في موروثنا الثقافي والاجتماعي المصري، لطالما كانت الأسرة هي الحصن المنيع، وكان" الستر" وحفظ الخصوصية قيمة عليا لا تقبل التفاوض أو المساومة.
كانت البيوت توصف دائماً بأنها" أسرار"، جدرانها تحمي ما يدور بداخلها من أفراح وأحزان وتفاصيل يومية دقيقة.
ولكن، بقراءة سوسيولوجية متأملة لما تطفح به منصات التواصل الاجتماعي اليوم، نكتشف أننا أمام ظاهرة مفزعة تعصف بهذا الموروث من جذوره؛ ألا وهي ظاهرة" استباحة البيوت".
لقد تحولت جدران المنازل إلى شاشات عرض مفتوحة، وباتت غرف النوم، والمطابخ، وحتى الخلافات الزوجية، مادة مشاعاً ومستباحة لملايين الغرباء.
لم يعد غريباً أن نرى أسرة كاملة تفتعل شجاراً، أو زوجة تستعرض تفاصيل يومها الخاص جداً، أو أباً يستغل براءة أبنائه في مواقف مصطنعة مهينة.
الهدف من كل هذا العبث واحد: اللهاث المحموم خلف" التريند" وحصد الأرباح السريعة.
هذا التحول الخطير ينقلنا قسراً من مجتمع يحترم خصوصيته ويقدسها، إلى" مجتمع الاستعراض"، حيث أصبح كل شيء قابلاً للبيع والشراء، حتى كرامة الإنسان وحرمة بيته.
الخطورة الحقيقية هنا لا تقتصر على الابتذال العام أو الإزعاج البصري، بل تمتد لتضرب التنشئة النفسية للأجيال الجديدة في مقتل.
فالأطفال الذين يتربون تحت حصار كاميرات البث المباشر، وتُنتهك خصوصيتهم يومياً لتحقيق أرباح لآبائهم، ينشأون في بيئة اجتماعية مشوهة بالكامل.
إنهم يفقدون الإحساس الفطري بالحدود الفاصلة بين ما هو" عام" يحق للناس رؤيته، وما هو" خاص" يجب حمايته.
ويصبح مقياس القبول والنجاح لديهم مرتبطاً بعدد الإعجابات وتعليقات المجهولين، مما يعرضهم لتشوهات نفسية قاسية، وحالة من الهشاشة لا يمكن تداركها لاحقاً.
إن ما نراه اليوم ليس مجرد ممارسة للحرية الشخصية كما يروج البعض، بل هو انحدار قيمي يهدد تماسك الطبقة الوسطى التي كانت دائماً حارسة لقيم المجتمع ورمانة ميزانه.
لقد تحولت الأسرة لدى البعض من" سكن ومودة" إلى" مشروع تجاري" رخيص، تُدفع فيه فاتورة باهظة من رصيد الكرامة الإنسانية.
لا يوجد أي مبرر اقتصادي أو ضيق معيشي يبرر التنازل عن" الستر" وعرض الحياة الخاصة في مزاد علني.
نحن بحاجة ماسة إلى وقفة مجتمعية جادة، وإلى يقظة حقيقية تدرك أن المكاسب المادية التي تأتي على حساب كرامة الأسرة وخصوصية الأبناء، هي في حقيقتها إفلاس أخلاقي تام، وانهيار لأهم حصون مجتمعنا.
فلنحافظ على أبوابنا مغلقة، ولنسترد قيمة الستر قبل أن نتحول جميعاً إلى مجرد مشاهد رخيصة في سيرك استعراضي كبير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك