كشفت دراسة حديثة نشرتها منصة «مبادرة الحرب غير النظامية» الأمريكية أن الغارات التي تنفذها الطائرات الأمريكية المسيّرة في اليمن تتسبب في موجات نزوح واسعة بين المدنيين حتى في الحالات التي لا تسفر عن سقوط ضحايا، محذرة من أن هذه التداعيات الإنسانية قد تقوّض الأهداف الاستراتيجية المعلنة لعمليات مكافحة الإرهاب.
واعتمدت الدراسة على تحليل أكثر من 12 مليار سجل مكالمات هاتفية مجهولة الهوية تغطي قرابة نصف سكان اليمن خلال الفترة بين عامي 2010 و2012، بهدف تتبع أنماط الحركة والاتصالات في المناطق التي شهدت غارات جوية أمريكية.
وأظهرت النتائج أن نحو 5% من السكان القاطنين بالقرب من مواقع الضربات يغادرون مناطقهم خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى عقب الغارة، فيما يبقى أكثر من 20% من هؤلاء النازحين بعيداً عن منازلهم لأكثر من شهر.
وأشارت الدراسة إلى أن تأثير الطائرات المسيّرة على النزوح يفوق بثلاثة أضعاف تأثير التفجيرات التقليدية، بما في ذلك السيارات المفخخة، التي سجلت معدل نزوح بلغ 1.
7% فقط في المناطق المحيطة بها خلال الفترة نفسها.
واستشهدت الدراسة بغارة أمريكية استهدفت جبل خنفر قرب مدينة جعار بمحافظة أبين في مارس 2012، وأسفرت عن مقتل 18 عنصراً من تنظيم القاعدة دون تسجيل ضحايا مدنيين، إلا أنها تسببت في مغادرة نحو واحد من كل عشرين مدنياً للمنطقة خلال يوم واحد فقط.
كما رصدت الدراسة ارتفاعاً ملحوظاً في حجم الاتصالات الهاتفية عقب الضربات، حيث زادت المكالمات داخل المنطقة المستهدفة بنسبة 75% خلال الدقائق العشر الأولى، بينما تضاعفت الاتصالات الواردة إلى الموجودين في نطاق الغارة خلال التسعين دقيقة التالية، ما يشير إلى سرعة انتشار الأخبار وحالة القلق التي تعقب تلك العمليات.
ورأت الدراسة أن أحد أبرز أسباب النزوح يتمثل فيما وصفته بـ”الخوف الاستباقي”، الناتج عن القلق المستمر من إمكانية تكرار الضربات المفاجئة، إضافة إلى السمعة السلبية التي اكتسبتها الطائرات المسيّرة لدى السكان الذين يعيشون في مناطق الاستهداف.
وأكدت أن الآثار الإنسانية لا تقتصر على الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى اضطرابات اجتماعية واقتصادية ونفسية واسعة النطاق، فضلاً عن تغذية مشاعر السخط تجاه الولايات المتحدة وعملياتها العسكرية.
وأشارت الدراسة إلى أن استطلاعاً للرأي أجرته مؤسسة Arab Barometer عام 2018 أظهر أن 93% من اليمنيين يعتقدون أن السياسة الخارجية الأمريكية تضر باليمن، فيما اعتبر 84% أن الهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة تمثل “نتيجة منطقية” لسياساتها.
ورغم أن الدراسة لم تحسم مدى نجاح حملة الطائرات المسيّرة في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، فإنها خلصت إلى أن الجماعات المسلحة ما تزال تنشط في اليمن بعد مئات الغارات الجوية، في وقت تتزايد فيه المعارضة الشعبية لاستمرار تلك العمليات.
وأكدت أن النجاحات التكتيكية التي تحققها الضربات الجوية قد ترافقها تكاليف استراتيجية مرتفعة، داعية صناع القرار العسكري إلى أخذ آثار النزوح والخوف والاضطراب المجتمعي في الحسبان عند تقييم جدوى استخدام الطائرات المسيّرة في عمليات مكافحة الإرهاب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك