بينهما دون أن ينهي الصراع على النفوذ في المنطقة، فما تكشفه جولات المفاوضات الأخيرة أن أفضل ما قد تصل إليه مدرستان تفاوضيتان هو وضع قواعد مشتركة تسمح لهما بالتعايش في المنطقة التي يعاد اليوم تشكيلها.
إذ إن هذه المفاوضات، التي يمكن اختزالها مجازًا في صورة الشخصيتين الأكثر حضورًا فيها، دونالد ترامب وعباس عراقجي، شخصيتان رسمت هويتهما السياسية من خلال إدارة الصفقات، ألّف بشأنها كلاهما كتابًا: ترامب «فن الصفقة» وعراقجي «قوة التفاوض»، وكانا العنوان الإعلامي لهذه المفاوضات بالتصريحات والمناورات وتحركات الكواليس، للوصول إلى اتفاق يعيد هندسة المشهد الإقليمي بأكمله.
اتفاق من المبكر القول بنجاحه أو فشله في إعادة تعريف موقع الخصمين في المنطقة التي عاشت لأكثر من أربعة عقود على اعتقاد بأن الصراع بين طهران وواشنطن صراع أيديولوجي لا يُحسم إلا بحرب، قبل أن تغامر إدارة ترامب في فيفري الفارط بشنها دون أن تمتلك القدرة على الحسم، مما قادها في النهاية إلى البحث عن مخرج سياسي، نظرًا لارتفاع كلفة الحرب.
حرب أرادها ترامب أن تمنحه أفضلية قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات لانتزاع تنازلات من قادة إيران الجدد، الذين فاوضهم ترامب بعقلية رجل الأعمال؛ يرفع سقف المطالب إلى أقصى حد، ويضغط على الخصم قبل أن يقدم له اتفاقًا نهائيًا، كما شرح في كتابه وكما كشفت تفاصيل المفاوضات خلال الأسابيع العشرة الأخيرة.
تهديدات بعقوبات، وتلويح بالاستيلاء على نفط إيران واحتلال جزرها، ومبالغة في وصف القوة العسكرية الأمريكية، كلها أدوات وظفت من قبل ترامب لانتزاع صفقة مربحة، يستطيع تقديمها للداخل الأمريكي باعتبارها نجاحًا شخصيًا يؤكد صحة حربه وسياساته في المنطقة.
لكن تاجر العقارات الأمريكي اصطدم بما يجهله، وهي الثقافة التفاوضية المتجذرة في التاريخ والهوية الإيرانية، ليكون وفده المفاوض في مواجهة وفد سياسي استبطن السمات الثقافية المرتبطة بتقاليد «البازاريان»، أبرز وجوهه وزير الخارجية عباس عراقجي الذي كشفت تصريحاته عن فلسفة إيران في إدارة المفاوضات، والتي تقوم على الصبر الاستراتيجي، وعلى اعتبار الوقت أداة تفاوضية لا قيدًا، وعلى تجزئة المفاوضات إلى ملفات ومراحل، والغموض.
هذه هي المدرسة التفاوضية الإيرانية التي مثلها عراقجي، الذي كان يدرك، إدراك نظامه، أن العقبة الحقيقية في المفاوضات لم تكن الملف النووي، لا نسب التخصيب ولا مدة تعليقه ولا مصير اليورانيوم المخصب، بل من يرسم التوازن والمشهد الإقليمي الجديد الذي سينزل من خلال الاتفاق بين طهران وواشنطن، اتفاق لا يعتقد عاقل بأنه ينهي صراع النفوذ بقدر ما ينظمه ويرسم قواعده، وأبرز ما فيه الانتقال من المواجهة والحسم العسكري إلى الإدارة السياسية للملفات.
فمنذ منتصف ماي الفارط تراكمت المؤشرات التي تدل على أن الطرفين انتقلا من الواجهة العسكرية إلى إدارة المفاوضات، بهدف الوصول إلى صيغة تعايش جديدة، تضع أمن الخليج وحرية الملاحة ومستقبل العقوبات والنفوذ الإقليمي على الطاولة للنقاش من أجل الوصول إلى رسم التوازن الجديد في المنطقة، وهذا ما تدركه دولة الاحتلال التي نشرت وسائل إعلامها قراءات وتصريحات مسربة تكشف أن مضمون الصفقة الأمريكية الإيرانية يضر بمصالح الاحتلال.
والقصد هنا ليس فقط إدماج إيران في المشهد الإقليمي وإدارة التعايش بينها وبين دول مجلس التعاون الخليجي، بل كبح الطموح الاستعماري لدولة الاحتلال ودفعها إلى الانسحاب من عدة جبهات تقدمت فيها منذ 2023، وبالأساس لبنان التي تكتسي أهمية استثنائية في المعادلة الجديدة وأهم مؤشر على النفوذ في المنطقة.
فإيران التي تدرك أن الحفاظ على موقعها الإقليمي وحماية ما حققته من خلال الحرب والتفاوض يمر لزامًا بحماية شبكة حلفائها، وأن فصل الجبهات يعني عزلها، ولهذا فهي متمسكة بأن يكون اتفاق إنهاء الحرب شاملًا لكل الجبهات، وهذا تلقفته واشنطن التي استنتجت أن استقرار المنطقة يتطلب تهدئة ساحات الاشتباك بين الاحتلال وطهران، وأبرز عناوينها لبنان، لكن وفق مقاربة الاحتواء عوضًا عن المواجهة.
وهذا ما أكدته جولات التصعيد العسكري التي سبقت آخر مراحل المفاوضات ورسمت حدودها وأطرها، وهي منطقة وسطى بين التعايش والصراع، تدار فيها التوازنات بدقة شديدة، من قبل الإدارة الأمريكية التي أدركت أن الرياح باتت تتجه شرقًا، وأن أدواتها التقليدية، من قوة عسكرية وعقوبات اقتصادية، لم تعد كسابق عهدها قادرة على إخضاع الخصوم ولا على ضمان الهيمنة المطلقة لواشنطن، التي وجدت اليوم في تبادل المصالح والمنافع مع إيران مخرجًا لها من حرب لن تنتصر فيها.
تبادل المصالح وحمايتها هو النهج الذي اختارته إدارة ترامب لإنهاء حالة التوتر واللااستقرار في المنطقة، في إطار توازن سيظل مصيره معلقًا بمصير بقية الملفات في المنطقة: لبنان، غزة، أمن الخليج، وقواعد الاشتباك الجديدة بين إيران ودولة الاحتلال.
مصير لم يتضح بعد، لكن أيًا كان، فمن المؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، سمتها الأبرز انهيار موازين العالم القديم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك