بعض من أهم الإنجازات العلمية، لا يخطط أصحابها للوصول إليها، لكنها تظهر مصادفة، أثناء العمل في المشروع الأصلي، وكأنها مكافأة أرسلت لهم على ما بذلوه من جهد.
الباحثون من وزارة البيئة والتغير المناخي في قطر، كانوا على موعد مع هذا النوع من المكافآت، فبينما كانوا يواصلون جهودهم لحماية واستعادة وصون الشعاب المرجانية بالمياه القطرية والتنوع البيولوجي البحري المرتبط بها، فاجأهم" قلم البحر" بوجوده في المياه القطرية، أثناء إحدى المهام الميدانية.
وينتمي هذا الكائن إلى مجموعة المرجانيات الرخوة، ويأخذ شكلاً يشبه الريشة أو القلم القديم المستخدم في الكتابة، لذلك يسمى بـ" قلم البحر"، ويتكون من مستعمرة تضم مئات أو آلاف الزوائد الصغيرة (البوليبات)، والتي تعمل كلها معا كأنه كائن واحد.
ويوجد هذا النوع في أجزاء أخرى من الخليج العربي، خاصة قبالة سواحل إيران والكويت، ولم يكن قد سجل رسميا في المياه القطرية، لذلك فإن اكتشافه لأول مرة في قطر يعني الكثير، كما يوضح الدكتور تشاران كومار بايدي، أخصائي الأحياء البحرية بوزارة البيئة والتغير المناخي بقطر، والباحث المراسل في الدراسة المنشورة بدورية" ريجنال ستاديز إن مارين ساينس"، والتي وثقت هذا الاكتشاف.
ويقول في تصريحات خاصة لـ" الجزيرة نت"، إن" وجود قلم البحر في المياه القطرية يوسع نطاق التوزيع الإقليمي المعروف لهذا النوع، ويكشف عن أن موائله المناسبة قد تكون أكثر انتشارا في جميع أنحاء الخليج العربي مما كان يعتقد سابقا".
ويشدد على أن هناك حاجة لإجراء مسوحات إضافية في مختلف دول الخليج وبيئاتها لتحديد النطاق الكامل لتوزيع هذا الكائن، ومعرفة ما إذا كانت تجمعاته متصلة أم موجودة على شكل بقع معزولة.
ولا يعزي تشاران غياب هذا الكائن عن السجلات التي توثق الكائنات البحرية التي تعيش في المياه القطرية إلى قصور في رحلات المهام الميدانية الاستكشافية، بقدر ما هو أمر يرجع إلى طبيعة الكائن نفسه.
ويقول" غالبا ما ترتبط أقلام البحر بموائل الرواسب الناعمة التي تحظى باهتمام علمي أقل، مقارنة بالشعاب المرجانية، ومروج الأعشاب البحرية، ونظم أشجار المانغروف البيئية، إضافةً إلى ذلك، فإن أنواع أقلام البحر غير واضحة نسبيا، ويمكن أن تبقى مدفونة جزئيا في الرواسب، وقد يتم إغفالها خلال المسوحات القاعية التقليدية".
اكتشاف ينتظر مزيد من التأكيدوعلميا تعرف أقلام البحر باسم" فيرجولاريا غوستافيانا"، لكن الفرق البحثي في دراسته أضاف للاسم" سي إف cf"، ليصبح" فيرجولاريا سي إف غوستافيانا"، ولا يعني ذلك أن العلماء اكتشفوا نوعا جديدا، بل يعني أنهم عثروا على كائن يُرجح بقوة أنه ينتمي إلى النوع، لكنهم لم يتمكنوا من تأكيد ذلك بشكل نهائي.
ويقول تشاران: " شكليا لا يوجد أي شك في أن ما عثرنا عليه هو كائن قلم البحر" فيرجولاريا غوستافيانا"، من حيث المظهر العام، وشكل الجزء الرئيسي الشبيه بالريشة، وطريقة توزيع الزوائد الصغيرة عليه، والجزء الذي يغرسه في قاع البحر، بالإضافة إلى حجمه الكلي، لكن التأكيد النهائي يلزمه فحوصات أخرى".
والفحوصات التي يعنيها هي إجراء تحليل جيني، حيث سيوفر استخدام الترميز الجيني والمقارنة الجزيئية مع التسلسلات المرجعية تأكيدا إضافيا لهوية النوع.
ويضيف أنه" خلال مسح ميداني أُجري في 8 يونيو/حزيران الجاري بجزيرة شراوح، تم جمع عينة مادية بنجاح لإجراء المزيد من الفحص، ومن المقرر إجراء تحليلات مخبرية مفصلة، تشمل تقييما مورفولوجيا شاملا، ودراسات جينية جزيئية، لتأكيد الهوية التصنيفية للعينة، و ستُدمج نتائج هذه التحليلات في منشورات بحثية مستقبلية، وستساهم في تحسين فهمنا لوجود وتوزيع نوع" أقلام البحر" في المياه القطرية".
أدوارا هامة في النظام البيئي البحريويلعب هذا الكائن أدوارا هامة في النظام البيئي البحري، يعددها تشاران، فهو ينشئ هياكل ثلاثية الأبعاد في بيئات رسوبية بسيطة نسبيا، موفرا ملاذا وأسطحا للاستيطان وفرصا للتغذية لمختلف اللافقاريات والأسماك، بالإضافة إلى ذلك، تساهم أقلام البحر في تعزيز التنوع البيولوجي المحلي، زيادة تعقيد الموائل، دعم الشبكات الغذائية في قاع البحر، عمليات تبادل المغذيات بين الرواسب والمياه، وتوفير بيئة حضانة محتملة للكائنات الصغيرة.
ويقول: " نظراً لأن الموائل ذات الرواسب الناعمة تُهيمن على مساحات واسعة من قاع الخليج العربي، فإن الأنواع المُكونة للموائل، مثل قلم البحر، تلعب دوراً بيئياً بالغ الأهمية".
ومع سعادة تشاران بهذا الاكتشاف، إلا أنه يعترف بأنه يظهر بشكل واضح وجود فجوات معرفية كبيرة في مجال التنوع البيولوجي.
ويضيف أن" هذا الاكتشاف، بالإضافة إلى الاكتشافات الحديثة المماثلة لسجلات إقليمية جديدة للشعاب المرجانية والطحالب الكبيرة واللافقاريات والأسماك في جميع أنحاء الخليج، تعزز الرأي القائل بأن التنوع البيولوجي البحري في المنطقة لم يوثق بالكامل بعد، وهو ما يعني ضرورة استمرار تقييمات التنوع البيولوجي، ورسم خرائط الموائل، والدراسات التصنيفية لتحسين فهم النظم البيئية في الخليج ودعم تخطيط الحفاظ عليها".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك