في يوم 22 مايو/أيار 1991، استيقظت تونس على وجه وزير داخليتها عبد الله القلال، وقد تصدَّر عناوين الصحافة وشاشات التلفاز، معلنا نجاح الأجهزة الأمنية في كشف مؤامرة تقف وراءها حركة النهضة الإسلامية بمشاركة أفراد من المؤسسة العسكرية، وتستهدف اغتيال الرئيس التونسي" زين العابدين بن علي" عبر إسقاط طائرته، ضمن ما سيُعرف لاحقا بقضية" براكة الساحل".
لم يكن إعلان القلال مجرد خبر عن استباق أمني، بل لحظة تأسيسية في سردية السلطة؛ شرعنت تحوُّل تونس إلى دولة أمنية تحت غطاء مواجهة" الخطر الإسلامي"، واستُخدمت طوال عقدين لاحقين مبررا لإخضاع المجتمع عبر ترسانة من القوانين والآليات الأمنية، وصولا إلى تكسير استقلالية الجيش، الذي شكَّل تحجيم دوره هدفا أساسيا لزين العابدين بن علي.
إذ تشير تقديرات إلى أن الإعلان لم يكن سوى أداة لإعادة هندسة القوات المسلحة وتحييد دورها كفاعل مستقل، وإخضاعها لهيمنة الأجهزة الأمنية، إلى جانب ما وفَّرته هذه السردية من غطاء لإطلاق يد السلطة في مواجهة الحركة الإسلامية التي خشي النظام تمدُّدها شعبيا.
" تحولت قضية براكة الساحل إلى لحظة تأسيسية في سردية السلطة؛ شرعنت تحوُّل تونس إلى دولة أمنية تحت غطاء مواجهة الخطر الإسلامي"تؤكد هذه الأهداف الباحثة البريطانية آن وولف؛ إذ تورد في كتابها" تونس بن علي: السلطة والصراع في نظام استبدادي"، أن محمد الغنوشي، رئيس وزراء تونس بين عامي 1999-2011، أقرَّ في إحدى المقابلات أن النظام استغل حادثة" باب سويقة"، التي تعرَّض خلالها مقر لجنة تنسيق الحزب الحاكم للحرق في فبراير/شباط من العام ذاته، لتبرير سجن الإسلاميين وإظهار أن اللجوء إلى القوة كان ضروريا لمواجهة خطر النهضة.
list 1 of 2الثمن الذي أرادته روسيا للموافقة على سايكس بيكوlist 2 of 2تحيا أسرع وتعيش أقل.
لماذا أصبح الوقت يمر بسرعة؟وقد غذت السلطة الغضب لدى الرأي العام لتوسيع الرواية، معلنة اكتشاف مؤامرة أكبر، فزعمت تورُّط نشطاء من حركة النهضة مع متعاطفين مع الحركة داخل الجيش للإطاحة بالنظام والتخطيط لاغتيال الرئيس.
وبينما تشير المعطيات إلى أن بعض أنصار النهضة انخرطوا في معارضة النظام آنذاك، دون أدلة على خطط فعلية لاغتيال بن علي، فإن اتهام ضباط الجيش كان ملفقا بالكامل، في سياق سعي السلطة إلى إضعاف المؤسسة العسكرية عبر استهداف عناصرها المؤثرة.
" اعتُقل نحو 244 ضابطا تونسيا عام 1991، وأحيل 171 منهم للمحاكمة العسكرية"تُرجِمَت هذه السردية إلى حملة واسعة على الأرض، إذ اعتُقل نحو 244 ضابطا تونسيا بين مايو/أيار ويوليو/تموز 1991، وفق توثيق منظمة" هيومن رايتس ووتش"، وقد سُلِّم هؤلاء إلى وزارة الداخلية وتعرَّض كثير منهم للتعذيب أثناء التحقيقات في مقرها المركزي، قبل إحالة 171 منهم إلى المحكمة العسكرية بتهمة التآمر على أمن الدولة؛ حيث صدر الحكم بالسجن المؤبد على 35 منهم، فيما تراوحت بقية الأحكام بين عام واحد و24 عاما، فضلا عما وفرته القضية من ذريعة لاعتقال أكثر من 8 آلاف شخص، وفق ما أورد الباحث النمساوي كريستوفر ألكسندر.
أبعد من ضرب عصفورين بحجر واحديعني ذلك أن القلال، بحضوره الهادئ وإطلالاته الإعلامية القليلة، كان يضرب في ذلك اليوم عصفورين بحجر واحد لصالح تثبيت حكم" بن علي" وتبديد هواجسه، بعد دمجهما في تهديد واحد بما يُسهِّل اجتثاثهما بذريعة واحدة.
فبدلا من التعامل مع الجيش والحركة الإسلامية على أنهما ملفين منفصلين، جرى تقديمهما بوصفهما خطرا مركبا من ضباط ذوي ميول إسلامية يخططون لاغتيال الرئيس.
وبهذه الصياغة، حصل النظام على مبرر مزدوج يتيح له تشديد قبضته على المؤسسة العسكرية، وفي الوقت نفسه توجيه ضربة قاصمة لحركة النهضة، بما يعزز موقع" بن علي" ويغلق المجال أمام أي توازن قوى محتمل.
لقد كان الجيش التونسي في تلك الفترة يخرج تدريجيا من التهميش الذي فرضه الرئيس الحبيب بورقيبة (سلف بن علي)، ما أعاد إلى الواجهة خوفا تقليديا لدى السلطة من مؤسسة عسكرية قد تتحوَّل إلى فاعل مستقل أو ربما مصدر تهديد.
وبالتزامن مع ذلك، كانت حركة النهضة تنتقل من مرحلة" الانفتاح الحذر" الذي اتسمت به في بداية عهد" بن علي" إلى مواجهة مفتوحة بعد رفض ترخيصها، مع اتساع حضورها في الشارع بعد انتخابات 1989، التي حصلت فيها القوائم الإسلامية المستقلة على أكثر من 30% من الأصوات في المناطق الحضرية.
" البنية التي رسخها القلال ظلَّت في مكانها صامدة أمام أمواج التغيير، تمارس مقاومتها الصامتة من داخل المؤسسات، وتُفرِّغ كل محاولة إصلاح من مضمونها"بيد أن ما قدمه" القلال" في ذلك اليوم لم يقف عند ترسيخ قبضة" بن علي" على البلاد، بل امتدَّ أثره، مُشكِّلا حجر الأساس لمنظومة كاملة تشمل قوانين استثنائية وأجهزة أمنية متضخمة وثقافة دولة تنظر إلى المعارضة بوصفها تهديدا وجوديا يجب إزالته.
ورغم سقوط بن علي وفتح خزائن وزارة الداخلية بعد ثورة 2011، واتضاح تلفيق أدلة قضية" براكة الساحل" وغيرها من قضايا القمع والتعذيب، فإن البنية التي رسخها القلال عام 1991 ظلَّت في مكانها صامدة أمام موجة التغيير، تمارس مقاومتها الصامتة من داخل المؤسسات، وتُفرِّغ كل محاولة إصلاح من مضمونها.
وبحسب ما رصده باحثون، من أمثال بياتريس هيبو ويزيد صايغ، فإن" الدولة الأمنية" التي وُلدت من رحم قضية 1991 لم تُهزم بالكامل عام 2011، بل أعادت إنتاج نفسها بهدوء، لتظل إرثا ثقيلا يطارد الانتقال الديمقراطي ويُضعف من فرص نجاحه.
ويرى يزيد صايغ، الزميل بمركز كارنيغي الشرق الأوسط، أن القطاع الأمني التونسي قاوم كل المحاولات اللاحقة لإعادة هيكلته أو إصلاحه بعد سقوط بن علي.
فوزارة الداخلية لا تزال تديرها شبكات غامضة من الموظفين ونقابات شرطة متنافسة تعمل مثل" لوبيات" لخدمة مصالحها الخاصة، لأن الجهاز الذي ورَّثه القلال لمن أتوا بعده كان مُحكما بما فيه الكفاية ليفرض شروطه على السلطة الجديدة ويمنع محاولات الإصلاح الجزئية.
وتؤكد الأكاديمية الفرنسية بياتريس هيبو على هذا التشخيص، وتمنحه أبعادا أعمق عبر تحليل اجتماعي واسع؛ إذ ترى أن ما بقي بعد نظام بن علي ليس فقط بنى مؤسسية، بل منظومة علاقات بين الدولة والمجتمع تُكافئ الطاعة وتُعاقب الاستقلالية، وتُعيد إنتاج نفسها حتى بعد رحيل الرجل الذي بناها.
فما استمر ليس بقايا نظام سابق وإنما مَنطِقه ذاته متكيفا مع شروط ما بعد الثورة.
وتستحضر الباحثة في الشؤون التونسية آن وولف أحداث يوليو/تموز 2021 بوصفها دليلا على هذا الامتداد، فحين أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد تجميد البرلمان وحل الحكومة، لم يكن الإعلان معزولا عن إرث القلال وعصره، بل استثمارا مباشرا في هذا الإرث الذي تكوَّن على يده منذ 1991.
ومن هنا، يصبح فهم الرجل الذي رسم ملامح هذه المنظومة وأدارها بصمت مدخلا لا غنى عنه لفهم صمود" تونس بن علي" حتى بعد رحيله.
من حقل الزيتون إلى الديوان" أنا ابن فلاح، مُتعلِّق بأرض تونس.
سأعتز دائما بذكريات طفولة قُسِّمَت بين زراعة الزيتون، والمسير اليومي الطويل إلى المدرسة.
فهناك اكتسبتُ معنى الجهد وقيمة الوقت"بواسطة (عبد الله القلال - بتصرف)صاغ القلال هذا التصريح أثناء احتجازه في ثكنة العوينة العسكرية في تونس في أعقاب ثورة عام 2011، بعد إيقافه على ذمة دعوى قضائية رُفِعَت ضده تتهمه بـ" اختلاس أموال" داخل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، فضلا عن" إساءة استعمال السلطة"، خلال فترة أمانته صندوق الحزب منذ عام 1988.
لاحقا، أضيفت إلى تهم القلال ملفات أكبر، مثل" براكة الساحل" و" كمال المطماطي" (الناشط التونسي الذي قتل بسبب التعذيب ودفن في مكان مجهول ولم يعترف بمقتله إلا بعد الثورة) وغيرهما، لكن ما يهمنا أن هذا التصريح كُتب في حينه ووصل إلى محاميه الفرنسي أوليفييه سور بغرض نشره لاستمالة الرأي العام، الذي بدأ يكتشف ملفات وزارة الداخلية، لا سيما تلك المتعلقة بالقمع والتعذيب أثناء فترة تولي القلال حقيبتها.
ورغم أن هذه التصريحات تمثل سردية الذات أمام آلة المحاسبة، ما يسترعي التعامل معها بحذر، غير أن نقد السردية لا ينفي صحة الوقائع التي تستند إليها.
فالقلال، المولود في ديسمبر/كانون الأول 1943 لأسرة متواضعة ربها فلاح يزرع الزيتون في أطراف صفاقس، لم يحظَ بمسار الأرستقراطية الإدارية البورقيبية، ولم ينتمِ إلى العائلات الساحلية المحظوظة التي مدَّت دولة الاستقلال بكوادرها الأولى.
لم يكن القلال وريث الدولة، بل جاءها من خارجها، وهو ما تؤكده سيرته التعليمية، فقد حصل على ماجستير في الاقتصاد من كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية بتونس، ثم التحق بالدورة العليا للمدرسة الوطنية للإدارة (ENA)، وهو مسار كانت دولة ما بعد الاستقلال تفتحه أمام أبناء الفلاحين والصغار للالتحاق بنخبتها الإدارية الجديدة.
" لم يسلك القلال مسار الأرستقراطية الإدارية البورقيبية، ولم ينتمِ إلى العائلات الساحلية المحظوظة التي مدَّت دولة الاستقلال بكوادرها الأولى"من هنا تنفتح زاوية تستحق التأمل، تتعلق بنمط من الفاعلين السياسيين الذين أنتجتهم الدولة المركزية الحديثة في تونس (وربما في دول أخرى ذات بنية سلطوية مشابهة).
فبناءً على سلسلة مقابلات أُجريت مع كوادر من التجمع الدستوري في أعقاب ثورة 2011، لاحظت آن وولف أن النخبة الحزبية القديمة في تونس تشكَّلت من أعيان وتكنوقراطيين وكبار موظفين، يمتلكون على الأغلب اسما عائليا يمنحهم مكانة اجتماعية مستقلة عن الجهاز.
في المقابل، ينحدر الوافدون الجدد إلى التجمُّع الدستوري الديمقراطي، في معظمهم، ولا سيما في مطلع الألفية، من عائلات فقيرة محرومة في المناطق الريفية، وبذلك كان النشاط الحزبي الوسيلة الوحيدة لتسلُّق السلم الاجتماعي، إذ تشير وولف إلى أن عضوية الحزب منحت هؤلاء وضع" النبلاء" في بيئاتهم المحلية، بشكل لم يكن متاحا لهم خارج إطار السلطة.
ورغم أنه لا يصح إسقاط هذا النمط على القلال إسقاطا مباشرا، حيث إن جيله أكبر من جيل المقابلات التي أجرتها وولف، وصعوده عبر الإدارة سبق تكنوقراطيي الألفينيات بعقدين، لكن المنطق البنيوي الذي ترصده، حيث يأتي المسؤول إلى الجهاز من خارج النخبة، ويستمد ثقله السياسي من ولائه لا من ميراثه؛ يُضيء لنا أحد أبعاد سيرة الرجل.
إن القلال، الذي قدَّم نفسه ابنا لأسرة فلاحية متواضعة، انتمى إلى ما يُمكن تسميتها" الأجيال الأولى للمدرسة الوطنية للإدارة"، التي رفَدت بها دولة ما بعد الاستقلال إدارتها الجديدة.
وعندما وصف نشأته ومكتسباته في رسالته من المعتقل بـ" مسيرة المدرسة العمومية" و" إدراك معنى الجهد"، فإنه كان يستحضر بدقة الصورة التي رصدتها وولف لاحقا: " مسؤول يعرف أنه يدين للجهاز بكل شيء".
" ينتمي القلال إلى طبقة من المسؤولين الذين يعرفون أنهم يدينون للسلطة بكل شيء"وتخلُص وولف إلى ما يُسمَّى" الكلفة السياسية" لهذه التركيبة، ففي مقابل منحها ولاءً مطلقا للزعيم، فإنها تواجه عجزا عن إنتاج موقف مستقل، وهي سمة تجعل وولف تصفهم بأنهم" الأخف سياسيا"، أي الأقل قدرة على رفض رغبات السلطة.
وقد ادَّعى القلال نفسه في رسالته المذكورة أنه قال" لا" ذات مرة، حين رفض حقيبة الصحة عام 2001، ودفع ثمن ذلك إقصاءً سياسيًا مؤقتًا، لكن هذا الادعاء لو صحَّ يظل استثناء متأخرا يؤكد القاعدة لا ينفيها.
من رعاية فرحات إلى ثقة بن عليتشير المعلومات المتاحة إلى أن القلال أُلحِق بديوان وزارتي الداخلية والتجهيز (الإسكان)، قبل أن يشغل منصب رئيس الديوان لثلاثة وزراء دفاع هم الهادي خفشة وعبد الله فرحات ورشيد صفر.
ووفقا لما أورده الصحفي التونسي محمد بوغلاب، حظي القلال برعاية فرحات، أحد أبرز أركان نظام بورقيبة، الذي تولَّى خلال مسيرته حقائب سيادية عدة، بينها الداخلية والدفاع.
ويذهب بوغلاب إلى أن فرحات هو من رعى القلال، حيث أوكل إليه في ديسمبر/كانون الأول 1979 مهمة تنظيم مؤتمر الحزب بقصر المؤتمرات في العاصمة.
وقد أدار القلال التنظيم بأسلوب تقشفي، معتمدا على موارد بشرية محدودة لإنجاز الجوانب اللوجستية، فانتهى المؤتمر بترقيته إلى عضوية اللجنة المركزية عن جهة صفاقس.
غير أن هذه الرعاية لم تدم طويلا؛ إذ أُعفي فرحات من منصبه، فغادر معه فريق ديوانه، وخرج القلال مؤقتا من الواجهة.
وفي هذه الفترة، عمل القلال لفترة وجيزة في التدريس بالمدرسة الوطنية للإدارة، قبل أن يتولى إدارة شركة عمومية للبناء في ولاية القصرين.
" في عام 1986 تولى القلال منصب الكاتب العام لوزارة الداخلية، تحت سلطة زين العابدين بن علي، ومن ذلك الحين لم يفترق الرجلان"بيد أن اللحظة الحاسمة في حياة الرجل أتت في مايو/أيار عام 1986، حسبما ترصد مجلة" جون أفريك" المعنية بالشؤون الأفريقية، حين استُدعي القلال لتولي منصب الكاتب العام لوزارة الداخلية، بعد شهر واحد فقط من تعيين زين العابدين بن علي وزيرا للداخلية.
ورغم أن المصادر لا تكشف بدقة كيف ومتى نشأت العلاقة بين الرجلين، فإن الأرجح أنها تبلورت خلال تنقُّلات بن علي بين أجهزة الأمن العسكري والوطني، بالتوازي مع عمل القلال في ديوان وزارة الدفاع.
ومنذ تلك اللحظة، كما يرد في تحقيق" جون أفريك"، لم يفترق الرجلان.
فحين تَرقَّى بن علي إلى رئاسة الوزراء في أكتوبر/تشرين الأول 1987، قبل أسبوعين من إقصاء بورقيبة، نُقِل القلال إلى منصب كاتب دولة لوزير الداخلية.
وبعد" الانقلاب الطبي" الذي أوصل بن علي إلى الرئاسة في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987، عَبر القلال إلى وزارة الدفاع كاتبا عاما، ثم وزيرا للدفاع في أبريل/نيسان 1989، قبل تعاقبه على وزارة الداخلية مرتين بين عامي 1991-1995، ثم بين عامي 1999-2001، والعودة وزيرا للدفاع مجددا عام 1996، ثم توليه وزارة العدل عام 1997، ثم رئاسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي عام 2003، وأخيرا رئاسة مجلس المستشارين بين عامي 2005-2011.
تلفت هذه السيرة النظر إلى نقطة جوهرية.
لم يكن القلال ضابط أمن تقليديا ترقى داخل المؤسسة العسكرية أو الشرطية، بل تكنوقراطي خرج من المدرسة الوطنية للإدارة، ورجل ديوان وإدارة مؤسسات صعد عبر شبكة ولاءات شهدت محطات متنوعة.
هذا التمييز، بين من يأتي إلى الوزارة من أسفل الجهاز، أي الضابط الذي يعرف الأقبيةَ والاستجوابات، ومن يأتي إليها من أعلى مثل القلال، ليس تفصيلا ثانويا، إذ لم يكن القلال جلادا متشددا يدير عمله من أرضية الزنزانة، بل واجهة تنفيذية لجهاز متشعب، تقع إدارته الفعلية على كاهل ضباط أصليين تحت إمرته.
هذا النمط من الفاعلين، الذين يفتقدون خبرة متجذرة في مواقعهم، هم من يجدون في الدولة السلطوية بيئاتهم الطبيعية.
فالزعيم لا يحتاج خبيرا يعارضه باسم اختصاصه، بقدر ما يحتاج وكيلا يجيد ترجمة إرادته إلى إجراء.
وهكذا أصبح القلال، منذ مايو/أيار 1986، الرجل الذي لن يستغني عنه بن علي.
ففي ليلة 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987، احتل القلال مقعدا داخل الدائرة الأولى للسلطة التي لم تضم سوى بضع رجال على رأسهم الحبيب عمار، قائد الحرس الوطني (ثم وزير الداخلية)، والهادي البكوش، الوزير الأول، وسليم شيبوب، صهر بن علي، وكمال لطيف، رجل الأعمال المقرب.
" لم يكن القلال جلادا متشددا يدير عمله من الزنزانة، بل واجهة تنفيذية لجهاز متشعب، تقع إدارته الفعلية على كاهل ضباط أصليين تحت إمرته"واللافت أن القلال سيظل الأطول حضورا في الواجهة السياسية من بين هؤلاء؛ بعد خروج الحبيب عمار سريعا من الدائرة اللصيقة للرئيس وتعيينه سفيرا في فيينا عام 1988، وإقصاء الهادي البكوش من رئاسة الحكومة عام 1989، ثم تراجُع مكانة كمال لطيف وخفوت تأثيره على بن علي، إثر تحالف زوجته ليلى الطرابلسي مع القلال والشاذلي النفاتي وعبد الرحيم الزواري لتجفيف منابع نفوذه، حتى وصل الأمر إلى درجة القبض عليه واستجوابه عام 1999.
هذا الاستقرار الاستثنائي في السلطة رغم تفكُّك دائرة السلطة المحيطة به لم يكن صدفة، بل نتاج تركيبة اجتماعية وسلوكية متشابكة.
أولها غياب الانتماء إلى أي عشيرة أو شبكة قرابة، أي افتقاره إلى سند نفوذ مستقل، وهذا بالضبط ما كان يبحث عنه بن علي في كوادره: مسؤولين بلا قاعدة اجتماعية يدينون بكل شيء لرضا الرئيس.
ضع بجانب ذلك ما تورده المصادر عن القلال بوصفه صموتا متحفظا نادر الإطلالات الإعلامية، فهو رجل ديوان لا رجل منبر.
تختلف هذه الصورة عن صورة المسؤول الأمني الكاريزماتي الذي يقود من الواجهة، وهي أقرب إلى نمط الموظف الذي يدير من وراء الستار، وهو النموذج الأقرب إلى تفضيلات بن علي، وفقا لآن وولف، التي تضيف أن بن علي انحاز إلى إزاحة شخصيات عهد بورقيبة ذات الاستقلالية أو الحضور الكاريزمي، مفضلا نمطا بيروقراطيا أكثر انضباطا لا يزاحمه الحضور، خاصة في وزارة الداخلية، التي حظيت في عهده باليد العليا، حتى على المؤسسة العسكرية.
ولذلك، كان لزاما أن يختار وزراءها ممن يمتلكون رأس مال سياسي محدود (مع التناوب عليها بانتظام كي لا يتمكن أحدهم من تكوين نفوذ داخلها)، وفي هذا السياق، بدا القلال تجسيدا مثاليا لهذا الاختيار.
يضاف إلى ذلك عامل حاسم يتمثل في قدرة الرجل على الانتظار.
فمن نشأ في بيئة ريفية يحكمها إيقاع الدورات الموسمية، ومن انتظر طرح الزيتون كي يُطفئ جوعه، ثم أمضى ست سنوات كاملة بعيدا عن الواجهة يدير شركات عمومية بعد خروجه من ديوان الدفاع، يكتسب بالضرورة فضيلة سياسية جوهرية هي الصبر.
هذا الصبر ليس مجرد سمة نفسية، بل أداة تشغيلية حاسمة في ملفات النظام السلطوي التي تتطلب نفسا طويلا.
" قام بن علي بإزاحة شخصيات عهد بورقيبة ذات الاستقلالية أو الحضور الكاريزمي، مفضلا نمطا بيروقراطيا أكثر انضباطا لا يزاحمه الحضور"تفسر هذه الخصائص لماذا ظلَّ بن علي يستدعي القلال كلما احتاج رجلا يعرف وينفذ ولا يعارض، وهي خصال لم تولد كلها في طفولته الفلاحية في صفاقس، بل تكيُّفات وظيفية اكتسبها بالأساس في مدرسة الديوان وفي مساره البيروقراطي المبكر، ثم في الانتظار الإجباري في القطاع العام قبل الصعود السريع تحت بن علي.
حين جلس القلال أمام الكاميرات في مايو/أيار 1991، معلنا اكتشاف" المؤامرة الإسلامية"، لم يكن ذلك بصفته الأمني الأكثر شراسة في الجهاز، فقد كان كثيرون أشرس منه يقفون خلفه، بل فعلها بصفته الموظف الأقدر على نطق ما أراده بن علي دون خروج عن النص.
غير أن ذلك لا يخفف من مسؤوليته، ولا يُحوِّله إلى مجرد لسان للسلطة لا يد له في قراراتها، كما حاول أن يُقدِّم نفسه لاحقا للتنصل من ماضيه.
بحسب شهادات ضحاياه، لم يكن القلال مجرد واجهة سياسية بعيدة عن تفاصيل القمع، بل كان حاضرا في لحظات الاستجواب، يواجه بعينيه معتقلين أنهكتهم جلسات التعذيب.
وهكذا، فإن تنصله لا يمحو مشاركته في ترسيخ منظومة القمع في تونس، بقدر ما يكشف ميزته الأبرز بين رجال زين العابدين بن علي: فقد كان من موقعه على رأس الداخلية، وبملامحه التي توحي بالتواضع، أمهر رجال بن علي في إتقان دور الخادم المطيع ليس إلا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك