخلق 28% من فرص العمل والدخل في القطاع، والحفاظ على التصنيف العالمي ضمن الفئة الأولى.
وستتحقق هذه الأهداف عبر ثمانية مسارات متكاملة تشمل: القدرات والإطلاق والتنمية والتحفيز والتميز والشراكة والثقة الرقمية والتكامل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك