تتزاحم الاستحقاقات، ولبنان الرسمي يقف على حافة هاويتين: هاوية الأطماع الإسرائيلية والخطط غير المعلنة التي تتكشف معالمها تدريجيًا على الأرض، وهاوية المسعى الإيراني للإبقاء على نفوذه.
وفيما يستعد لبنان لخوض الجولة الخامسة من المفاوضات الدبلوماسية غير المباشرة مع إسرائيل، والمقررة بين 22 و24 من الشهر الجاري في واشنطن، تبقى الأنظار متجهة نحو مذكرة التفاهم المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تساؤل أساسي يُطرح في بيروت حول طبيعة الشق اللبناني في هذه المذكرة، وما سيكون عليه موقف إسرائيل منها.
ويرى مراقبون ميدانيون أن مدينة النبطية باتت، بحكم الأمر الواقع، ساقطة عسكريًا بعد إحكام الجيش الإسرائيلي سيطرته على قلعة الشقيف.
ويبدو من تحركات هذا الجيش، الذي توغل إلى بلدة كفرتبنيت، أن الهدف هو التلال المحيطة بالقلعة، بدءًا من تلال علي الطاهر المشرفة على النبطية، ما يعزز إحكام السيطرة على المدينة والبلدات المحيطة، وصولًا إلى تلال الريحان في قضاء جزين.
وتشير وتيرة تقدم الجيش الإسرائيلي إلى أنه لا يستعجل، إذ يتقدم وفق سياسة القضم الممنهج، على النحو الآتي: يدخل للاستطلاع وتحديد نقاط إطلاق النار ثم ينسحب، وبعد ذلك يستهدف مواقع الإطلاق جوًا، حيث تنتشر جيوب حزب الله، ليعود لاحقًا إلى منطقة التوغل ويثبت سيطرته، مكرسًا سياسة الأرض المحروقة الخالية تمامًا من السكان.
وتدل هذه الوتيرة على أن الجيش الإسرائيلي لا يعمل وفق أمد زمني قصير، بل إن خبراء عسكريين يتوقعون استمرار هذا التوغل باتجاه خطوط دفاع حزب الله في البقاع الغربي، ولا سيما بلدات سحمر ويحمر ومشغرة، بما يمكنه من تقليص الجزء الأكبر من القدرات العسكرية للحزب في المناطق التي تُعد من أبرز معاقله، حيث البيئة الشيعية الحاضنة، بخلاف المناطق الواقعة بعد هذه البلدات، التي تتسم بقدر أكبر من التنوع الحزبي والطائفي.
يشكل ما سبق التفسير الأبلغ لأداء الوفد الإسرائيلي في المفاوضات المباشرة مع الوفد اللبناني.
فوفقًا لمصدر دبلوماسي رفيع، لا يبدي المفاوض الإسرائيلي حماسة لهذه المفاوضات، إذ حضر إلى الجلسة الأخيرة وكأنه ذاهب إلى مجلس عزاء.
ويخلص المصدر إلى أن الجانب الإسرائيلي لا يبدو راغبًا في تقديم أي تنازل للبنان، بل يفضل الإبقاء على الوضع القائم، الذي يشكل بالنسبة إليه مكسبًا مستمرًا.
ويرى المصدر أن من مصلحة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الاستمرار في الحرب في لبنان، تمهيدًا لخوض الانتخابات المرتقبة في الخريف المقبل على أساس صورة «إله حرب».
وكلما اقتربت الانتخابات في كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، تلاقت المصالح بينهما وتضاءل الضغط الأميركي على إسرائيل، في ظل ما هو قائم من «حلف أميركي إسرائيلي».
ومن الواضح أن هناك مصلحة أميركية استجدت عندما اتضحت شهية إيران للوصاية على لبنان.
وأضاف المصدر الدبلوماسي الرفيع أن لبنان يدفع ثمن ما وصفه بـ«حرب الاختيار» التي خاضها حزب الله، وليس «حرب الضرورة»، مشيرًا إلى أنه كان بالإمكان تفاديها لتجنب تكبيد البلاد ما يمكن وصفه بـ«نكبة» و«كارثة وطنية» بكل ما للكلمة من معنى، نظرًا إلى حجم الخسائر التي لحقت بالجنوب والدولة والوطن ككل.
وأكد المصدر الدبلوماسي الرفيع أن «إعلان واشنطن» الذي تم التوصل إليه في جولة المفاوضات الرابعة يبقى الحل، بعدما تم التوصل إليه بضغط أميركي على إسرائيل.
ولفت إلى أن البديل بالنسبة إلى المفاوض اللبناني لن يكون وصاية إيرانية مباشرة أو غير مباشرة، إذ لا يملك هذا الطرح أي إمكانية للتحقق، في ظل تطابق الموقف اللبناني مع المواقف العربية في هذا الشأن.
وأضاف أن البديل لن يكون سوى استمرار الحرب وتفاقم الدمار الشامل والنزوح، مع احتمال امتداد ذلك إلى مناطق أخرى، في ظل عدم التوازن العسكري بين الجانب اللبناني والجانب الإسرائيلي.
وقال المصدر: «إن لبنان مضطر إلى أن يمسك الجمر بيديه» في محاولة لتحقيق ما يمكن تحقيقه، وتجاوز هذه المرحلة الصعبة والمعقدة.
ونفى بشدة ما جرى تداوله بشأن تشكيل لواء خاص في الجيش اللبناني لتولي أمن الجنوب، أو تسلم المفاوضين لائحة تضم أسماء 2300 عنصر من حزب الله لإخراجهم من جنوب الليطاني، واصفًا ذلك بأنه «افتراء بصناعة محلية».
في المقابل، ترى مصادر سياسية أن حزب الله يعول على مسار إسلام آباد، باعتبار أن هذا المسار، وفق تقدير الحزب، لن يقتصر على وقف إطلاق النار، بل قد يؤدي أيضًا إلى انسحاب إسرائيلي.
ويبقى هذا الملف محور ترقب، في ظل اتصالات متقدمة تُظهر دعمًا للبنان الرسمي من الدول العربية والخليجية المنخرطة في جهود الوساطة والمؤثرة في مسار النزاع، وهو دعم ترى الدولة اللبنانية أنه يشكل ورقة قوة في مفاوضاتها مع إسرائيل.
وعلى وقع ما سبق، يدخل لبنان مرحلة من الاختبار السياسي والدبلوماسي مع إنجاز التفاهم الإيراني – الأميركي، في حال تم، فيما الجنوب يتكوى على نار حرب مستمرة بعنف غير مسبوق منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وتتزايد المخاوف من أنه كلما تأخر الحل، تفاقمت الشروط، وأصبح الوضع أكثر تعقيدًا وفداحة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك