يُشكِّل توطين المشاريع الاستثماريَّة أحد المؤشِّرات المهمَّة على نضج السياسات الاقتصاديَّة، وقدرتها على تحويل الفرص إلى نتائج ملموسة داخل الاقتصاد الوطني.
فنجاح الدول في جذب رؤوس الأموال لا يكتمل إلَّا عندما تتحول تلك الاستثمارات إلى مشاريع قائمة، ومنشآت إنتاجيَّة، وفرص عمل، وسلاسل قيمة مضافة تُسهم في دعم النُّمو الاقتصادي المستدام.
ومن هذا المنطلق، تأتي النتائج التي حققتها سلطنة عُمان في مجال الترويج الاستثماري؛ باعتبارها انعكاسًا لتطور المنظومة الاقتصاديَّة وقدرتها على الانتقال من مرحلة استقطاب الاهتمام الاستثماري إلى مرحلة توطين المشاريع وتنفيذها على أرض الواقع.
حيث يؤكد وصول حجم الاستثمارات الأجنبيَّة المباشرة إلى نحو (31) مليار ريال عُماني مدى الثقة التي يحظى بها الاقتصاد الوطني.
كما يعكس نجاح الجهود الحكوميَّة في بناء بيئة أعمال قادرة على استقطاب المستثمرين، وتوفير المُقوِّمات التي تضمن استمراريَّة مشاريعهم، وتعزيز مساهمتها في تحقيق مستهدفات التنمية الاقتصاديَّة الشاملة.
ويكتسب التحول الأخير أهميَّة أكبر في ظل الدور المتنامي الذي يؤدِّيه القطاع الصناعي في مَسيرة التنويع الاقتصادي، حيث أصبحت الصناعة إحدى الركائز الرئيسة التي تستند إليها السلطنة في بناء اقتصاد أكثر قدرة على النُّمو، وأكثر مرونة في مواجهة المتغيِّرات العالميَّة.
ويظهر ارتفاع مساهمة القطاع الصناعي في الاستثمارات من (6) بالمئة إلى (9.
5) بالمئة تنامي جاذبيَّة القطاع، ونجاح السياسات الرامية إلى توجيه الاستثمارات نحو الأنشطة الإنتاجيَّة ذات القيمة المضافة العالية.
كما تؤكد هذه المؤشِّرات أن الاستثمار الصناعي يمتدُّ أثَره إلى تطوير سلاسل التوريد المحليَّة، ورفع مستويات التوظيف، وتعزيز القدرات التصديريَّة، والاستفادة من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للسلطنة، وما توفِّره اتفاقيَّات التجارة الحُرَّة من فرص للوصول إلى أسواق إقليميَّة وعالميَّة واسعة، وهو ما يمنح الاقتصاد الوطني أدوات إضافيَّة لتعزيز تنافسيَّته وتنويع مصادر دخله.
إنَّ أهميَّة توطين المشاريع الاستراتيجيَّة تتجلى في قدرتها على خلق منظومات اقتصاديَّة متكاملة تتجاوز حدود المشروع الواحد.
ويُعَدُّ مشروع إنتاج مادَّة «البوليسيليكون» في المنطقة الحُرَّة بصحار نموذجًا واضحًا لهذا التوجُّه؛ لِمَا يُمثِّله من قيمة استراتيجيَّة ترتبط بأحَد أهمِّ القطاعات الصناعيَّة الحديثة المرتبطة بالطاقة المتجدِّدة والتقنيَّات المتقدمة.
وتظهر الأهميَّة الاقتصاديَّة للمشروع بصورة أكبر من خلال قدرته على استقطاب مشاريع مكملة ضمن سلاسل الإمداد الصناعيَّة، ومن بينها مشروع تصنيع الألواح الشمسيَّة في صحار، بما يعزز التكامل الصناعي ويرفع القيمة المضافة المتحققة داخل الاقتصاد الوطني.
كما تعكس التوقُّعات الخاصَّة بإسهام هذه المشاريع في رفد الميزان التجاري وعائدات التصدير بما لا يقلُّ عن مليار ريال عُماني سنويًّا حجم الأثر الاقتصادي الذي يمكن أن تحققَه الاستثمارات النوعيَّة عندما يتمُّ توجيهها نحو القطاعات القادرة على بناء صناعات جديدة، وخلق فرص نمو طويلة الأجل.
وتؤكد هذه النماذج أن الاستثمار الأكثر تأثيرًا هو ذلك القادر على توليد استثمارات أخرى من حوله، وتحفيز قيام صناعات مغذِّية، وخدمات مسانِدة، وشبكات توريد محليَّة تعزِّز الترابط بين مختلف القطاعات الاقتصاديَّة.
إنَّ استدامة نجاح توطين المشاريع الاستثماريَّة ترتبط بوجود بيئة مؤسَّسيَّة وتشريعيَّة قادرة على تعزيز ثقة المستثمرين، وتوفير مستويات عالية من الكفاءة والشفافيَّة والمرونة.
ومن هذا المنطلق، يأتي الدور الذي تؤدِّيه الجهات الحكوميَّة في معالجة التحدِّيات التي تواجه المشاريع الاستثماريَّة، وإعادة تفعيل المشاريع المتعثرة، وهو ما انعكس في إعادة تنشيط عدد من المشاريع الاستراتيجيَّة وعودتها إلى مسارها التنموي.
وفي الصدد ذاته، يُمثِّل إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة خطوة مهمَّة في تطوير البيئة الاستثماريَّة من خلال تسريع إجراءات التقاضي، وتوفير حماية قانونيَّة أكثر تخصصًا للمستثمرين.
كما أن استهداف (15) سوقًا دوليًّا وعقد اجتماعات مع (260) شركة عالميَّة يؤكد وجود رؤية واضحة تقوم على استقطاب الاستثمارات النوعيَّة ذات الأثر الاقتصادي المباشر.
وتؤكد تلك الجهود مجتمعة أن السلطنة تمضي في بناء نموذج استثماري يرتكز على جودة المشاريع وأثرها الاقتصادي، وقدرتها على دعم التنمية المستدامة، بما يعزِّز مكانتها كجهة جاذبة للاستثمارات النوعيَّة، ويجعل توطين المشاريع أحَد المحركات الرئيسة للنُّمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك