يقول المواطن السوداني فضل الله طيفور" كنت أشتري الخبز بصورة يومية من دون أن أفكر كثيراً في الكلفة، وكان يكفي أسرتي المكونة من خمسة أفراد، لكن خلال الفترة الأخيرة، ومع ارتفاع الأسعار، أصبحت عملية الشراء مرتبطة بحسابات دقيقة.
ففي بعض الأيام أشتري عدداً أقل من الأرغفة، وفي أيام أخرى أكتفي ببدائل".
أضاف طيفور" اتجهنا داخل المنزل إلى إعداد الكسرة (الخبز الشعبي الأول والوجبة الأساسية في المائدة السودانية، وتصنع من الذرة الرفيعة) كخيار أساس، باعتبارها أقل كلفة نسبياً، على رغم أن أسعار مكوناتها ارتفعت أيضاً.
فالتغيير لم يكن سهلاً، لكنه أصبح ضرورياً في ظل الظروف الحالية، إذ نحاول تنظيم الاستهلاك وتوزيع الكميات بما يتناسب مع الدخل المتاح"، وتابع" الأطفال لاحظوا التغيير في نوعية الطعام، ويسألون أحياناً عن السبب، فنشرح لهم ببساطة أن الظروف تغيرت، لكن بالنسبة إلي، لم يعد الخبز خياراً ثابتاً كما كان، بل أصبح قراراً يومياً يعتمد على السعر والقدرة".
ما ذكره طيفور ينطبق على آلاف الأسر السودانية التي تعاني أزمة الخبز التي لم تعد مجرد اختناقات عابرة في الإمداد، بل تحولت إلى مؤشر يومي على عمق الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه البلاد منذ اندلاع الحرب بين الجيش و" الدعم السريع" في منتصف أبريل (نيسان) عام 2023.
ففي الأسابيع الأخيرة، قفز سعر الرغيف إلى 400 جنيه (0.
67 دولار) في عدد من المناطق، في سابقة غير معهودة، وسط تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع كلف الإنتاج بصورة متسارعة.
وبينما يواجه المستهلك أزمة الحصول على سلعة أساسية، يقف أصحاب المخابز على حافة الخروج الكامل من السوق، مع تصاعد الضغوط التشغيلية وتعدد الرسوم.
في مشهد يتكرر يومياً، يقف أصحاب المخابز أمام معادلة مستحيلة، كلف إنتاج ترتفع بلا سقف، وسوق عاجزة عن استيعاب أي زيادات إضافية، فخلال الأشهر الأخيرة، شهدت أسعار الدقيق قفزات كبيرة، مدفوعة باضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع كلف الاستيراد، بالتوازي مع زيادة أسعار الوقود والكهرباء والنقل.
هذه العوامل مجتمعة وضعت القطاع تحت ضغط غير مسبوق، انعكس مباشرة على سعر الرغيف.
ومع غياب الدعم الحكومي الفاعل، أصبح تشغيل المخبز مغامرة يومية بالخسارة، مما دفع عديداً من المخابز إلى تقليص الإنتاج أو الإغلاق الكامل.
في السياق قال المحلل الاقتصادي السر سليمان إن" الأزمة الحالية تعكس خللاً هيكلياً في منظومة إنتاج الخبز، وليس مجرد موجة تضخم عابرة، فالدقيق يمثل ما بين 60 و70 في المئة من كلفة الإنتاج، ومع أي زيادة فيه تنعكس مباشرة على السعر النهائي، خصوصاً في ظل غياب آليات دعم مستقرة"، وتابع سليمان" ارتفاع أسعار الوقود بنسبة تجاوزت 100 في المئة في بعض الفترات أدى إلى مضاعفة كلف النقل والتوزيع، بينما زادت تعرفة الكهرباء بصورة ملحوظة، مما رفع كلفة التشغيل اليومية"، ونوه بأن" الحل يتطلب تدخلاً حكومياً مباشراً عبر دعم مدخلات الإنتاج، أو توفيرها بسعر تفضيلي، إلى جانب ضبط السوق ومنع الاحتكار"، وبين المحلل الاقتصادي أن" استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى خروج المزيد من المخابز من السوق، مما يقلص المعروض ويدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، في حلقة مفرغة يصعب كسرها من دون إصلاحات عاجلة".
على امتداد الخرطوم وعدد من الولايات، تتزايد لافتات" مغلق" على أبواب المخابز، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يواجهها هذا القطاع الحيوي، إذ لم يعد الإغلاق خياراً استثنائياً، بل أصبح قراراً اضطرارياً يتخذه أصحاب المخابز هرباً من الخسائر اليومية.
ومع كل مخبز يغلق، تتقلص حصة الخبز المتاحة في السوق، مما يفاقم الأزمة ويدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع.
في هذا الوقت، أشار المتخصص في شؤون الأسواق هشام كمال إلى أن" إغلاق المخابز ليس مجرد نتيجة للأزمة، بل عامل مضاعف لها، فخروج عدد كبير من المنتجين يؤدي إلى اختلال في العرض، مما يمنح من تبقى في السوق قدرة على رفع الأسعار لتعويض الكلف، إضافة إلى أن توقف المخابز في مناطق معينة، مثل شرق النيل إحدى ضواحي مدينة الخرطوم بحري، يخلق ضغطاً إضافياً على المخابز العاملة في مناطق أخرى، ويزيد من كلف النقل على المستهلك"، ورأى كمال أن" من أبرز الحلول الممكنة تقديم حوافز مباشرة للمخابز للاستمرار، مثل الإعفاء من بعض الرسوم أو توفير الوقود بأسعار مدعومة، وإنشاء آلية تنسيق بين الجهات الحكومية واتحادات المخابز لضمان استمرارية الإنتاج وتوزيع الخبز بصورة عادلة.
وقد يؤدي استمرار الإغلاقات إلى أزمة ندرة حقيقية، تتجاوز مسألة الأسعار إلى انعدام السلعة نفسها في بعض المناطق".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)بالنسبة إلى المواطن السوداني، أصبح الخبز عبئاً يومياً يضاف إلى قائمة طويلة من الضغوط المعيشية، ففي ظل تآكل الدخول وارتفاع أسعار معظم السلع الأساسية، يمثل تضاعف سعر الرغيف ضربة مباشرة للأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود، إذ بات كثير من الأسر تقلص استهلاكها، أو تبحث عن بدائل أقل كلفة، في وقت يضطر البعض إلى الوقوف في طوابير طويلة للحصول على الخبز بأسعار أقل إن وجد.
في هذا السياق، أكد الباحث الاجتماعي خالد سليم أن" أزمة الخبز لها أبعاد تتجاوز الاقتصاد إلى الاستقرار المجتمعي، فارتفاع أسعار السلع الأساسية، وعلى رأسها الخبز، يزيد من مستويات التوتر والاحتقان، وقد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية إذا استمر فترة طويلة، إضافة إلى أن سوء التغذية قد يصبح مشكلة متزايدة، بخاصة بين الأطفال، في حال استمرت الأسر في تقليص استهلاكها".
وتابع أن" الحل لا يقتصر على خفض الأسعار، بل يتطلب سياسات حماية اجتماعية، مثل دعم مباشر للأسر الفقيرة أو توفير الخبز بأسعار مدعومة عبر قنوات محددة".
وأشار الباحث الاجتماعي إلى أن" التجارب السابقة في السودان أظهرت أن غياب العدالة في توزيع الدعم يؤدي إلى تفاقم الأزمة بدلاً من حلها، ما يستدعي تصميم برامج دقيقة تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً، وتجاهل البعد الاجتماعي للأزمة قد يؤدي إلى تداعيات طويلة المدى يصعب احتواؤها".
على رغم التحذيرات المتكررة من اتحاد أصحاب المخابز والفاعلين في القطاع، لا تزال الاستجابة الرسمية للأزمة دون مستوى التحدي حتى الآن، إذ تقتصر الإجراءات على حلول جزئية أو موقتة، لا تعالج جذور المشكلة.
ومع استمرار ارتفاع كلف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية، يبدو أن الأزمة مرشحة للتفاقم في غياب رؤية شاملة لإدارة قطاع الخبز.
في السياق أوضح المحلل الاقتصادي لؤي عبدالمنعم أن" المشكلة الأساسية تكمن في غياب سياسة واضحة للأمن الغذائي، فالتعامل مع الخبز يجب أن يتم باعتباره سلعة استراتيجية، وليس مجرد منتج تجاري، لذلك يجب إنشاء مخزون استراتيجي من القمح، وتفعيل دور الدولة في استيراده وتوزيعه، بدلاً من تركه بالكامل لآليات السوق".
ودعا عبدالمنعم إلى" إعادة هيكلة الدعم، بحيث يذهب مباشرة إلى المنتج أو المستهلك، مع تقليل الوسطاء الذين يرفعون الكلفة، فضلاً عن إصلاح قطاع الكهرباء والنقل، مما يسهم بصورة غير مباشرة في خفض كلف الإنتاج، إلا أن أي تأجيل للحلول سيجعل كلفتها أعلى في المستقبل، ليس فقط اقتصادياً، بل أيضاً اجتماعياً وسياسياً".
ولفت المحلل الاقتصادي إلى أن" احتواء الأزمة لا يزال ممكناً، لكنه يتطلب قرارات سريعة وجريئة تعيد التوازن إلى هذا القطاع الحيوي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك