تخيل حاسوبا لا يعتمد على رقاقات السيليكون التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، إنما على خلايا دماغية بشرية حية مزروعة في المختبر من خلايا عصبية مشتقة من خلايا جذعية بشرية تمتلك القدرة على التكيف والتعلم بآليات تشبه بعض خصائص الدماغ البشري وبكفاءة تفوق أي نظام إلكتروني تقليدي.
هذا ليس مشهدا من فيلم خيال علمي، إنما واقع أبحاث تقنية" الحوسبة البيولوجية الهجينة" (Biocomputing) التي تجمع بين الأنسجة البيولوجية والرقائق الإلكترونية لإنتاج أنظمة حوسبة هجينة.
وتسعى هذه التقنية إلى إنشاء أنظمة تستوحي من الطبيعة طريقة معالجة المعلومات وتعلمها عبر دمج الأنسجة الدماغية البشرية المزروعة في المختبر مع الرقائق الإلكترونية بصفتها حلا محتملا يفتح آفاقا جديدة في خفض استهلاك الطاقة وزيادة سرعة التعلم.
ظهور" الحوسبة البيولوجية الهجينة"لعقود طويلة، تربع عنصر السيليكون على عرش الثورة الرقمية، حيث ساهم هذا العنصر المستخلص من رمال الأرض في صنع المعالجات التي سيرت الطائرات، وحركت الأسواق المالية، وجسدت ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وفي الوقت الحالي، بدأت رقاقات السيليكون بالاقتراب من حدودها الفيزيائية القصوى، حيث إن المشكلة ليست في قدرتها على الحساب، إنما في نهمها للطاقة.
ويستهلك تدريب بعض النماذج اللغوية الضخمة طاقة كهربائية تعادل استهلاك عشرات أو مئات المنازل سنويا.
ومع تباطؤ قانون مور ووصول الترانزستورات إلى مقاييس ذرية، أصبح تصغيرها أكثر صعوبة وتكلفة بسبب القيود الفيزيائية والحرارية.
وهنا يأتي دور" الحوسبة البيولوجية الهجينة"، التي تعتمد على أنسجة دماغية مصغرة ثلاثية الأبعاد مزروعة في المختبر من خلايا جذعية بشرية متعددة القدرات تسمى" الأعضاء الدماغية المصغرة" (Brain Organoids).
وتنمو هذه" الأعضاء الدماغية المصغرة" مشكلة شبكة معقدة من الخلايا والمشابك العصبية القادرة على استقبال الإشارات الكهربائية والكيميائية وإرسالها، وتحاكي بذلك جوانب من بنية الدماغ البشري ووظيفته.
وعند دمج" الأعضاء الدماغية المصغرة" مع مصفوفات الأقطاب الكهربائية ينتج ما يسمى بالأنظمة البيولوجية الإلكترونية الهجينة، التي تجمع بين المكونات البيولوجية الحية والأجهزة الإلكترونية.
وتحول هذه الأنظمة البيانات الرقمية القادمة من الحاسوب إلى نبضات كهربائية تفهمها الخلايا العصبية، وتعيد إرسال الاستجابات الكهربائية الصادرة عن الخلايا العصبية عند معالجتها للمعلومات إلى نظام الحاسوب كناتج للعملية الحسابية.
ويعني ذلك أن الخلايا البشرية الحية أصبحت تؤدي العمليات الحسابية والمنطقية بدلا من ترانزستورات السيليكون.
وخلال عام 2023 طرح فريق من باحثي جامعة" جونز هوبكنز" (Johns Hopkins) مفهوم" ذكاء الأعضاء الدماغية المصغرة" (Organoid Intelligence) الهادف إلى استغلال القدرات الطبيعية للتعلم والذاكرة في" الأعضاء الدماغية المصغرة" المزروعة من الخلايا الجذعية البشرية لأغراض الحوسبة.
ويعتمد هذا المفهوم على ربط" الأعضاء الدماغية المصغرة" بواجهات إلكترونية متطورة تسمح بإرسال المعلومات إليها واستقبال استجابتها، بما يفتح المجال أمام تطوير أنظمة حوسبة بيولوجية أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة من الحواسيب التقليدية.
ولا تقتصر الاستخدامات المحتملة لهذه التقنية على الحوسبة فقط، إنما تمتد إلى اختبار الأدوية الجديدة، ومحاكاة الأمراض العصبية، مثل ألزهايمر وباركنسون، ودراسة آليات التعلم والذاكرة البشرية، فضلا عن تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر قدرة على التكيف والتعلم من كميات محدودة من البيانات.
أزمة الطاقة في عصر الذكاء الاصطناعيتشير تقارير" وكالة الطاقة الدولية" (IEA) إلى أن مراكز البيانات تستهلك حاليا نحو 415 تيراواطا في الساعة سنويا، أي نحو 1.
5% من الاستهلاك الكهربائي العالمي.
ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى نحو 945 تيراواطا في الساعة بحلول عام 2030، أي بما يوازي استهلاك دولة كاليابان حاليا، وهو رقم يشكل ما يقارب 3% من الإجمالي العالمي.
ويعد الذكاء الاصطناعي الدافع الرئيسي لهذا النمو، خاصة مع تدريب النماذج اللغوية الكبيرة التي تتطلب طاقة كبيرة للتبريد والتشغيل.
ويستهلك الحاسوب العملاق" فرونتير" (Frontier) نحو 21 ميغاواطا من الطاقة، في حين يستهلك الدماغ البشري نحو 20 واطا فقط.
ورغم قدرات" فرونتير" الكبيرة، إلا أنه يختلف جذريا عن الدماغ البشري من حيث الكفاءة وطريقة معالجة المعلومات.
ويؤدي الدماغ البشري مهام معقدة، مثل التعلم من بيانات قليلة والتكيف الديناميكي، وذلك عبر استهلاك طاقة تعادل الطاقة اللازمة لإضاءة مصباح كهربائي صغير.
وخلال مبارياته مع بطل العالم" لي سيدول" (Lee Sedol)، استهلك نظام" ألفا غو" (AlphaGo) نحو ميغاواط واحد في الساعة، في حين لم يتجاوز استهلاك سيدول 20 واطا فقط، أي بفارق قدره 50 ألف ضعف.
ويعود هذا التباين إلى طبيعة المعالجة، حيث تفصل الحواسيب بين وحدة المعالجة المركزية والذاكرة، مما يضطر البيانات للانتقال المستمر بينهما مستهلكة طاقة وحرارة.
أما في الخلايا العصبية الحية، فإن المعالجة والتخزين يحدثان في المكان نفسه وفي الوقت ذاته عبر المشابك العصبية.
ويسعى العلماء إلى بناء حواسيب بيولوجية هجينة تستهلك طاقة أقل بآلاف المرات وتتعلم بسرعة فائقة مع استبدال معالجات السيليكون بالرقاقات الحية، مما قد يساهم في تخفيف الضغوط المتزايدة على استهلاك الطاقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي وينقل البشرية إلى حوسبة صديقة للبيئة.
الخلايا العصبية قادرة على التعلم السريعتمتد مزايا" الأعضاء الدماغية المصغرة" إلى طريقة التعلم بحد ذاتها، حيث يتمتع الدماغ البشري بالقدرة على التعلم السريع من بيانات محدودة، في حين يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى كميات كبيرة من البيانات للتعرف على نمط بسيط.
وغالبا ما تحتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى بيانات إضافية أو إعادة تدريب جزئية عند تغير البيئة، بينما يعمل الدماغ البشري بطريقة مغايرة تعتمد على المرونة العصبية.
وتعيد الخلايا العصبية ترتيب روابطها ومشابكها بناء على البيئة المحيطة وبسرعة كبيرة، وهو أحد أبرز أسباب تفوق الأنسجة العصبية، حيث إن الدماغ البشري قادر على تعلم أنماط معقدة من مدخلات قليلة.
ويستوعب الدماغ البشري كميات كبيرة من المعلومات باستخدام جزء صغير من الطاقة التي تحتاجها الأجهزة التقليدية.
وقد تسمح الحوسبة البيولوجية باتخاذ قرارات أسرع وتعلم مستمر أثناء التنفيذ، مع كفاءة أعلى في استهلاك الطاقة والمعطيات مقارنة بأنظمة السيليكون.
وفي بعض الاختبارات البحثية، استهلكت شبكة عصبية اصطناعية كبيرة تعمل على رقاقة" إنتل لويهي" (Intel Loihi) طاقة أقل بنحو 3 مرات من نظيرتها التقليدية في مهمات فهم سياق القصص.
كما بلغ الفارق في استهلاك الطاقة عند الاتصال داخل الشريحة نفسها نحو 1000 ضعف مقارنة بالنقل بين شرائح منفصلة، مما يجسد تفوق الدماغ البشري بكفاءة على رقاقات السيليكون الحالية.
شركات تكتب التاريخ عبر تجارب رائدةخلال السنوات القليلة الماضية، سارعت الشركات الناشئة إلى استغلال هذه التقنية وتحويلها إلى منتجات تجارية، مثل الشركة الأسترالية" كورتيكال لابس" (Cortical Labs) والشركة السويسرية" فاينال سبارك" (FinalSpark).
وأطلقت" كورتيكال لابس" جهاز" سي إل ون" (CL1)، أول حاسوب بيولوجي تجاري في العالم بحسب الشركة المطورة، وهو يعتمد على دمج خلايا الدماغ البشري الحية مع شرائح السيليكون الإلكترونية، حيث يضم الجهاز 200 ألف خلية عصبية، ويستهلك طاقة تعادل طاقة حاسوب مكتبي.
وعقدت الشركة شراكة مع شركة DayOne المتخصصة في تشغيل وتطوير مراكز البيانات المستدامة بهدف التوسع في إنشاء مراكز البيانات البيولوجية.
وسبق ذلك نجاح" كورتيكال لابس" في تدريب نظامها المسمى" دش برين" (DishBrain) المكون من 800 ألف خلية عصبية على لعب لعبة الفيديو الكلاسيكية الشهيرة" بونغ" (Pong)، حيث تمكنت الخلايا من تعلم اللعبة وضبط حركتها ذاتيا خلال دقائق معدودة.
أما" فاينال سبارك"، فقد اتخذت نهجا مختلفا، إذ طورت منصة" نيورو" (Neuro) السحابية، وأتاحت للباحثين الوصول إليها عن بعد، وتستضيف هذه المنصة نحو 160 ألف خلية عصبية، مما يفتح الباب أمام إمكانية الوصول إلى" الحوسبة البيولوجية" دون الحاجة إلى امتلاك المعدات.
وإلى جانب الشركات الناشئة، طور فريق بحثي في جامعة" إنديانا بلومينغتون" (Indiana Bloomington) نموذج" برينوير" (Brainoware)، وهو نظام حوسبة حيوية مبتكر يدمج بين الأنسجة البيولوجية للدماغ البشري والدوائر الإلكترونية التقليدية.
ومثل هذا النظام خطوة متقدمة جدا في مجال الحوسبة الحيوية، حيث نجح في مهام مثل التنبؤ بالمعادلات غير الخطية والتعرف على الكلام، مع كفاءة طاقة عالية وتعلم دون إشراف.
وأظهرت النتائج أن" الأعضاء الدماغية المصغرة" قادرة على معالجة معلومات زمنية مكانية بفضل خصائص الذاكرة المتلاشية والديناميكيات غير الخطية.
عقبات على طريق الحواسيب الحيويةرغم البريق الذي يكتنف هذا المجال، ثمة عقبات تقنية جوهرية لم تحل بعد، وما زال الطريق نحو استبدال معالج السيليكون برقاقة بيولوجية محفوف بالعقبات التكنولوجية والبيولوجية الكبيرة.
وتعد" الأعضاء الدماغية المصغرة" الحالية صغيرة الحجم، وتحتوي على عدد من الخلايا لا يقارن بالدماغ البشري الذي يضم 86 مليار خلية عصبية، إلى جانب أنها بحاجة إلى أنظمة دعم الحياة التي تحافظ على الظروف الملائمة لبقاء الخلايا العصبية حية.
وتعيش" الأعضاء الدماغية المصغرة" حاليا لفترات طويلة نسبيا في بيئات معملية محمية، لكن الحفاظ عليها بصورة مستقرة ما يزال تحديا هندسيا، كما أن زراعتها وربطها بالأقطاب وتوصيلها ببعضها لا تزال عملية مخبرية يدوية وبطيئة للغاية، ولم تصل بعد إلى صيغة تسمح بالإنتاج الكمي التجاري.
إلى جانب أن هذا المجال يشعل جدلا فلسفيا وعلميا وأخلاقيا حول قدرة" الأعضاء الدماغية المصغرة" على تطوير شكل من أشكال الوعي البدائي ومخاطر الاندفاع غير المحسوب نحو أنسنة الآلات وانتهاك كرامة الإنسان عبر استخدام الأنسجة البشرية.
ويؤكد معظم الباحثين أن هذه الأعضاء حاليا لا تمتلك وعيا بالمعنى البشري، وما يحدث عمليا يشبه استجابة الخوارزميات للتدريب، حيث إن التعلم غير الواعي بالمعنى البشري قد يبدع أنماطا وظيفية دون أن تشعر هذه الأعضاء بأي شيء.
كما يشيرون إلى أن القيمة الحقيقية التي يقدمها" ذكاء الأعضاء الدماغية المصغرة" تكمن في إنشاء فئة جديدة من الأنظمة الحاسوبية المتخصصة التي تجمع بين سرعة الإلكترونيات ومرونة الأنسجة العصبية الحية.
ختاما، تعد تقنية" الحوسبة البيولوجية الهجينة" بزيادة كفاءة استخدام الطاقة والتعلم السريع مجسدة بصيص أمل حقيقي في مواجهة أزمات تهدد بخنق مسيرة الذكاء الاصطناعي.
ورغم أن الحواسيب الحيوية ما تزال في مراحلها المبكرة وقد تستغرق عقودا لتصل إلى الأسواق بشكلها التجاري، إلا أنها تفتح بابا جديدا قد يكمل تقنيات السيليكون التقليدية أو يعيد تعريف بعض مجالات الحوسبة المتخصصة مستقبلا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك