خسرت الساحة التشكيلية العالمية يوم الخميس الماضي في لندن، أحد أهم أعمدتها بوفاة العبقري البريطاني ديفيد هوكني عن عمر ناهز 88 عامًا، ليبقى إرثه الاستثنائي شاهدًا على مسيرة فنية تميزت بالتمرد، والبهجة، والحيوية المطلقة.
وأكدت وكيلة أعماله، إريكا بولتون، الخبر مشيرة إلى أن هوكني ظل يمارس شغفه الفني بلا كلل ويدافع عن فلسفته البصرية حتى الرمق الأخير، بحسب ما نقله موقع" news.
artnet".
طوال مسيرته الإبداعية التي امتدت لأكثر من سبعة عقود، نجح هوكني في إعادة تعريف طرق رؤيتنا للعالم من حولنا، فمن لوحاته الشهيرة لجراند كانيون وحقول مسقط رأسه في يوركشاير، إلى بورتريهاته الاستثنائية التي جسد فيها شخصيات متباينة مثل نجم البوب هاري ستايلز ووالديه، ظل محتفظًا بأسلوبه الفريد وفضوله الفني المتقد الذي لم يهدأ يومًا.
ويُعد هوكني نموذجًا نادرًا في التجريب والابتكار المستمر، إذ سار على خطى مثله الأعلى بابلو بيكاسو في كسر القوالب النمطية، ممتلكًا القدرة على التنقل بسلاسة بين ألوان الأكريليك، والألوان المائية، وفنون الكولاج، والطباعة، والرسم التقليدي.
كما كان سباقًا في توظيف التكنولوجيا الحديثة، حيث أبهر الجمهور العالمي بلوحاته المبتكرة عبر جهاز" الآيباد" وتجهيزاته الفنية التفاعلية، مما جعل معارضه تحقق دائمًا مبيعات قياسية كاملة العدد بغض النظر عن الوسيط الفني المستخدم.
ولم يتوقف عطاؤه الفني مع تقدم العمر، ففي عام 2024، وأثناء إشرافه على أضخم معرض استعادي لمسيرته في مؤسسة" لويس فويتون" بباريس، واصل تجاربه لابتكار أساليب بصرية جديدة.
ولد ديفيد هوكني عام 1937 في مدينة برادفورد التابعة لغرب يوركشاير، ونشأ كابن رابع بين خمسة أشقاء في عائلة وصفها بأنها" من الطبقة العاملة الراديكالية".
ظهرت موهبته الفنية الفذة منذ الطفولة، وصقلها بالدراسة في كلية برادفورد للفنون، حيث باع أولى لوحاته وكانت بورتريه لوالده مقابل 10 جنيهات إسترلينية فقط في معرض فناني يوركشاير عام 1957.
انتقل هوكني إلى العاصمة لندن عام 1959 ليلتحق بالكلية الملكية للفنون، وهناك التقى بأسماء لامعة مثل فرانسيس بيكون وبيتر بليك، وتوطدت صداقته بالفنان آر بي كيتاج.
ارتبط التحول الجوهري والنقلة النوعية في مسيرة هوكني الإبداعية بانتقاله إلى جنوب كاليفورنيا عام 1964، حيث بدأت مرحلة لوحاته الأيقونية الشهيرة لـحمامات السباحة، والتي اتجه فيها لاستخدام ألوان الأكريليك لإنتاج تدرجات بصرية أكثر سطوعًا وقوة.
تنقل ديفيد هوكني بكثرة طوال مسيرته، لكن فترة التسعينيات شهدت عودته المكثفة إلى يوركشاير لزيارة والدته التي رحلت عام 1999.
ومع بداية الألفية الجديدة، تجدد شغفه بالمناظر الطبيعية، فاتجه للرسم في الهواء الطلق مستخدمًا الألوان الزيتية والمائية، متبنيًا أسلوبًا طموحًا يقوم على تقسيم المشهد الواحد عبر لوحات متعددة متصلة.
وتجسد هذا الطموح في لوحته العملاقة" أشجار أكبر قرب الماء" (2007)، التي امتدت على مساحة 15 × 40 قدمًا، وقدمها كإهداء لمتحف" تيت" عام 2009.
عاش هوكني سنواته الأخيرة في مقاطعة نورماندي الفرنسية، قبل أن يقرر الاستقرار نهائيًا في العاصمة لندن عام 2023 وحتى وفاته.
حصد أرفع الأوسمة العالميةوخلال مسيرته الحافلة، حصد أرفع الأوسمة العالمية، فنال جائزة" بريميوم إمبريال" اليابانية عام 1989، ومُنح وسام الاستحقاق من الملكة إليزابيث الثانية عام 2012 (بعد أن اعتذر عن قبول لقب" فارس" عام 1990)، وصولاً إلى تقليده رتبة ضابط في وسام جوقة الشرف الفرنسي عام 2026.
تجاوزت معارضه الفردية حاجز الـ 400 معرض، أبرزها المعرض الاستعادي الضخم الذي نظمه متحف" تيت بريطانيا" عام 2017 احتفاءً بعيد ميلاده الثمانين، والذي طاف لاحقًا بمركز" بومبيدو" في باريس، ومتحف" المتروبوليتان" بنيويورك، ومتحف مقاطعة لوس أنجلوس للفنون.
أعمال هوكنى تحقق الملايين في المزاداتوعلى الصعيد المالي، تربع هوكني على عرش الفنانين الأحياء الأعلى قيمة في المزادات العالمية، حيث سجلت لوحته الشهيرة" بورتريه فنان (مسبح مع شخصيتين)" (1972) رقمًا قياسيًا قيمته 90.
3 مليون دولار في مزاد" كريستيز" الشهير عام 2018.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك