نادراً ما يستطيع صناع السينما تقديم فيلم يقترب من مراحل تاريخية وسياسية واجتماعية في حياة المواطن المصري من دون أن يقع في فخ الدروس السياسية والخطابية والشعارات المباشرة، وقلما استطاع مخرج أو مؤلف الاقتراب من تلك المنطقة والخروج بمتعة بصرية وترفيهية وإنسانية على المستوى الجماهيري لعشاق السينما، لكن في فيلم" القصص" ثبت المخرج أبو بكر شوقي أقدامه في منطقة سينمائية فريدة تعتمد على المغامرة الخطرة، ونجح في تقديم عمل أقرب إلى سيرة وجدانية وإنسانية من دون أن يخسر الرهان أو يقع في فخ تقديم فيلم سياسي أو تاريخي.
سلك شوقي في" القصص" طريقاً مختلفاً جعل الإنسان العادي هو البطل الحقيقي والمحور والحكاية، وكل ما يدور حوله من تقلبات ورؤساء وحروب ما هو إلا مجرد خلفية نرصد من خلالها كيف تأثر المواطن المصري وشعر وتألم وتعثر وثار وهاج وماج عبر مراحل التاريخ والسياسة الأخطر في حياته منذ الستينيات وحتى الثمانينيات وعلى مدى ثلاثة عقود حساسة وفاصلة.
يقدّم الفيلم التاريخ والسياسة والرياضة من خلال أسرة أساسية هي عائلة الموظف البسيط" راغب"، لكنه لا يغوص في حكاية فردية بل يرسم لوحة ضخمة شاملة لمصر في إطار زمني ممتد وضخم من خلال تحولات العائلة وعلاقة أفرادها بالمحيطين بهم داخلياً وخارجياً، مستعيناً بالموسيقى والرياضة والعلاقات الإنسانية، باعتبارها مرايا تعكس ما يجري في المجتمع.
والفيلم من بطولة نيللي كريم في دور الزوجة فيروز، وأحمد كمال في شخصية ربّ الأسرة راغب، أما الأبناء فقام بأدوارهم أمير المصري وأحمد الأزعر وخالد مختار، وشاركت في البطولة فاليري باشنر وصبري فواز وشريف دسوقي وكريم قاسم وعمرو عابد.
وتبدأ أحداث الفيلم في منتصف الستينيات، إذ تعيش أسرة الأستاذ راغب الموظف البسيط في منطقة شعبية، وتدير الأم فيروز بقبضة من حديد شؤون الأسرة المكونة من ثلاثة أولاد ذكور هم أحمد وحسن وشرف.
يتميز أحمد، الابن الأكبر، عن شقيقيه في موهبة العزف الموسيقي، ويجيد العزف على البيانو، ويحلم أن يصبح اسماً شهيراً في هذا المجال، ويساعده الأب في الوصول إلى حلمه على رغم الظروف المادية والاجتماعية العصيبة، بينما يشعر أحمد بإحباط دائم لأن أصحاب الوساطة هم من يتلقون الفرص الحقيقية على حساب غيرهم.
تتصاعد الأحداث خلال عهد الرئيس جمال عبدالناصر عندما تعاني الأسرة خوف الأب راغب الدائم من المجتمع والظروف، إضافة إلى إعلانه كراهيته الفساد، لدرجة التصريح بذلك من خلال برنامج تلفزيوني، ويتخيل راغب بعد البرنامج أنه مستهدف وسيُعتقل لتأديبه على تلك العبارة المهينة في حق النظام، فتزداد معاناة الأسرة بسبب تلك الهواجس.
ويستعرض العمل بصورة غير مباشرة بعض المستغلين لعهد عبدالناصر، وحقد بعض الطبقات على كل ما يحدث، والتأثر الكبير بسبب نكسة 1967، وإعلان عبدالناصر قرار التنحي عن المنصب، ويكشف كيف تأثر المصريون بالتوابع السياسية على المستويين الإنساني والاجتماعي.
يسافر أحمد بعد علاقة حب عبر المراسلة مع فتاة نمسوية قامت بدورها فاليري باشنر وتنعكس من خلال رحلته فكرة هجرة بعض المصريين في وقت الحروب بحثاً عن وطن أكثر أماناً وظروفاً أفضل لتحقيق الطموح، لكن أحمد يترك حبيبته ويعود لبلده تضامناً مع جراح أهلها وكذلك من قتلوا منهم وبينهم شقيقه الذي لاقى حتفه، ليثبت أن الوطن قدر لا بد من أن نختاره ونعيشه بحب وننتمي إليه في كل الظروف.
تنتقل الأحداث إلى فترة السبعينيات وعصر الرئيس محمد أنور السادات، وتكشف المشاهد عن شكوى أسرة راغب وغيرها من العائلات المصرية من الظروف الاقتصادية والسياسية وارتفاع الأسعار خلال عصر الانفتاح الاقتصادي الذي أقرّه السادات.
وعلى رغم فرحة الناس بنصر أكتوبر المجيد، لكن التعثر الاقتصادي الذي خلق انفلاتاً أمنياً عمّ الشوارع المصرية في بعض الأحيان كان كابوساً للجميع، بخاصة أحمد الذي كان على وشك تحقيق حلمه بالعزف في حفل ضخم، وإثبات نفسه عازفاً محترفاً يحصل أخيراً على فرصة تستحقها موهبته الفريدة، لكن شغب الشوارع والعنف والانفلات حالت دون وصوله إلى مكان الحفل في تلك الليلة.
يستمر الشغب والغلاء والخوف والانفلات في كثير من المشاهد التي تصور عهد السادات وما تضمنه من اتفاقات ومعاهدات سياسية شهيرة، وتنتهي تلك الحقبة على الشاشة باغتيال السادات في واقعة المنصة الشهيرة، وحزن الشعب على رحيل رجل الحرب والسلام على يد الجماعات المتطرفة.
يبدأ عهد جديد في مصر بتولي الرئيس محمد حسني مبارك القيادة ببداية الثمانينيات، ويفقد أحمد وظيفة أحلامه بسبب وجود أنواع جديدة من الفساد الإداري، إذ تذهب الفرصة مجدداً لشمس غريمه الدائم متصيد الفرص والمتربح من الوساطة والعبث وغياب المعايير عبر كل العصور.
تزداد معاناة أسرة أحمد برحيل والدته فيروز بعد أن تلقنه درساً في كيفية أن يكون رجلاً صلباً أيّاً كانت الظروف حتى يستطيع التأقلم والتجاوز.
وتضحك الحياة لأحمد أخيراً بعد حديث زوجته في أحد البرامج عن وجود فساد يمنع زوجها من الحصول على فرصته، فيضطر أحد المسؤولين الفاسدين إلى معالجة الموقف ومنح أحمد فرصة العزف أمام الرئيس مبارك.
تتغير أخيراً حياة الأسرة فيشعر أحمد بالرضا، وينعم والده بالسعادة عقب فوز نادي الزمالك بالدوري بعد أعوام من الإحباط وفقدان الأمل، وتبتسم الحياة للعائلة التي عانت التعاسة كثيراً بسبب تعاقب السياسات والحروب والأزمات عبر العقود.
من أكثر التفاصيل اللافتة في فيلم" القصص" إدماج الرياضة نسيجاً أصيلاً في الدراما والأحداث، لتصبح لغة موازية للتعبير عن الأمل والإحباط وليس عنصراً تجميلياً أو ترفيهياً، واستخدم المخرج مباريات نادي الزمالك وأجواء التشجيع الجماهيري باعتبارها جزءاً من الذاكرة الشعبية المصرية، واستعرضت المشاهد عبر الحقب الزمنية المتتابعة في السرد السينمائي تشجيع عائلة أحمد للزمالك وتجمعات المقاهي لمتابعة المباريات والنقاشات الحادة بين المشجعين والانتصارات والانكسارات الرياضية، ونجح المخرج في جعل حب الزمالك ودعمه خلفية تعكس الحال الاجتماعية والنفسية للشخصيات، وربط في بعض الأحيان بين تقلبات حياة الأبطال وتقلبات نتائج الفريق، فعندما حصل أحمد على فرصته العادلة نجح الزمالك في الحصول على البطولة الرياضية التي يحلم بها أيضاً وحقق انتصاراً طال انتظاره.
تعمد أبو بكر شوقي اختيار نادي الزمالك دون غيره، لأنه فريق تعرض لكثير من المحن والهزائم، ويحمل وجوده دلالات عميقة تشير إلى فترة زمنية صعبة في تاريخ مصر وشعبها.
بحسب التجارب السابقة للمخرج أبو بكر شوقي، بخاصة فيلم" يوم الدين"، فهو من المخرجين الذين ينتمون إلى مدرسة تفضيل الإنسان على الحدث، والاهتمام بالتفاصيل والأحاسيس والمهمشين، وفي" القصص" يواصل وفاءه للمنهج نفسه والاهتمام بالرحلة الإنسانية لشخص التي يقودنا تتبعها الدرامي إلى رحلة أوسع تشمل مجتمعاً بأكمله.
انتقاء التفاصيل في العمل كان شديد الدقة على رغم أنه قد يبدو غريباً في البداية، فأن يكون أحمد عازفاً موسيقياً وسط أسرة شعبية محدودة الثقافة يرمز إلى وجود حلم عميق وراقٍ يقود إلى رحلة أكبر من حدود الواقع، واختيار البيانو هو رمز لحلم فردي في مواجهة ضجيج الواقع، وعبر الأحداث المتلاحقة في العمل كلما ازدادت الضغوط السياسية والاجتماعية، ازداد تمسك أحمد بالموسيقى باعتبارها ملاذاً شخصياً.
وحاول المخرج تفعيل دور الموسيقى ليكون أعمق من مجرد كونها حلماً لدى البطل، فاعتمد في بعض المشاهد على الموسيقى أكثر من الحوار، ليعكس ثقته بالأدوات السينمائية البعيدة من الخطابة والإلقاء التاريخي المباشر، وليعلو بقيمة السرد بعدما أصبحت الموسيقى جزءاً حقيقياً منه.
وعبّر شوقي كذلك عن الصراع بين المجتمع المصري والغربي من خلال استخدام الموسيقى الكلاسيكية الغربية، إضافة إلى الأجواء المصرية المحلية مما خلق حالاً من التوتر الموسيقي الممتع بين المحلي والعالمي.
أما أداء الممثلين، فكان من أهم عوامل قوة العمل بداية من نيللي كريم التي أتقنت دور الأم المصرية التي تمر بثلاثة عقود من الضغوط، فيخلق هذا منها شخصية فولاذية رائعة وحساسة وتحمل كل عناصر القوة التي تشبه في ملامحها الوطن.
وعلى رغم تشابه بعض الملامح العامة لشخصية نيللي في" القصص" مع دورها في مسلسل" ذات"، لكنها قفزت نحو آفاق جديدة في التعبير والتقمص أثرت في شخصية فيروز وجعلت لها نكهة خاصة.
وكان أمير المصري على رغم صعوبة الدور ناضجاً في الأداء وواعياً بتفاصيل كل مرحلة بصورة تثبت تطوراً ملحوظاً في قدراته التمثيلية.
أما أحمد كمال وصبري فواز وشريف الدسوقي، فقدموا ثلاثية مميزة من الأداء الدرامي العميق المُحلى بخفة الظل والبساطة في الشخصيات التي أدوها ضمن العمل.
كذلك تألقت الشخصيات الأخرى مثل فاليري باشنر وكريم قاسم وعمرو عابد وخالد مختار وناجي شحاتة وأسامة عبدالله، وظهرت كل شخصيات العمل بصورة مؤثرة في نسيج الأحداث أيّاً كان حجم الدور أو عدد المشاهد.
وعلى رغم أن الفيلم ليس من النوع الذي يبحث عن الضجيج أو الإيرادات السريعة، لكن غايته أهم كثيراً وهي توثيق الذاكرة المصرية عبر الفن والرياضة والسياسة، وهو الثالوث المقدس لدى الشعب المصري، لهذا يمكن اعتبار" القصص" فيلماً عن الناس البسطاء الذين عاشوا تحولات كبرى من دون أن يكونوا أبطالاً في كتب التاريخ.
وكمنت قوة العمل في اعتماده على السرد السينمائي والحكايات الدافئة والتفاصيل الإنسانية الرقيقة والمشاعر الصادقة، وقوة الصورة والموسيقى وأحاسيس الأبطال وتفاصيل التتابع الزمني، فشعر المشاهد بأنه عاش زمن لم يعِشه وتأثر بتاريخ وأحداث زعماء وحروب من دون أن يضطر إلى مشاهدة عمل يلقنه دروساً تاريخية أو خطباً وبيانات سياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك