أكدت وزارة الداخلية السورية أن ملف محاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات المرتكبة خلال عهد النظام السابق يُعدّ أولوية للدولة السورية الجديدة، مشددة على أن تحقيق العدالة سيتم عبر المؤسسات القضائية والقانونية المختصة بعيداً عن منطق الانتقام أو الأحكام المسبقة.
وجاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، تناول فيه أعمال إدارة مكافحة الإرهاب في ملاحقة فلول النظام السابق والمتورطين في الجرائم والانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
وقال البابا إن العديد من المناطق السورية شهدت خلال الفترة الأخيرة وقفات واعتصامات ومطالبات شعبية تدعو إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات المرتكبة خلال العهد السابق، معتبراً أن هذه المطالب تعبّر عن حق مشروع للضحايا وذويهم ورغبة طبيعية لدى المجتمع في رؤية العدالة تتحقق.
وأضاف أن المحاسبة ليست مجرد مطلب شعبي، بل التزام رسمي للدولة السورية الجديدة، وركن أساسي في مشروع بناء دولة القانون والمؤسسات، مؤكداً أن العدالة لا تُبنى على الانفعال أو الثأر، وإنما على الأدلة والإجراءات القانونية السليمة والأحكام القضائية الصادرة عن الجهات المختصة.
وشدد المتحدث باسم الداخلية على أن مسؤولية تنفيذ المحاسبة تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها القضائية والأمنية، موضحاً أن واجب السلطات لا يقتصر على ملاحقة المجرمين فحسب، بل يشمل أيضاً ضمان أن تتم تلك الملاحقات وفق الأطر القانونية التي تحفظ الحقوق وتحدد المسؤوليات الفردية وتمنع تكرار المظالم التي عانى منها السوريون في الماضي.
وأكد البابا أن الدولة السورية لم تتهاون منذ التحرير في ملاحقة المتورطين بالجرائم والانتهاكات، وأن ملف المحاسبة لم يكن يوماً ملفاً مؤجلاً أو ثانوياً، مشيراً إلى استمرار عمل الأجهزة المختصة في تعقب المطلوبين وجمع الأدلة واستكمال التحقيقات.
وفي أبرز ما أُعلن خلال المؤتمر، كشف المتحدث باسم وزارة الداخلية للمرة الأولى عن تفكيك خلية أمنية مرتبطة بأجهزة النظام السابق، وذلك بعد عمليات رصد ومتابعة وتحقيق استمرت لفترة طويلة.
وأوضح أن التحقيقات أظهرت أن أفراد الخلية عملوا كأذرع أمنية لصالح أجهزة النظام السابق داخل المناطق المحررة، حيث تورطوا في عمليات رصد وجمع معلومات وتحديد إحداثيات، إضافة إلى التنسيق لعمليات تفجير استهدفت مناطق مدنية في إدلب وجسر الشغور.
وأضاف أن التحقيقات بينت تورط المدعو فادي معروف الملقب بـ" أبو جهل" والمدعو عيسى غنام في نقل وتسليم إحداثيات معسكر جبل الدويلة بمدينة كفرتخاريم إلى العميد عبد الرحمن نجم، الذي كان يشغل منصب رئيس ما يُعرف بفرع أمن الدولة، الأمر الذي أسهم، بحسب التحقيقات، في تنفيذ استهداف مباشر للمعسكر أدى إلى سقوط أكثر من مئة شخص ومصاب.
كما أعلن البابا عن تنفيذ عملية أمنية أخرى أسفرت عن إلقاء القبض على اللواء أحمد حجازي حجازي، الذي كان يرأس ما يسمى سابقاً فرع أمن المعلومات التابع لفرع أمن الدولة المنحل.
وفي سياق متصل، كشف المتحدث باسم الداخلية عن تطورات جديدة في ملف الأطباء العاملين في المستشفيات العسكرية التابعة للنظام السابق، موضحاً أن الجهات المختصة تمكنت من إلقاء القبض على 12 ضابطاً متورطاً، بينهم لواء واحد وستة عمداء وعقيدان ومقدمان ونقيب، فيما لا تزال عمليات الملاحقة والتحقيق مستمرة بحق بقية المطلوبين.
وأكد البابا أن الدولة السورية الجديدة لن تسمح بالإفلات من العقاب، قائلاً: " لا حصانة لمجرم ولا حماية لمتورط"، لكنه شدد في الوقت ذاته على رفض تحويل المطالبة بالمحاسبة إلى ممارسات انتقامية أو اتهامات جماعية لا تستند إلى أدلة قانونية.
وأشار إلى أن مشروع العدالة الانتقالية يمثل مساراً وطنياً متكاملاً يقوم على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وإنصاف الضحايا وحفظ الذاكرة الوطنية وجبر الضرر وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
واعتبر أن حماية الاستقرار المجتمعي لا تتعارض مع المحاسبة، بل تُعدّ أحد الشروط الأساسية لنجاحها، مؤكداً أن تجارب الدول أثبتت أن المجتمعات تتعافى عبر العدالة وسيادة القانون، لا عبر الثأر أو ردود الفعل الانفعالية.
وفي ختام المؤتمر، جدد البابا التأكيد على أن حقوق الضحايا ودماء الشهداء تمثل أمانة في أعناق مؤسسات الدولة، وأن مسار المحاسبة مستمر ولن يتوقف، لكنه سيبقى قائماً على الأدلة والوقائع والأحكام القضائية، وصولاً إلى بناء سوريا جديدة تقوم على مؤسسات قوية وقضاء مستقل ومحاسبة عادلة لا تستثني أحداً ولا تظلم أحداً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك