بمناسبة دعوة شعراء البحرين والأدباء والمثقفين اليوم في قلعة الشيخ سلمان بن أحمد الفاتح؛ لتوقيع وثيقة الولاء والتأييد لسيدي جلالة الملك المعظم، سألقي الضوء في هذا المقال مستحضرةً سيرة الشيخ محمد بن عيسى بن علي آل خليفة، ذلك الشاعر الذي أشعل مصباح النهضة الثقافية.
لم تكن الحركة الأدبية في البحرين شجرة نبتت فجأة في أرض قاحلة، بل كانت جذورها ممتدة في عمق التاريخ، تستمد غذاءها من حضارات دلمون وأوال وتايلوس، ومن موقع البحرين الذي جعلها ميناءً للأفكار كما كانت ميناءً للتجارة.
ومن بين أعلام هذه المسيرة الثقافية، برز الشيخ محمد بن عيسى بن علي آل خليفة، أحد رواد الأدب والشعر في البحرين والخليج العربي.
ولد في المحرق عام 1878م، ونشأ في بيئة تُقدِّر العلم والمعرفة، فحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، واتخذ من القراءة نافذة يطل منها على عوالم الأدب والتاريخ والفكر.
كان شغفه بالمعرفة كالبحر الذي لا تحده الشواطئ، فحرص على جمع الكتب والاطلاع على نتاج كبار الأدباء والعلماء، حتى أصبح من أبرز مثقفي عصره.
عُرف بلقب" الشاعر الوائلي"، ولم يكن الشعر عنده مجرد فن للمدح أو الوصف، بل كان رسالة تحمل هموم المجتمع وتواكب تطلعات الوطن.
وقد برزت قصائده الوطنية في عهد الشيخ عيسى بن علي آل خليفة؛ حيث جسدت معاني الولاء والانتماء، وأسهمت في تعزيز الروح الوطنية والدعوة إلى التمسك بالقيم الأصيلة؛ فكانت أبياته كالمشاعل التي تضيء طريق النهضة، وكالنجوم التي تهدي السائرين نحو مستقبل أكثر إشراقاً.
كما يُعد الشيخ محمد بن عيسى بن علي آل خليفة من رواد الشعر الشعبي (النبطي) في البحرين؛ إذ استطاع أن يصل إلى الناس بلغة قريبة من قلوبهم، فتنوعت قصائده بين الوطنية والاجتماعية والحِكم، وأصبحت جزءاً من الذاكرة الشعبية التي تتناقلها الأجيال.
وقد أكسبه هذا التنوع مكانة خاصة في قلوب أبناء البحرين والخليج العربي؛ فكان صوته صدىً لوجدان المجتمع وآماله.
وتأتي موهبته امتداداً لاهتمام الأسرة الخليفية بالشعر والأدب، حيث شكل الشعر أحد ملامح الحياة الثقافية فيها، فكان كالنهر المتدفق الذي يروي مواهب الأجيال المتعاقبة.
ومن هذا الإرث الأدبي، استمد الشيخ محمد بن عيسى بن علي آل خليفة قدرته على الجمع بين أصالة التراث ورحابة الفكر، ليصبح علماً من أعلام الثقافة البحرينية.
وبقي اسمه حاضراً في سجل النهضة الثقافية، لا كشاعر فحسب، بل كمثقف أسهم في ترسيخ مكانة البحرين منارةً للعلم والأدب، وكمصباح أضاء دروب المعرفة للأجيال، تاركاً إرثاً أدبياً ووطنياً مازال يروي صفحات مشرقة من تاريخ البحرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك