عاد ملف العدالة الانتقالية إلى صدارة المشهد في سورية خلال الأيام الماضية، مع تصاعد الاحتجاجات والاعتصامات في عدد من المحافظات، وسط تأكيدات حكومية على المضي في مسارات المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر.
وقالت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في تعليقها على الأحداث الأخيرة، اليوم الاثنين، إن مطالبة الضحايا وذويهم بالحقيقة والعدالة والمساءلة يمثل حقاً مشروعاً لا يمكن تجاوزه أو التقليل من أهميته، بعد عقود من الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها سورية.
وشددت الهيئة على أن العدالة الانتقالية تستند إلى المسؤولية الفردية ولا تقوم على الانتقام أو الثأر أو استيفاء الحقوق خارج إطار القانون، مشددة على أن العقاب الجماعي يتعارض مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان ويؤدي إلى إنتاج مظالم جديدة بدلاً من معالجتها.
واعتبرت أن المساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر تمثل ركائز أساسية لبناء سلام مستدام ومنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً، مؤكدة استمرار عملها في مسارات كشف الحقيقة والمساءلة وحفظ الذاكرة الوطنية والإصلاح المؤسسي وبناء السلام.
من جانبها، قالت وزارة الداخلية السورية ليل الأحد- الاثنين إنها تتابع باهتمام بالغ ما تشهده بعض مناطق محافظة إدلب من توترات مرتبطة بالمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت بحق السوريين خلال سنوات حكم النظام المخلوع.
وشددت الوزارة على أن تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات مسؤولية تتولاها الدولة عبر مؤسساتها المختصة، مؤكدة أنها لن تتهاون مع أي شخص يثبت تورطه في سفك الدماء أو ارتكاب الانتهاكات بحق السوريين.
وكانت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية نظمت أمس الاحد جلسة حوارية بعنوان" مسار العدالة في سورية" بالتعاون مع فرع نقابة المحامين في حمص ومؤسسة" حقي".
وأوضح مدير إدارة المحاسبة والمساءلة في الهيئة، المحامي رئيف مصطفى، أن الإدارة تعمل على إعداد الملفات الخاصة بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة استنادا إلى مشروع قانون للعدالة الانتقالية أُعد وفق المعايير الدولية، وينتظر إقراره من مجلس الشعب عند انعقاده.
من جانبه، لفت عضو الهيئة في إدارة كشف الحقيقة أحمد سيفو أن العمل يتركز على إعداد تقرير وطني شامل يوثق الانتهاكات ويحدد الضحايا والمسؤولين عنها، بما يضمن حق السوريين في معرفة الحقيقة.
بدوره، اعتبر المختص في القانون الجنائي الدولي والمؤسس الشريك لمؤسسة" حقي"، المعتصم الكيلاني، أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاسبة القضائية، بل تشمل أيضاً كشف الحقيقة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
وشهدت محافظات حلب وإدلب ودير الزور خلال الأيام الماضية احتجاجات واعتصامات رفعت مطالب تتعلق بمحاسبة رموز النظام المخلوع والمتورطين في الانتهاكات، ومنع عودتهم إلى مواقع النفوذ أو إعادة دمجهم في المؤسسات الأمنية والعسكرية، فيما وقعت بعض حوادث الاعتداء على متهمين بارتكاب انتهاكات في بعض المناطق السورية.
وفي دير الزور، طالب المشاركون في" اعتصام الكرامة" بمحاسبة المتورطين في الانتهاكات وعزل عناصر النظام المخلوع ومنع إعادة انتسابهم أو تعيينهم في الجيش والأجهزة الأمنية، إلى جانب إعادة الموظفين الذين فُصلوا من وظائفهم بسبب مشاركتهم في الثورة.
ورأى الناشط رامز السيد أن حالة الاحتقان الشعبي ترتبط أساساً بتباطؤ وتراخي إجراءات المحاسبة وظهور شخصيات محسوبة على النظام السابق في بعض الأنشطة العامة.
ولفت السيد في حديث لـ" العربي الجديد" أن العدالة الانتقالية تتطلب إصلاح البنية القانونية والقضائية، بينما ما زالت البلاد في مرحلة تأسيس المؤسسات المعنية بهذا الملف، وهو ما يتطلب" وعياً وحساسية أكثر من جانب الجهات الحكومية تجاه مشاعر الناس".
من جانبه، دعا المحامي بسل سعيد مانع في حديث لـ" العربي الجديد" إلى الإسراع في استكمال المؤسسات الدستورية، وعلى رأسها مجلس الشعب، باعتبار أن إقرار قانون العدالة الانتقالية بات ضرورة وطنية ملحة لا تحتمل المزيد من التأجيل.
وحذّر من تصاعد موجات التحريض الطائفي وخطابات الكراهية والفتنة على وسائل التواصل الاجتماعي، معتبراً أن السلم الأهلي والعدالة الانتقالية يمثلان مسارين متكاملين لا يمكن الفصل بينهما.
وقال إن العدالة التي يطالب بها السوريون لا تقوم على المسؤولية الجماعية، بل تستند إلى مبدأ المسؤولية الفردية ومحاسبة كل من أمر أو خطط أو نفذ أو شارك في الجرائم والانتهاكات، بغض النظر عن موقعه أو نفوذه أو طائفته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك