تتسارع التطورات الميدانية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط وسط مفارقة لافتة بين لغة الدبلوماسية الدولية وإيقاع الحديد والنار على الأرض.
وفي حين يوجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطابات بضرورة عدم استهداف العمق اللبناني، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي تصعيده الميداني عبر قصف الضاحية الجنوبية لبيروت والتوغل البري في بلدات الجنوب متجاوزا ما يُعرف بـ" الخط الأصفر".
يطرح هذا التناقض تساؤلات محورية حول أبعاد التحركات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة؛ فهل تمثل محاولة لفرض وقائع ميدانية مسبقة في الساعات الأخيرة التي سبقت إتمام الاتفاق بين واشنطن وطهران، أم تعكس تباينا في الحسابات الاستراتيجية بين تل أبيب وواشنطن؟وفقا للقراءة الجغرافية والميدانية عبر الشاشة التفاعلية للجزيرة والتي قدمها الزميل محمود الكن، مرت العمليات البرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان بثلاث مراحل رئيسية منذ بدء جولة التصعيد الأخيرة في الثاني من مارس/آذار 2026:المرحلة الأولى: تركزت في توزيع قوات الاحتلال على 5 نقاط رئيسية تمتد من القطاع الشرقي حتى القطاعين الأوسط والغربي من اللبونة غربا إلى الحمامص شرقا مرورا ببلدات جبل بلاط وجل الدير والعويضة، وهي تلال مرتفعة يتراوح ارتفاعها بين 800 و850 مترا تشرف ناريا وبصريا على شمال إسرائيل وعمق 5 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
المرحلة الثانية: الانتقال إلى ما يسميه جيش الاحتلال" الخط الأصفر"، وهو خط توغل أعمق يمتد بين 5 و10 كيلومترات داخل الجنوب اللبناني.
وجاءت هذه الخطوة بهدف منع مقاتلي حزب الله من استخدام البنى التحتية الحدودية وإبعاد الصواريخ المضادة للدروع التي يتراوح مداها بين خمسة وعشرة كيلومترات عن المستوطنات الشمالية.
المرحلة الثالثة: السعي المستمر لتطوير المناورات العسكرية من الجهتين الشرقية والغربية والتقدم إلى ما بعد الخط الأصفر، والتي تمثلت مؤخرا في السيطرة على قلعة الشقيف الاستراتيجية ومحاولة التوغل نحو محور تلة علي الطاهر بهدف إطباق السيطرة على المرتفعات الحاكمة، بالتزامن مع استمرار الاشتباكات في مجدل زون ورشاف وحداثا والغندورية ووادي الحجير.
المعضلة الاستراتيجية للاحتلاليرى الخبير العسكري والاستراتيجي حسن جوني أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية المطبقة حاليا في جنوب لبنان تشابه النماذج التي نفذها جيش الاحتلال في قطاع غزة ومناطق من سوريا، والتي تقوم على مفهوم خلق فراغ جغرافي وسكاني عبر تدمير البنى التحتية في القرى الحدودية لإعاقة أي عمليات تسلل أو تقدم نحو الحدود.
ومع ذلك، يرى جوني أن هذا التقدم الميداني يواجه تحديا سياسيا معقدا؛ حيث يمثل فرض انسحاب على إسرائيل دون صرف هذا الإنجاز العسكري بمكاسب سياسية عنوانها الأساسي سحب سلاح حزب الله معضلة استراتيجية كبرى لتل أبيب.
إسرائيل تسعى لاستغلال السيطرة الميدانية لإخضاع الدولة اللبنانية وفرض ترتيبات أمنية معينة، لكن تبلور الاتفاق الأميركي الإيراني المرتقب قد يغير هذه الحسابات، بحسب الخبير العسكري.
ويضيف جوني أن التفاهمات بين واشنطن وطهران قد تفضي بالحد الأدنى إلى وقف شامل لإطلاق النار، مع إحالة ترتيبات الانسحاب والآليات الأمنية إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.
وفي حال إقرار الانسحاب الإسرائيلي، يوضح حسن جوني أن الآلية لا تعني عودة فورية للمظاهر المسلحة لحزب الله، بل ستخضع لما نص عليه البيان المشترك الأخير بين لبنان وإسرائيل تحت مسمى" فلسفة المنطقة التجريبية".
وتقضي هذه الفلسفة بانسحاب جيش الاحتلال من مناطق محددة مثل محيط قلعة الشقيف والقرى المجاورة لها مقابل انتشار فوري للجيش اللبناني، لتمثل هذه الخطوة مرحلة اختبار وتدقيق للتأكد من بسط سلطة الدولة اللبنانية ومنع أي وجود عسكري لحزب الله في تلك المناطق.
ويخلص جوني إلى أن نجاح أو فشل إسرائيل استراتيجيا مرهون بالصيغة النهائية للاتفاق الأميركي الإيراني، وما إذا كان سيلزم إسرائيل بالانسحاب ضمن مهل زمنية محددة أم يتركه معلقا بمسار التفاوض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك