داخل الأحزاب والإيديولوجيات والتنظيمات الجماهيرية، فإن المشهد الراهن يكشف عن تحول أعمق في طبيعة العلاقة بين الشباب والسياسة، ولا يقتصر الامر على أدوات التعبئة بل يمسّ منطق الانخراط نفسه: فالأجيال الجديدة لا تبدو أقل حساسية تجاه الظلم أو أقل استعدادا للاحتجاج، لكنها أقل قابلية للاندماج داخل الأطر السياسية التقليدية، وأكثر ميلا إلى أشكال انية و مرنة ومباشرة من الفعل الجماعي.
ويمتد هذا التحول عبر سياقات جغرافية مختلفة، من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا، ومن الجامعات الغربية إلى عدد من المجتمعات العربية، حيث يتكرر نمط احتجاجي متقارب: حركات واسعة و حضور كثيف في الفضاء الرقمي وقدرة عالية على التعبئة السريعة، يقابله تراجع في الثقة تجاه الأحزاب والنقابات والمنظمات الوسيطة، وتراجع موازٍ في جاذبية الإيديولوجيات الشاملة لصالح مطالب محددة ومباشرة تمس الحياة اليومية، مثل البطالة وغلاء المعيشة والسكن والهجرة والكرامة الفردية، فهل نحن إزاء عزوف عن السياسة أم إعادة تشكيل لطبيعتها وأدواتها؟غير أن هذا السؤال لا يكتسب معناه الكامل إلا إذا وُضع داخل سياقه العرب، فضعف الانخراط الحزبي أو النقابي او الجمعياتيلا يمكن رده إلى سبب واحد، بل إلى تداخل مسارين متوازيين: مسار سياسي يتمثل في إرث طويل من الاستبداد وتضييق المجال العام وإضعاف المؤسسات الوسيطة، بما حدّ من إمكانات التنظيم والمشاركة، ومسار آخر اجتماعي-ثقافي يتمثل في تراجع جاذبية الأطر السياسية والإيديولوجية التقليدية نفسها، التي باتت عاجزة في نظر قطاعات واسعة من الشباب عن قراءة التحولات الجديدة أو التعبير عن مطالبها المباشرة.
ومن هنا تتضح المفارقة الأساسية: فالأزمة الراهنة لا تتعلق بغياب السياسة، بل بضعف وسائطها التقليدية وعجزها عن تحويل التحولات الاجتماعية إلى تمثيل سياسي فعّال.
وهكذا لم يعد الأمر مجرد تراجع في الانخراط السياسي، بل إعادة مساءلة جذرية لشرعية الوساطة السياسية نفسها، بما عمّق الفجوة بين الأفراد والمؤسسات، وبين المواطنين والنخب التي تحاول الحديث باسمهم، حتى غدا الشكّ هو الأصل، والثقةُ استثناء نادرا وعابرا.
وفي هذا السياق برز نمط جديد من الفعل الجماعي يعتمد على الشبكات الاجتماعية أكثر من اعتماده على التنظيمات المستقرة، وهو نمط يتسم بالسرعة والمرونة والقدرة على التعبئة الفورية، لكنه يعاني في المقابل من هشاشة بنيوية.
فهو قادر على إطلاق الاحتجاج وإثارة النقاش العام، لكنه أقل قدرة على تحويل تلك الطاقة إلى مشروع سياسي مستدام أو إلى مؤسسات قادرة على فرض التغيير.
ولذلك شهد العالم خلال العقدين الأخيرين موجات احتجاجية واسعة تركت أثرا رمزيا مهمّا، لكنها عجزت في كثير من الحالات عن إحداث تحولات عميقة في بنية السلطة أو في موازين القوى الاجتماعية.
وهنا تظهر حدود" الرؤية السياسية الجديدة" كما تتجلى لدى جزء من جيل" زاد"، مثلا.
فالمطلب الآني، مهما كانت مشروعيته، لا يكفي لبناء بديل، والرفض، مهما كانت وجاهته، لا يغني عن رؤية دقيقة وشاملة، كما أن الحشد الرقمي، رغم قوته الرمزية، لا يعوض التنظيم القادر على الاستمرار والتفاوض وصناعة القرار.
لذلك تبدو كثير من التحركات قوية في لحظة اندلاعها، لكنها سرعان ما تفقد زخمها لأنها تفتقر إلى أدوات تحويل الغضب إلى مشروع تاريخي.
ولا يمكن فهم هذا التحول بعيدا عن السياق الثقافي للعصر الرقمي: فقد نشأ جيل" زاد" في بيئة تعلي من الفرد وتمنحه قدرة غير مسبوقة على التعبير عن الذات، بما عزز الوعي بالحقوق الفردية ورفض الوصاية التقليدية، لكنه في الوقت نفسه أضعف الإحساس بالانتماء إلى مشاريع جماعية تتطلب صبرا وتراكما وزمناأطول.
فالثقافة الرقمية هي ثقافة اللحظة: تكافئ السرعة أكثر من التراكم، وتمنح القيمة لما هو فوري ومرئي أكثر من ما هو بطيء وعميق.
أما السياسة، في جوهرها، فهي فن الزمن الطويل: بناء المؤسسات، تراكم الثقة، إدارة التناقضات، وصناعة التوافقات، ومن هنا يتشكل التوتر بين منطق الشبكات الاجتماعية ومنطق الفعل السياسي.
ولعل هذه المفارقة تفسر سمة مركزية في الحاضر: قدرة غير مسبوقة على الاحتجاج والتعبير عن الغضب، مقابل صعوبة متزايدة في تحويل هذا الغضب إلى مشروع جماعي مستدام، وليس السبب نقصا في الوعي، بل لأن البنية الثقافية نفسها تدفع نحو الفردي والعاجل، بينما يحتاج الفعل السياسي إلى الجماعي والتراكمي.
لكن من الخطأ استنتاج أن السياسة تتجه نحو الاختفاء.
فالمجتمعات لا تستطيع إدارة تناقضاتها خارج المجال السياسي، بل إن القضايا التي تشغل الشباب اليوم، من البطالة والفقر والتفاوت الاجتماعي وغلاء المعيشة، هي في جوهرها قضايا سياسية قبل أن تكون اقتصادية أو تقنية، فأسئلة العدالة وأولويات الدولة وبنية السلطة تظل أسئلة سياسية مهما حاولت أن تتخفى في خطاب تقني.
لذلك يبدو الأرجح أن المستقبل لن يشهد نهاية السياسة، بل إعادة تشكيلها، فالأحزاب ستتغير، والمنظمات ستتطور، والإيديولوجيات ستصبح أقل صلابة وأكثر انفتاحا، لكن الحاجة إلى أطر جماعية تنظم المصالح وتمنح الفعل الاجتماعي استمراريته ستظل قائمة:فالتاريخ لا يقرّ بوجود مجتمعات بلا سياسة، بل يرصد فقط تحوّلات في أشكال ممارستها،ومن ثم فإن التحدي الحقيقي، في اعتقادي، لا يكمن في استعادة نماذج الماضي، بل في ابتكار صيغ جديدة تجمع بين حيوية الأجيال الجديدة وضرورات التنظيم والمؤسسة.
فالتغيير لا يصنعه الغضب وحده، ولا تكفيه التعبئة اللحظية، بل يحتاج إلى رؤية وأدوات وفاعلين قادرين على تحويل المطالب المتفرقة إلى مشروع قابل للاستمرار.
لذلك، لا تبدو أزمة عصرنا مرتبطة بأفول السياسة بقدر ما ترتبط باتساع الفجوة بين مجتمع يعيش زمن اللحظة وسياسة لا تُنتج أثرها إلا في الزمن الطويل.
ومن هنا تبرز حاجة ملحّة إلى إعادة وصل الفعل السياسي بإيقاع التحولات الاجتماعية السريعة، حتى لا يبقى الاحتجاج مجرد صدى عابر.
كما يقتضي ذلك إدراكا أعمق لدى الأجيال الجديدة بأن القضايا اليومية التي تحركها ليست مسائل فردية معزولة، بل قضايا ذات طبيعة جماعية لا يمكن معالجتها إلا عبر الفعل المنظم والمؤسساتي، ويستدعي ذلك أيضا ضرورة انفصال السياسة عن الإيديولوجيا المنغلقة والمنفرة، بما يسمح بإعادة فتح المجال السياسي أمام أشكال أوسع من التفكير والتعبير والمشاركة، بدل حصره داخل قوالب جاهزة تحدّ من قدرته على التكيّف مع تحولات المجتمع والزمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك