عادت قضية “الأراضي المنهوبة” في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي الإرهابية إلى واجهة المشهد اليمني، عقب تصاعد التوتر بين سكان منطقة “عَصِر” غربي العاصمة صنعاء والسلطات التابعة للجماعة، على خلفية تحركات جديدة تستهدف السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الخاصة تحت مبرر “الأوقاف التاريخية”.
وخلال الأيام الماضية، عقد وجهاء وأعيان وسكان منطقة عصر لقاءً قبلياً موسعاً أعلنوا خلاله رفضهم للإجراءات التي تنفذها “الهيئة العامة للأوقاف” التابعة للحوثيين، وذلك بعد استحداث مكتب جديد للهيئة في المنطقة، تمهيداً لبدء عمليات حصر وتوثيق أراضٍ يؤكد الأهالي امتلاكهم لها منذ عقود.
وتعود جذور الأزمة إلى قرار أصدرته الهيئة قبل أربعة أعوام، صنّفت بموجبه أجزاء واسعة من المنطقة ضمن “الأوقاف العامة”، استناداً إلى روايات تاريخية تعود إلى القرن السابع الهجري، ما أثار مخاوف متجددة لدى السكان مع إعادة تفعيل الملف مؤخراً.
وأكد الأهالي أن الإجراءات الحوثية تفتقر إلى الأسس القانونية والوثائق الرسمية المعتمدة، محذرين من أن المضي في تنفيذها قد يؤدي إلى اندلاع نزاعات اجتماعية وقبلية في واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في صنعاء.
وفي مطلع عام 2021، أنشأت مليشيات الحوثي الإرهابية “الهيئة العامة للأوقاف” كهيئة مستقلة تتبع ما يُعرف بـ”رئاسة الجمهورية” في مناطق سيطرتها، ومنحتها صلاحيات واسعة لحصر الأراضي وإدارتها والتصرف بعائداتها، تحت ذريعة حماية أملاك الوقف.
ويرى مراقبون أن دور الهيئة تجاوز الإشراف على الأوقاف إلى إعادة تصنيف ملكيات قائمة منذ عقود والسيطرة على أصول عقارية واسعة، ما جعلها إحدى أبرز الأدوات التي تعتمد عليها الجماعة لتعزيز نفوذها الاقتصادي وتأمين مصادر تمويل بديلة، في ظل تراجع إيراداتها التقليدية.
ولا تقتصر النزاعات العقارية المرتبطة بالهيئة على صنعاء، بل تمتد إلى محافظات عدة، من بينها ذمار وإب والحديدة، وسط تصاعد شكاوى ملاك الأراضي من ممارسات يرونها تعسفية، في ظل غياب مؤسسات قضائية مستقلة في مناطق سيطرة الجماعة.
إعادة تشكيل الخريطة العقاريةوقال الخبير الاقتصادي محمد الجماعي إن سياسات الحوثيين في إعادة تصنيف الأراضي والعقارات الخاصة تمثل واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بأملاك المواطنين، مشيراً إلى أن الجماعة عملت منذ سيطرتها على مؤسسات الدولة عام 2014 على إحكام قبضتها على القطاعات المرتبطة بالأراضي والأوقاف والزكاة.
وأوضح الجماعي أن إنشاء هيئات وكيانات خاضعة مباشرة لقيادات الجماعة أتاح لها أدوات واسعة لإعادة تفسير السجلات العقارية والطعن في ملكيات مستقرة وفقاً لرؤيتها الخاصة.
وأضاف أن هذه السياسات لا تستهدف تحقيق مكاسب.
اقتصادية فحسب، بل تُستخدم أيضاً كوسيلة لإخضاع المجتمع وإضعاف قدرته على المقاومة، لافتاً إلى أن الأرض تمثل أحد أهم مقومات الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في اليمن.
وأشار إلى أن غياب الضمانات القانونية للملكية الخاصة يؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين ورجال الأعمال، ويحد من تدفق الاستثمارات الجديدة، فضلاً عن إرباك سوق العقارات وإخضاعه لاعتبارات النفوذ والقوة بدلاً من الأسس الاقتصادية الطبيعية.
وحذر الجماعي من أن استمرار هذه الممارسات قد يقود إلى إعادة رسم الخريطة العقارية في مناطق سيطرة الحوثيين، عبر نقل ملكية مساحات واسعة من الأراضي إلى جهات وشخصيات مرتبطة بالجماعة، بما قد يفضي إلى تغييرات ديموغرافية واجتماعية عميقة يصعب معالجتها مستقبلاً، حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
من جانبه، أكد المدير التنفيذي لـ”المركز الأمريكي للعدالة”، عبدالرحمن برمان، أن مؤسسة الأوقاف يفترض أن تعمل وفق إطار قانوني يضمن حماية الملكية الخاصة وصون الحقوق المكتسبة للمواطنين، إلا أن الممارسات الجارية في مناطق سيطرة الحوثيين تشير إلى استخدامها كأداة للسيطرة على الأراضي والممتلكات.
وأوضح برمان أن خطورة هذه الإجراءات لا تقتصر على النزاع العقاري، بل تمتد إلى انتهاك حقوق دستورية وقانونية أساسية، في مقدمتها الحق في الملكية الخاصة، الذي يكفله الدستور اليمني والمواثيق الدولية.
وأضاف أن مصادرة الأراضي أو تقييد التصرف بها خارج الأطر القانونية تخلق حالة من انعدام الأمن القانوني، وتضعف ثقة المواطنين والمستثمرين بالمؤسسات العدلية، ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وبيّن أن استمرار هذه السياسات يهدد بتوسيع نطاق النزاعات بين الأفراد والأسر والقبائل، ويعمّق مشاعر التهميش والظلم لدى قطاعات واسعة من السكان، خصوصاً عندما تصبح الممتلكات الخاصة عرضة للمصادرة في ظل غياب الضمانات القانونية والرقابة القضائية الفاعلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك