قال الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ صدق الله العظيم.
أوردت هذه الآية الكريمة في صدر هذا المقال لأنها اشتملت على دعوة إلهية عظيمة تنهى الناس عن الظن السيئ الذي لا يستند إلى دليل، والمعروف بأنه يورد صاحبه موارد الإثم والظلم، ويفضي إلى تفكيك وانهيار المجتمع وضرب الثقة والمحبة بين الناس وإشاعة الشكوك والتجسس، وذلك مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والظن؛ فإن الظن أكذبُ الحديث)).
مناسبة هذا المقال ما كتبه وقاله مؤخراً بعض الناس حول مشاركة مولانا السيد جعفر الصادق الميرغني، رئيس الكتلة الديمقراطية نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي، في أعمال منتدى أوسلو 2026، المنعقد برعاية وزارة الخارجية النرويجية؛ حيث إنهم رددوا كلاماً ووجهوا اتهامات بغير برهان ولا تستند إلى دليل، فالحذر كل الحذر من طلاقة اللسان للنَّيْل من مواقف الناس بالباطل.
هذا المقال ليس دفاعاً عن السيد جعفر الميرغني، ولا تجريماً لغيره، ولكنه رغبة صادقة تهدف إلى التركيز على الوقائع المجردة لمشاركة السيد جعفر الميرغني في هذا المنتدى المهم وتبيان الحقيقة للعيان.
يُطلّ علينا بين الحين والآخر من يريد أن يصطاد في ماء المواقف العكِر، فيرفع سؤالاً يحسبه مُفحِماً: كيف يشارك السيد جعفر الصادق الميرغني في منتدى أوسلو، وقد اعتذرت الكتلة الديمقراطية عن اجتماعات أديس أبابا؟ ويظنّ صاحب السؤال أنه أمسك تناقضاً، وما أمسك إلا جهله بالفرق بين محفلٍ ومحفل.
فدعونا نضع النقاط على الحروف، بهدوء.
منتدى أوسلو ليس طاولة تفاوض، ولا مكان حوار ولا آلية تُصدر قرارات، ولا منبراً يُلزم أحداً بشيء.
هو محفلٌ دوليّ للحوار غير الرسميّ، يلتقي فيه الناس تحت قاعدة عدم الإحالة، فيقول كلٌّ كلمته، ويختار من يجلس إليه ومن يُعرض عنه.
هناك ذهب السيد جعفر الميرغني حاملاً صوت السودان، فكان لهذا الصوت حضورٌ شهد له المشاركون، واختار لقاءاته بنفسه، وقالها صريحةً مدوّية: لا نجلس إلى «تأسيس».
فلقي موقفه فهماً واحتراماً، ولم يُطلب منه ما يخالف ضميره.
هذه هي أوسلو: مساحةٌ يملك فيها الفرد قراره، فتحفظ الثوابت دون دفع ثمن، أوسلو وظف فيها السيد جعفر احترامه الكبير ومكانته الشخصية والدينية والتاريخية لصالح الوطن ومواقف الكتلة الديمقراطية.
أمّا أديس فشأنٌ آخر تماماً.
إنه مسارٌ تفاوضيّ-تنسيقيّ يقصد ترتيب أطراف العملية ويطلقها ويفضي لإنتاج توافقاتٍ يُحتجّ بها غداً، وتركيبته — لا أهواؤنا — تفترض الجلوس إلى «تأسيس»، أي الدعم السريع.
والجلوس إليه في هذه اللحظة ليس مجرّد حضور، بل منحُ شرعيةٍ سياسية لمن لم يُسأل بعد عمّا ارتُكب في حقّ الشعب السوداني، وتقديمُ التسوية على العدالة، يتزامن مع خطة خبيثة للتشكيك في شرعية الدولة، ويتجاوز تحفظات الكتلة الديمقراطية ويلتف عليها ويلغي اجتماعات في آخر ثانية.
وهو أمر حسمه السيد جعفر في أوسلو.
فمن أراد من السيد أن يمنح هذه الشرعية باسم «المشاركة»، إنما طلب منه أن يبيع المبدأ في سوق المجاملات، وهو لن يفعل.
ها هنا يسقط الخلط من جذوره.
ففي أوسلو تتحكّم بمن تجالس، وفي أديس يُفرض عليك من ترفض.
في أوسلو منبرٌ بلا التزام، وفي أديس مخرجاتٌ مُلزِمة.
في أوسلو نحفظ الخطّ ونحن جالسون، وفي أديس لا نحفظه إلا ونحن مُحجِمون.
بعض فروقٍ حاكمة لا يخطئها إلا من أغمض عينيه عمداً.
والذي يجمع الموقفين، لا يفرّقهما، مبدأٌ واحدٌ ثابت: لا نمنح سلاحاً متمرداً شرعيةً أياً كان، ولا نقدّم صفقةً على عدالة.
فيا من تسوّون بين المحفلين: لقد قِستم منبراً مفتوحاً نملك فيه زمام قرارنا على آليةٍ تفرض علينا ما لا نقبله، وتتلاعب بنا.
وذلك قياسٌ مع الفارق، باطلٌ من أساسه.
إنّ من يعرف متى يجلس ومتى ينهض ليس متناقضاً، بل صاحب بوصلةٍ لا تهتزّ.
وموقف السيد لم يتبدّل بين عاصمةٍ وأخرى، ولا بين طاولةٍ وطاولة؛ كلمته في أوسلو هي كلمته في الخرطوم وبورتسودان، لا يلوي لسانه لمجاملة، ولا يساوم على ثابتٍ من ثوابت الوطن.
وتلك — لعمري — هي السياسة حين تكون مبدأً، لا حين تكون مزايدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك