يثير تزامن محاولات المستوطنين إقامة بؤر استيطانية جديدة في عدة قرى فلسطينية غربي رام الله، وسط الضفة الغربية المحتلة، مخاوف الأهالي والمجالس القروية والبلدية.
فالتحركات بدت أشبه بمشهد نُسخ بعناية، وطاولت خلال يومي التاسع والعاشر من يونيو/حزيران الجاري قريتي بيتللو ودير أبو مشعل، شمال غربي رام الله، وبلدة سلواد، شمال شرقيها، فيما كانت قد طاولت، في الرابع من يونيو الجاري، قرية دير السودان، شمال غربي رام الله.
وشهدت الأيام الماضية استنفاراً للمجالس القروية والبلدية، وصدور بيانات صحافية متكررة تحذر من مصير تلك البلدات، ومطالبات للأهالي بضرورة استخراج أوراق الملكية للتحرك الفوري ضد تحركات المستوطنين.
ووصل الأمر، يوم الجمعة 12 يونيو/حزيران، إلى تحرك المئات من أهالي دير أبو مشعل وتفكيك ممتلكات المستوطنين وإزالة علم الاحتلال، بعد تمكنهم من الوصول إلى موقع البؤرة الاستيطانية في منطقة القرانع، رغم المواجهات العنيفة وحماية جيش الاحتلال للمستوطنين.
تحذيرات من التحرك الاستيطاني المتزامنفي القرى الأربع، استهدف المستوطنون أراضيَ جبلية زراعية، واختاروا مواقع مهمة جغرافياً، تحرم الأهاليَ من معظم أراضيهم المزروعة، وكذلك، وهو الأهم، تكمل الحصار على تلك القرى، بحيث تستكمل ما كانت قد فعلته بؤر استيطانية أقيمت خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ومستوطنات وبؤر أقيمت على مدار سنوات طويلة، ما يغلق الدائرة على القرى ويحصرها في المناطق السكنية فقط، ويبقيها دون مناطق زراعية أو حتى مناطق توسع عمراني، ويحوّلها إلى جزر معزولة.
بعد خمسة أيام من شق المستوطنين طريقاً نحو قمة جبل راس الفقيه في دير السودان، في خطوة أثارت مخاوف من سيطرتهم على معظم الأراضي الزراعية المتبقية للقرية، وتحديداً في التاسع من الشهر الجاري، أقامت مجموعة أخرى من المستوطنين خيمة على قمة منطقة راس بطن الحية، غرب قرية بيتللو، التي تتوسط قرى بيتللو ودير عمار وجمالا ودير أبو مشعل.
المفارقة أن المنطقة مصنفة" ب" وفق اتفاق أوسلو، أي أن المسؤولية الإدارية وصلاحية منح تراخيص البناء فيها تعودان إلى المجلس المحلي والسلطة الفلسطينية، وهي تقع ضمن منطقة المخطط الهيكلي المعترف به للقرية.
وكان المجلس القروي يؤسس لبنية تحتية في المنطقة لتسهيل عملية البناء والتوسع العمراني فيها، كما يقول رئيس المجلس القروي نصر رضوان لـ" العربي الجديد".
تثبيت تلك البؤرة يعني السيطرة عملياً على أربعة آلاف دونم من أصل 13 ألفاً، ويعني السيطرة على قرابة 30 نبعة مياه في هذا الجبل الذي استهدفه المستوطنون.
ومع معرفة أن ثلاثة مواقع استيطانية تسيطر على قرابة سبعة آلاف دونم، لا تتبقى للقرية سوى منطقة السكن.
وتحاصر مستوطنة" نحلئيل" بيتللو منذ ثمانينيات القرن الماضي من الجهة الشرقية، و" حلميش" أو" نيفي تسوف" من الجهة الشمالية.
وبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أقام المستوطنون بؤرة في الجهة الشمالية الشرقية، فيما تقع من الجهة الجنوبية مستوطنة" طلمون".
دير أبو مشعل.
بؤر استيطانية من كل الاتجاهاتفجر الأربعاء 10 يونيو/حزيران الجاري، تسلل قرابة 15 مستوطناً إلى منطقة القرانع في دير أبو مشعل، وأقاموا بؤرتهم الجديدة وأحضروا إليها الأغنام.
والمنطقة، التي تتوسط دير أبو مشعل مع قرية جمالا، تصنف أيضاً منطقة" ب"، كما يؤكد رئيس المجلس القروي جميل موسى لـ" العربي الجديد".
وتلك الأراضي ملكيات خاصة للأهالي بأوراق وكواشين رسمية، وتعد منطقة زراعية بمثابة سلة دير أبو مشعل من الزيتون والزيت.
ولتوضيح أهميتها، يقول موسى إن" 80% من أشجار الزيتون التي يمتلكها المزارعون في دير أبو مشعل تقع في منطقة القرانع المستهدفة، وتُقدر المنطقة التي يمكن أن يشكل وجود بؤرة استيطانية تهديداً لها بقرابة 2000 دونم، وهي قرابة 40% من مساحة الأراضي الزراعية للقرية و20% من مجمل الأراضي".
تعارك الأهالي مع المستوطنين بالأيدي في اليوم الأول، في عراك لم يخلُ من تهديدات المستوطنين، الذين يقولون بشكل فجّ للأهالي إن كل هذه الأراضي لهم منذ آلاف السنين.
ورفض جيش الاحتلال، الذي حضر لحماية المستوطنين، التدخل حتى قدوم شرطة الاحتلال التي أزالت مساءً خيمة المستوطنين، لكنهم أعادوها في اليوم التالي، الخميس.
وتكرر المشهد بشكل أعنف يوم الجمعة، حين حاول الأهالي الوصول بعد صلاة الجمعة إلى المنطقة، حيث منعهم جيش الاحتلال من إكمال الطريق.
وبقي الأهالي يحاولون حتى تمكن المئات منهم عصراً من الوصول إلى البؤرة وتفكيك الخيمة وإزالة علم الاحتلال، ليرد المستوطنون بالاعتداء بالأسلحة البيضاء وأصيب أربعة أشخاص على الأقل.
ما دفع الأهالي إلى التحرك رغم الخطر الكبير، في ظل وجود مستوطنين مسلحين يحميهم جيش الاحتلال، يطاول مصير قرية دير أبو مشعل في حال تم تثبيت هذه البؤرة.
فهي أيضاً، كما بيتللو، ستصبح محاصرة بالكامل؛ فبين دير أبو مشعل وعابود بؤرة استيطانية، وبينها وبين دير نظام بؤرة أخرى تمنع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم، وفي المنطقة الغربية بؤرة ثالثة.
وإكمال الحصار بالبؤرة الجديدة يعني، بحسب موسى، بقاء الأهالي في بيوتهم دون إمكانية التحرك في الأراضي بشكل مطلق.
سلواد.
البؤرة الاستيطانية الرابعةفي العاشر من الشهر الجاري أيضاً، وبالأسلوب ذاته، أصبحت على أراضي بلدة سلواد بؤرة استيطانية رابعة.
وتقع البؤرة الجديدة جنوب غرب البلدة، بمحاذاة بلدة عين يبرود، واختار المستوطنون هذه المرة منطقة قريبة من موقع أثري يُقدر عمره بثلاثمئة عام، فضلاً عن وجود مقبرة سلواد الجديدة قرب البؤرة المستحدثة، ومكب نفايات.
بدأ المستوطنون، منذ اليوم الأول لإنشاء بؤرتهم، الاعتداء على الأهالي، وتحديداً بملاحقة المركبة الخاصة بالنفايات، كما سيطروا على بيت زراعي قريب يعود لأحد المواطنين.
ويقول رئيس بلدية سلواد رائد حامد لـ" العربي الجديد" إن" البؤرة الجديدة ستحرم الأهالي من الوصول إلى ما لا يقل عن ألفي دونم، وتكمل ثالوث الحصار، حيث توجد بؤرتان شرقي البلدة وثالثة غربيها، لتبقى فقط المنطقة التي تتنفس منها سلواد شمالاً باتجاه المزرعة الشرقية، لكن التخوفات قائمة من أن يطاولها الاستهداف بسبب تردد المستوطنين على أراضٍ فيها".
إبعاد الناس عن أراضيهم بشكل دائمويرى منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان جمال جمعة، في حديث مع" العربي الجديد"، أن تزامن تحركات المستوطنين في هذه القرى يعني أن ما يحصل ليس لحظياً أو مزاجياً أو حتى مرتبطاً بمواقع بعينها، بل هو سياسة استراتيجية لدولة الاحتلال، وفيه استغلال لأجواء الحرب في المنطقة.
ويأخذ هذا التحرك طابع السباق مع الزمن تحسباً لأي تطورات يمكن أن تعرقل أو تبطئ المشروع الاستيطاني، فالاحتلال يُعزل دولياً بشكل كبير، ويعلم أن الفترة القادمة ليست لصالحه عالمياً وإقليمياً.
ويسارع الاحتلال إلى فرض واقع على الأرض بأقصى الإمكانات، إذ يؤكّد جمعة أن الاحتلال يقيس نجاحه بمنع وصول الناس إلى أراضيهم، سواء في الأغوار في مرحلة أولى أو في المناطق الجبلية والقرى، ويريد أن يظل هذا الوضع دائماً، عبر حشر الأهالي في مناطق سكناهم فقط.
ومن أجل ذلك، يحتاج إلى نشر مزيد من البؤر الاستيطانية بين القرى، أو على مداخلها، أو حتى وسط أراضيها وبداخلها، من أجل منع الناس مرة وللأبد من الوصول إلى أراضيهم.
ويرى جمعة أن استهداف المناطق" ب" أيضاً، وليس فقط" ج"، يعني أن حكومة الاحتلال والمستوطنين يذهبون أبعد من ذلك نحو القضاء على ما تبقى من اتفاق أوسلو وما ترتب عليه، ويوازي نشر البؤر نشر بنية تحتية ضخمة بمبالغ هائلة، للتأسيس لواقع جغرافي في الضفة يخدم الضم الفعلي.
الانهيار الاقتصادي للبلدات والقرى والتجويع هما النتيجة، فمنع الوصول إلى الأراضي، بحسب جمعة، تقابله هجمات متكررة على الثروة الحيوانية في الريف الفلسطيني.
ويتم ذلك عن طريق إطلاق المستوطنين طائرات تصوير صغيرة تراقب بعض القرى وتكشف وجود حظائر، يجري لاحقاً الهجوم عليها أو سرقتها، في ضغط اقتصادي يهدف، في نهاية المطاف، كما يرى جمعة، إلى التهجير، سواء الداخلي أو الخارجي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك