غزة – “القدس العربي”: على خلاف مشجعي كرة القدم في العالم، حُرم الكمُّ الأكبر من سكان قطاع غزة المهتمين بمتابعة الأحداث الرياضية الكبيرة، من مشاهدة مباريات كأس العالم في النسخة التي انطلقت قبل أيام.
فالظروف الحياتية الصعبة التي فرضتها حرب الإبادة، والأوضاع المعيشية المتدهورة وهموم الحياة الكبيرة، وصعوبة الحصول على التيار الكهربائي والإنترنت، كانت أسبابا مباشرة في عزوف السكان عن هذا المونديال.
وعلى خلاف عادة الغزيين الذين يعشقون لعبة كرة القدم كباقي شعوب العالم، حتى إنهم حافظوا على إقامة بطولات رياضية في فترات التهدئة، كمتنفس هربوا من خلاله من أجواء الحرب، لم يتمكن الغالبية من متابعي وعشاق هذه اللعبة الشعبية الجماعية، من مشاهدة المباريات مباشرة، كباقي شعوب العالم، فظروف الحرب الصعبة ومشقة الحياة أجبرت الغالبية على العزوف.
وفي غزة لا يتوفر التيار الكهربائي بالطرق المعروفة التي يصل فيها إلى المنازل منذ أن بدأت الحرب، وتتم الاستعانة حاليا بشبكات خاصة توفر هذا التيار بأثمان مرتفعة، وفي أغلب الأحيان تتوقف عملية تزويد المشتركين في هذه الخدمة مع حلول الظلام، ما يحرم الأغلبية من السكان من مشاهدة المباريات.
محمد أبو عويضة (53 عاما)، أحد المولعين بمتابعة المونديال، إذ حافظ على المتابعة كما يقول منذ كأس العالم الذي نُظّم في المكسيك في العام 1986، لم يشاهد أيا من المباريات حتى اللحظة، بما فيها مباريات الفرق الكبيرة التي يعشق أداءها، وكذلك الفرق العربية المشاركة في هذه البطولة، والتي تمنّى خلال حديثه لـ”القدس العربي” أن تحقق “مفاجآت” بالفوز والانتقال إلى الأدوار القادمة.
يقول هذا الرجل الذي يقطن وسط قطاع غزة، ولعب الكرة قبل أكثر من 25 عاما في ناد محلي، إن هموم الحياة اليومية في غزة، حيث مشقة الحصول على المياه وتعبئتها وطهي وتحضير الطعام بعد الحصول عليه، تجعله يفكر في النوم كل يوم كغيره من أقرانه مبكرا، فيما أغلب المباريات تنطلق إما في ساعات الليل المتأخرة أو في الفجر، ويقول محمد: “المشاهدة لا تتوفر بسهولة، هناك مقاه بعيدة عن مكان السكن تتوفر فيها خدمة المشاهدة”، ويشير أيضا إلى أن التكلفة مرتفعة في ظل الحالة الاقتصادية السيئة في غزة.
وكان محمد سعيدا عندما علم صباحا وبعد انتهاء مباراتي قطر مع سويسرا والمغرب مع البرازيل، بتحقيق المنتخبات العربية أول نقاط لها في المونديال الكروي، وقد تمنى للمنتخبات العربية تحقيق نتائج أفضل، والانتقال إلى الأدوار القادمة، ورغم أنه من عشاق الكرة اللاتينية وتحديدا لمنتخبي البرازيل والأرجنتين، إلا أنه لم يتردد عندما قال إن تشجيعه الحالي لباقي المنتخبات المشاركة غير العربية، يعتمد حاليا على مدى تعاطف حكوماتها وشعوبها مع القضية الفلسطينية، وانتقادها لسياسات إسرائيل وأفعالها وحربها ضد الفلسطينيين.
وهذا الموقف من التشجيع أيضا كان الرأي الذي عبّر عنه حسن صالح (49 عاما)، فهو من عشاق المنتخب الأرجنتيني، ويهوى كثيرا طريقة لعب كابتن الفريق ليونيل ميسي، لكنه قال لـ”القدس العربي” إن موقف الأرجنتين الداعم لسياسات إسرائيل ومواقف رئيسها الأخيرة بنقل السفارة إلى مدينة القدس المحتلة، جعله يعزف عن هذا التشجيع، ويضيف “الآن أشجع من يساندنا”، ويقول لـ”القدس العربي” “الحرب علّمتنا كثيرا، الذي يقف معنا نقف معه”.
وحسن يقول إنه يضطر لمتابعة ملخصات المونديال في اليوم الثاني للمباريات التي يهتم بها عبر تطبيق “يوتيوب”، لعدم توفر الكهرباء اللازمة لتشغيل شاشة التلفزيون، ويشير إلى أنه يواجه صعوبة في ذلك أيضا، بسبب رداءة جودة الإشارة.
وفي غزة منعت إسرائيل وصول الوقود اللازم لتشغيل محطة توليد الكهرباء، كما قطعت إمدادات الكهرباء التي كانت تصل القطاع من خلالها، وتعمّدت تدمير شبكات الكهرباء، ما جعل الحصول على التيار الكهربائي من خلال شبكات بديلة محلية مكلفا للغاية، ولا تستطيع أغلب أُسر غزة تحمل نفقاته، كما تعمّدت إسرائيل منذ بداية الحرب تدمير شبكات الاتصالات، وهو ما أثّر على جودة الاتصال الخلوي والإنترنت.
وحالت جودة إشارة الإنترنت دون مشاهدة النازح خالد النجار، الذي يقطن في أحد مخيمات الإيواء غرب مدينة خان يونس، مباراة المغرب والبرازيل، عندما حاول مشاهدة هذه المباراة المهمة على شاشة هاتفه النقال، ما اضطره إلى الخلود للنوم، وانتظار معرفة النتيجة في اليوم الثاني، وقال لـ”القدس العربي”: “إشارة الإنترنت كانت سيئة، والصورة كانت تختفي أغلب الوقت”، ووقت المقابلة كان خالد يعيد مشاهدة الهدف الأول للمباراة الذي سجله اللاعب المغربي إسماعيل صيباري، قبل أن تتعادل البرازيل.
وفي غزة هناك مشجعون أغلبهم من جيل الشباب، حرصوا على متابعة بعض المباريات في مقاه منتشرة في مناطق النزوح، وفي أحد هذه المقاهي المصنوعة من أقمشة الخيام وقطع البلاستيك، كانت إضاءة شاشة كبيرة مثبتة على أعلى أعمدة الخيمة تضيء ما أمامها من مساحة يتجمع فيها حشد من الشبان، وقد شخصت أبصارهم صوب ذلك الضوء، حيث كانت المتعة الكروية حاضرة في مباراة منتخب المغرب العربي القوي ومنتخب السامبا البرازيلي، كان الجميع يتابع تمريرات لاعبي المغرب قبل أن تنفجر الخيمة صراخا عندما سجل اللاعب صيباري الهدف الأول للمباراة، وقد ظل التهليل والتصفيق لأكثر من دقيقة.
حسام الشاب في نهاية العشرينيات، كان من بين الحضور، ويقول لـ”القدس العربي” إنه قرر وعدد من رفاقه مشاهدة بعض المباريات المهمة في هذه البطولة، بسبب التكلفة المرتفعة لمشاهدة المباريات، إذ يضطر لدفع مبلغ مالي لصالح الكافتيريا التي توفر خدمة المشاهدة، وكغيره من مشجعي غزة، قال إن موقف الدول الأجنبية من الحرب على غزة، هو ما يتحكم في تشجيعه.
وهذا الشاب الذي كان يلعب كرة القدم أسبوعيا، يخشى أن تحرمه إصابة خلال فترة الحرب التي لا تزال آثارها قائمة، بعدما ثبّت الأطباء ذراعه بالبلاتين من كثرة الكسور التي كان أحدها بسبب عيار ناري أصيب به قرب أحد مراكز المساعدات الغذائية قبل التهدئة الحالية، من العودة إلى ممارسة الرياضة.
وفي غزة هناك العشرات من لاعبي الأندية، فقدوا أطرافهم بسبب الغارات الإسرائيلية، فيما قُتل وأصيب المئات من الرياضيين خلال الحرب، ولا يتوفر العلاج اللازم لأغلبهم كما هو حال حسام الذي خضع لأربع عمليات جراحية، دون أن يشعر بأي تحسن.
ويقول حسام لـ”القدس العربي”، “الكل يحاول خطف لحظة يهرب فيها من واقع الحرب، وعشقنا للكرة جعلنا نتخذ هذه الخطوة”، ويشير إلى أن إسرائيل التي تتمعن في عذاب أهل غزة، كانت تتعمد التنغيص، فكثيرا ما سمعوا من مكان المشاهدة وسط مخيم النصيرات، أصوات انفجارات وإطلاق نار بسبب هجمات إسرائيلية على مناطق الحدود الشرقية لوسط القطاع.
وفي ساعة مبكرة من فجر الأحد عاد هذا الشاب ورفاقه من مشاهدة المباراة، يشقون طرقا وعرة على جوانبها ركام منازل دمرتها الغارات الإسرائيلية، في طريق عودتهم إمّا إلى منازلهم التي طالها تدمير بليغ جراء الغارات، أو إلى خيام النزوح بديلة المنازل التي دمرت كليا، ليغفو كل منهم ساعات قليلة، انتظارا لضوء النهار الجديد الذي تبدأ فيه مشقة الحياة، حيث توكل للرجال مهمة تعبئة غالونات المياه، وإشعال النار لطهي الطعام، وتنفيذ أعمال منزلية تحتاج إلى جهد عضلي كبير.
وفي مناطق النزوح وبسبب التدمير الكبير الذي ألحقته إسرائيل، وجد بعض السكان في إقامة المقاهي فرصة لربح المال في هذا الوقت.
فمقابل الخدمة التي يوفرها للمشاهدين بالاستعانة بمولد كهربائي يحتاج تشغيله إلى وقود يباع بثمن مرتفع، يجني ما يوفر له المال لتدبير أمور أسرته، على خلاف ما كانت عليه العادة سابقا، حيث كان سكان غزة يتابعون الأحداث الرياضية في مقاه وكافتيريات كبيرة، أغلبها كانت تتوفر فيه خدمات أفضل، مزوّدة إمّا بالمراوح أو المكيفات، ويجلسون على مقاعد وثيرة.
ويقول صاحب أحد هذه المقاهي لـ”القدس العربي” “كنت أتوقع أن يكون الحضور بأعداد أكبر”، مشيرا إلى أنه بسبب صعوبة الحصول على الوقود وارتفاع ثمنه، لن يقوم بفتح المكان إلا للمباريات القوية والمهمة التي يكون لها مشجعون، كالمباريات التي تشارك فيها منتخبات عربية، أو للمنتخبات الأجنبية الكبيرة التي تلعب كرة القدم بمهارات عالية.
ويقارن هذا الرجل الذي كان يملك إحدى الكافتيريات على شاطئ البحر، في فترة ما قبل الحرب، إن الواقع كان مختلفا تماما، حيث كان عدد الزبائن يزداد في هذه المواسم، ويضيف “واقع الحرب انتقل إلى كل شيء في غزة، حتى فرحة الناس منقوصة.
”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك