شباب السديرة.
أحلام غرقت قبل الوصولكان يوماً حالك السواد طويل الساعات، تتنزل فيه الأخبار على أهل السديرة كالصواعق فتزلزل القلوب وتخطف الأنفاس.
أخبار تتوالى بعضها يُصدَّق وبعضها يُكذَّب رجاءً وأملًا ليس لأن الناس يشكون في وقوعها بل لأن هولها أكبر من أن يحتمل.
ساد الذهول كل بيت وكل شارع وانتظر الجميع من ينفي ما يتردد همساً بين الناس لكن الحقيقة كانت تتقدم بخطواتها الثقيلة.
وكانت الأخبار تأتي متفرقة وكأنها تراعي عجز القلوب عن احتمالها دفعة واحدة.
وما أشدها من أخبار وما أقساها من مصيبة حين تسللت إلى كل منزل في السديرة وإلى كل ابن من أبنائها في الداخل والخارج، حتى بدا وكأن الحياة قد توقفت وتوقفت معها نبضات القلوب من هول الفاجعة.
شيئاً فشيئاً واجه الناس الحقيقة الموجعة وحاولوا أن يلملموا ما تبعثر من أرواحهم وقلوبهم.
فقد غرقت في عرض البحر المتوسط تلك المركب التي حملت فلذات أكباد السديرة وغاصت معها أحلام شباب لم يعرفوا من الحياة إلا الإحساس المبكر بالمسؤولية، ولم يجدوا سبيلاً إلى الوفاء بها إلا بمواجهة الصعاب واقتحام المجهول.
إنها الحرب اللعينة التي أغلقت في وجوههم أبواب الرزق والأمل، فلم يبق لهم في نظرهم سوى باب الهجرة نحو أرض الأحلام.
كانوا يعلمون أن الطريق محفوف بالمخاطر وأن البحر قد يبتلع أحلامهم قبل أن يبلغوا شواطئ النجاة، لكن ضيق الواقع وقسوة الظروف دفعاهم إلى ركوب أمواج متلاطمة دون أدنى مقومات السلامة بحثاً عن حياة كريمة افتقدوها في وطن مزقته الحرب وأثخنته الجراح.
ثم جاءت الأنباء الحزينة تباعاً وكل ساعة تحمل اسماً جديدا يضاف إلى قائمة الراحلين، فتتجدد الأحزان وتتفطر القلوب.
وما إن تجف الدموع على فقيد حتى تعود لتنهمر على آخر حتى اكتست السديرة كلها بالسواد وغرقت في بحر من الحزن لا شاطئ له.
وفي مثل هذه المآسي يعجز اللسان عن السؤال من يعزي من؟ فالمصاب واحد والوجع واحد والدمع واحد.
لقد فقدت السديرة نخبة من خيرة أبنائها، شباباً كانوا يحملون أحلامهم وأحلام أسرهم على أكتافهم، فاختطفهم البحر قبل أن يبلغوا غاياتهم.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبلهم في واسع رحمته، وأن يجعلهم من أهل الجنة، وأن يلهم آباءهم وأمهاتهم وأسرهم الصبر والسلوان وحسن العزاء، وأن يربط على قلوب أهل السديرة جميعاً في هذا المصاب الجلل.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك