لم يعد مفهوم الريف لدى عدد محدود من الأشخاص هو ذلك الملاذ الصامت الذي تنام حقوله مع غروب الشمس، ولم تعد جدرانه الطينية حارسة للأسرار كما كانت طيلة قرون.
في عمق القرى والنجوع، جرفت أمواج" التيك توك" وبوابات البث المباشر هدوء الخصوصية، لتتحول بعض البيوت البسيطة والمصاطب الدافئة إلى استديوهات تصوير مفتوحة على مدار الساعة.
هناك، حيث كان الحياء هو العملة الأكثر رواجاً، باتت" الشهرة السريعة" والبحث عن" الأرباح بالدولار" لدى هذا العدد المحدود من الأشخاص هما المحرك الأول لكسر كل الحواجز والتقاليد العتيقة.
بينما كان الريف يصدّر للوطن القمح والخير، أصبح البعض وهم الحمد لله استثناء وليسوا قاعدة يصدرون تفاصيل غرف النوم، وخناقات المطابخ، وروتين النظافة اليومي على المشاع.
تحولت" اللقمة الهنية" التي كانت تجمع العائلة في ستر وأمان، إلى" محتوى" يُعرض بابتذال تحت قصف" اللايك والكومنت"، إنها تجارة العفوية المصطنعة، حيث تقف الأم بعباءتها الريفية، أو يرقص الشاب بجلبابه، لا تعبيراً عن بهجة حقيقية، بل استجابة لخوارزميات عمياء تطلب المزيد من المشاهدات لتدرّ المزيد من الأموال.
لقد استُبدل البعض" حصاد المحصول" في غيط الجد بـ" حصاد المشاهدات" على شاشة الهاتف، ودخلت" عقدة التريند" إلى بيوت كانت تعتبر خروج صوت المرأة خارج عتبة الدار عيباً لا يُغتفر.
واللافت هنا ليس التطور التكنولوجي، بل هذا التمرد النفسي الصامت على قيم القناعة؛ إذ تحول" تلفون" إلى منجم ذهب وهمي يغري البسطاء بالثراء السريع، متناسين أن الثمن المدفوع هو جزء من كرامة البيت وحرمته التي تلاشت بين أصابع المتابعين.
إن هذا الاختراق الرقمي لعمق الريف لا يهدد النسيج الاجتماعي فحسب، بل يعيد صياغة مفهوم" الستر" في الوجدان المصري.
فالبيوت التي أُسست لتكون عورة مستورة عن عيون الغرباء، صارت مباحة لمن يدفع" الوردة" و" الحوت" في منصات البث.
التحدي الحقيقي اليوم هو كيف ننقذ أصالة الطين من طغيان الشاشات، وألا نترك رغيف العيش يغمس بماء الوجوه في سوق المزايدات الرقمية، فالحداثة لا تعني أبداً أن نبيع الوقار في المزاد العلني من أجل حفنة من الدولارات.
إننا نتحدث هنا عن استثناء وليس قاعدة، عن عدد محدود، ممن يخرجون عن ثوابت الأرياف وقيمه الرائعة، ليكون ذلك بمثابة نداءً ليعودوا لرشدهم، مستعصمين بقيم الريف وعاداته وأصوله، حتى لا يندموا في وقت فات فيه الندم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك