صنعاء ـ «القدس العربي»: لليوم الثالث ما زالت قصة المتسلق والمغامر اليمنيّ الشاب القعقاع، والمعروف بالقعقاع عنتر (30 عاما)، والذي يُلقب بـ«سبايدر مان اليمن» ووفاته سقوطًا، الجمعة، في فوهة بركان خامد، والمعروف بحرضة الشولة وسط مدينة دمت شمال محافظة الضالع وسط اليمن، تشغل الرأي العام على منصات التواصل الاجتماعي، سواءً أبناء منطقته الذين أبدوا صدمة وحزنًا على وفاته في حادثة مأساوية بعد حياة حافلة بالمغامرة، أو الرأي العام على مستوى اليمن وخارجه، والذي ما زال ذاهلًا من موهبته ومتحسرًا على خسارة شاب يتحدى الطبيعة بشجاعة، ويتسلق أخطر المنحدرات الصخرية بمهارة وخفة يمزجها بحركات بهلوانية أظهرتها مقاطع مصورة تحبس الأنفاس.
كان القعقاع، الذي يُعدّ أشهر متسلقي فوهات البراكين في بلده، يكسب من هذه المهارة رزقه اليومي، وبخاصة على فوهة حرضة دمت الكبرى؛ وهي فوهة بركان خامد يعود عمره لأكثر من أربعة ملايين سنة وفق إحدى الدراسات، والتي تناولت التركيبة الجيولوجية للمنطقة، بما فيها مدينة دمت، التي تنام على بحر من المياه الكبريتية الساخنة، وتمثل بحماماتها الطبيعية وبحيراتها المعلقة مزارًا سياحيًا واستشفائيًا مهمًا في اليمن.
ثلاث سنوات تسلّق خلالها القعقاع أشد المنحدرات خطورة في منطقته، وهي جولات توثق بعضها مقاطع مصورة تعكس تجربة وموهبة خارقة في التسلق، والخفة في التنقل بين مناطق المنحدرثلاث سنوات تسلّق خلالها القعقاع أشد المنحدرات خطورة في منطقته، وهي جولات توثق بعضها مقاطع مصورة تعكس تجربة وموهبة خارقة في التسلق، والخفة في التنقل بين مناطق المنحدر، وصولًا إلى أشدها خطورة، ليسقط الشاب القعقاع، الجمعة، في بحيرة مياه كبريتية لبركان خامد.
لم يكن الشاب القعقاع مجرد مغامر، بل موهبة استثنائية لو كانت في دول أخرى، ربما كان اليوم متسلقاً محترفاً، لكن ظروف الحياة دفعته لتحويل شجاعته ومهارته إلى وسيلة لكسب الرزق بكتابة ذكريات الزوار على فوهة البركان مقابل مبلع مادي بسيط يعول به أسرته، وفق ما ذهب إليه حساب «المشهد اليمني» على منصة إكس.
الشجاعة والمغامرة والتهورأثارت وفاته موجة من الحزن والتعاطف الواسع في اليمن وخارجه، وصارت قصته رمزًا لشاب طموح فقد حياته في لحظة واحدة من ثنائية الشجاعة والمغامرة، مما يُذكّرنا بقيمة الحياة وضرورة الحفاظ عليها؛ فالمغامرة لا تعني أن تتجاوز وسائل سلامتك، بل يجب مراعاتها؛ لأنك تتعامل مع أسمى قيمة يمتلكها الانسان؛ وهي الحياة؛ فبين الشجاعة والتهور خيط رفيع لا بد أن تدركه فطرة الخوف الإنساني الناضج، التي يجب أن تستشعر الخطر في مواقعه، وبخاصة عندما تكون التضحية بلا ثمن!ونتيجة لذلك، اختلفت قراءات المدونين لأسباب سقوط القعقاع، في وقت كان قد تسلق أماكن أشد خطورة من المكان الذي لقي فيه حتفه، ومن بين التدوينات ما تقول إن القعقاع تجاهل أن الثعابين تضع بيضها صيفًا في جحورها، وأنه وضع يده، قبل سقطوه، في مدخل أحد تلك الجحور، وعندئذ لدغته أفعى، ما كان منه سوى تحرير يده، فكان سقوطه المفاجئ في بركة المياه الساخنة.
بينما ذهب آخرون إلى أن فيديو سقوطه يُشير إلى وجود حيوان أسفل منه كان يشده إلى الأسفل، وآخر يقول إن سقوطه كان نتيجة انكسار صخر أو نتوء ثبّت فيه يده، لكنه لم يحتمل الإجهاد فسقط، وغيرها من التفسيرات.
ومثل هذه الاختلافات والمبالغة في بعضها هي نتيجة طبيعية لتعامل العامة مع المواهب التي تلتقي فيها الشجاعة بالتهور، فلا يعترف البعض بخطأ وتهور المتسلق، وأنه كان سيسقط حتمًا في ظل عدم توفر وسائل سلامة بقدر دهشتهم وإعجابهم بشجاعته، ولهذا يرفضون مقاربتها بالتهور، ويشغلون أنفسهم بالبحث عن أسباب تعثره وسقوطه بينما كانوا يدفعونه دفعًا للنزول لتدوين أسمائهم أسفل الفوهة مقابل مبلغ زهيد؛ وهذا درس آخر لقصة هذا الشاب الذي يتحمل جزءًا من المسؤولية؛ فالمغامرات غير المحسوبة خاصة في بيئات طبيعية خطرة كفوهات البراكين يمكن أن يخسر في إحدى لحظاتها حياته.
ما يمكن قوله: إن الثقة المفرطة في النفس قد تتحول إلى تهور قاتل لا سيما في بلد تفتقد مواقعه ومزاراته السياحية لوسائل حماية وأمان تشمل الزوار والمغامرين.
ووثقت مقاطع مصورة متداولة على منصات التواصل بعضًا من جولات القعقاع، وهو يتسلق جدران الفوهة بلياقة عالية، حتى يصل إلى مشارف جوف بركة الفوهة، حيث تستقر في قاعها المياه الكبريتية، التي يصل عمقها إلى 31 مترا، وعلى جدران تلك الفوهة المطلة على البركة الكبريتية، دوّن القعقاع أسماء عديدة لزوار مقابل مبالغ من المال، ما دفع متابعين لتحميل تلك الأسماء المدوّنة على جدران فوهة البركان الخامد مسؤولية وفاته، وطالب آخرون السلطة المحلية بوضع وسائل حماية للزوار والمغامرين، مستغربين أن تبقى هذه المعالم دون وسائل حماية من ناحية، ومن ناحية أخرى بقاء هذا الشاب لثلاث سنوات يمارس هوايته المثيرة، دون أن تلتفت له وزارة الشباب والرياضة وصندوقها المعني برعاية النشء والشباب.
اختلفت قراءات المدونين لأسباب سقوط القعقاع، في وقت كان قد تسلق أماكن أشد خطورة من المكان الذي لقي فيه حتفه، ومن بين التدوينات ما تقول إن القعقاع تجاهل أن الثعابين تضع بيضها صيفًا في جحورها، وأنه وضع يده، قبل سقطوه، في مدخل أحد تلك الجحور، وعندئذ لدغته أفعىوتداول ناشطون عددًا كبيرًا من المقاطع المصورة لجولات سابقة قام بها القعقاع على جدران تلك الفوهة وغيرها، بما فيها مقاطع مرعبة تصوّره وهو يؤدي حركات خفة، يظهر في بعضها وهو يمسك بيد واحدة متدليًا في فضاء البركة الكبريتية؛ وهي مشاهد تضاعف من حسرة المشاهدين على فقدان موهبة في التسلق كان يمكن الحفاظ عليها، واستثمارها وتطويرها، وهو ما يُعيد التذكير بمآلات كثير من المواهب اليمنيّة، التي يدفعها الفقر إلى اتباع وسائل لكسب الرزق تودي بالموهبة وأحيانًا بحياة صاحبها؛ وهذا درس آخر تقدّمه قصة أشهر متسلقي فوهات البراكين في اليمن؛ فبلده غني بالمواهب، وكثيرٌ منها لا يلقى مًن يحتضن موهبته ويستثمرها ويرعاها.
فتلك الموهبة التي كان يتمتع بها القعقاع كانت جديرة بالحفاظ عليها وعدم تركها تبحث من خلال الاستعراض عن رزق زهيد دون توفر وسائل السلامة التي تتوفر للمتسلقين.
كما يتحمل جزءًا منها المجتمع الذي كان يشجّع القعقاع على النزول في منحدرات تلك الفوهة الخطرة مقابل بعض المال من أجل تدوين أسمائهم دون وسائل تؤمن سلامته ودون أن يراعوا أنه قد يختل توازنه أو يتعثر ويسقط.
كما تتحملها الدولة التي أهملت توفير وسائل سلامة وحماية المغامرين والزوار في المواقع السياحية من ناحية، وتترك الموهوبين نهبًا لظروفهم الاقتصادية القاسية من جانب آخر.
وهنا يقول راشد معروف على منصة إكس: «الخلاصة يا جماعة، أن الزوار هم مَن يدفعونهم إلى الخطر.
فمن أجل ألف ريال يشترط عليه أن يكتب اسمه في أخطر وأصعب مكان».
«أنتم والله تتحملون الإثم والمسؤولية، وأنتم السبب الرئيسي في سقوط القعقاع».
تأخر انتشال جثة القعقاع لليوم الثاني من قبل فريق الدفاع المدني اليمني، وهنا يتكرر الاختلاف في تفسير أسباب وفاته.
وقال الدفاع المدني اليمني على حسابه في منصة إكس: « تمكنت فرق الإنقاذ بمصلحة الدفاع المدني، بعون الله وتوفيقه، من انتشال جثة المواطن القعقاع عنتر العبسي، البالغ من العمر 30 عاماً، من إحدى الفوهات البركانية بمديرية دمت في محافظة الضالع».
وتداولت منصات التواصل تسجيلات للحظات سقوطه في جوف الحرضة (البركان الخامد)، وهو مشهد أثار حالة من الصدمة والحزن بين رواد المنصات.
وعقب انتشال جثمانه كان الحزن أكبر.
يقول مأرب الورد عن مشهد ترقب أبناء المنطقة لنتائج الغوص بحثًا عن جثته: «في المشهد الذي خشي الجميع الوصول إليه، وقف محبو القعقاع بن عنتر عند أسفل فوهة البركان، والدموع تسبق الكلمات، لوداعه للمرة الأخيرة بعد انتشال جثمانه.
ساعات طويلة من الترقب والدعاء انتهت بخبر موجع هزّ قلوب كل من تابع القصة».
لكنها قصة يرى آخرون إنها بحاجة لدراسة موهبة صاحبها.
وهنا تساءل الصحافي سمير النمري: «هل يمكن دراسة حالة المتسلق اليمني القعقاع من ناحية علمية؟ كيف يمكن لإنسان أن يقهر الطبيعة وقوانين الفيزياء؟ وهل يمكن أن يصل الإنسان لمرحلة يتحكم فيها العقل البشري بالجسم دون العقل الواعي؟ هل كانت لدى القعقاع موهبة أو معجزة خاصة؟ أم أن الشغف والتدريب والممارسة كان السبب وراء وصوله إلى ذلك المستوى الإعجازي؟ هذه المشاهد النادرة التي هزت العالم تحتاج إلى دراستها من نواح علمية متعددة».
وكما قال أحدهم تبقى هذه القصة «قصة موهبة لم تجد من يحتضنها، قصة شاب امتلك الشجاعة والإرادة، لكنه افتقد الفرصة».
ننتهي إلى أن قصة الشاب القعقاع ليست مجرد حادثة سقوط في فوهة بركان، بل هي درس عميق في الموازنة بين الشجاعة والحذر، وبين الشهرة والحياة.
فالطموح والمغامرة قيّمان، لكن لا شيء يُعادل الحفاظ على الحياة نفسها؛ وهي رسالة تُحمّل الدولة والمجتمع معظم المسؤولية إزاء تسرب هذه المواهب الاستثنائية ضحايا الإهمال والحاجة.
يوجد في مدينة دَمت خمسة مرتفعات مخروطية ذوات فوهات بركانية، أربع منها مليئة بالمياه المعدنية، وجميعها عبارة عن هضاب كلسية عريضة القاعدة، يقل عرضها تدريجيًّا كلما ارتفعت إلى الأعلى، ومجوفة من الداخل، إضافة إلى أعماق تجاويفها المتفاوتة، التي لا تخلو ـ في بعضها- من وجود المياه الكبريتية.
تُعرف هذه الهضاب علميًّا بنتوءات مرتفعات التوفا الكلسية، بينما تُعرف شعبيًّا باسم (الحَرَضات) لأنها تشبه في الشكل والمحتوى الإناء الفخاري والحجري (الحرضة) التي تُعد فيها إحدى الوجبات الشعبية اليمنية.
وهذه الفوهات البركانية اعتبرتها دراسة حكومية ظاهرة طبيعية فريدة في العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك