وكالة سبوتنيك - إيران تعلن إنهاء فوري للحرب والعمليات العسكرية على مختلف الجبهات بما في ذلك لبنان الجزيرة نت - الحمقى الخارقون.. كيف صنعت الدراما الكورية أبطالا من الهامش؟ CNN بالعربية - ترامب يعلن توقيع اتفاق مع إيران ورفع الحصار البحري فورًا القدس العربي - تريزيغيه: هدفنا إسعاد الجماهير المصرية والفوز في كل مبارياتنا بكأس العالم رويترز العربية - رئيس وزراء باكستان: أمريكا وإيران توصلتا لاتفاق سلام العربية نت - اليابان تفرض التعادل على هولندا قناة التليفزيون العربي - فتح مضيق هرمز وترمب يطلب من سفن العالم تشغيل المحركات وجعل النفط يتدفق مجددا قناة القاهرة الإخبارية - ترامب غاضب من نتنياهو بعد قصف الضاحية الجنوبية لبيروت قناة الجزيرة مباشر - ترمب يعلن نجاح الاتفاق مع إيران رسمياً ويدعو لتدفق النفط وحرية الملاحة وكالة سبوتنيك - قائمة هدافي كأس العالم 2026
عامة

الاستقطاب والانقسام والإقصاء: بين أخطاء الماضي ومخاطر المستقبل – صحيفة التغيير السودانية , اخبار السودان

التغيير
التغيير منذ 1 ساعة

الاستقطاب والانقسام والإقصاء: بين أخطاء الماضي ومخاطر المستقبلكثيراً ما تناولت في مقالاتي السابقة قضية الاستقطاب والانقسام والإقصاء السياسي، باعتبارها من أخطر الظواهر التي واجهت الدولة السودانية وأس...

الاستقطاب والانقسام والإقصاء: بين أخطاء الماضي ومخاطر المستقبلكثيراً ما تناولت في مقالاتي السابقة قضية الاستقطاب والانقسام والإقصاء السياسي، باعتبارها من أخطر الظواهر التي واجهت الدولة السودانية وأسهمت في إضعاف مؤسساتها وتعميق أزماتها المتراكمة.

غير أن أحد الأصدقاء الأعزاء لفت انتباهي ذات يوم إلى ملاحظة تستحق التأمل، إذ قال لي: “أراك تكرر الحديث عن الإقصاء والتحذير منه في كل مناسبة، حتى ليبدو وكأنك تدعو إلى التصالح مع نظام الإنقاذ الذي ثار عليه الشعب وأسقطه”.

وقد وجدت في هذه الملاحظة فرصة مهمة لتوضيح فكرة كثيراً ما يساء فهمها في خضم الاستقطاب السياسي الحاد الذي تعيشه بلادنا.

فالتحذير من الإقصاء لا يعني تبرئة أخطاء الماضي، كما لا يعني الدعوة إلى تجاهل الانتهاكات أو إسقاط مبدأ المحاسبة والمسؤولية.

كذلك فإن الدعوة إلى بناء وطن يتسع للجميع ليست مرادفاً للتسامح مع الفساد أو الاستبداد أو مصادرة حقوق الشعوب.

إن الفرق كبير بين العدالة والانتقام، وبين المحاسبة والإقصاء، وبين حماية الدولة وإدارة الصراع السياسي بمنطق الغلبة.

فالعدالة ضرورة لبناء المستقبل، أما الإقصاء فقد أثبتت تجارب الشعوب أنه كثيراً ما يؤدي إلى إنتاج الأزمات ذاتها بأسماء وشعارات جديدة.

ومن هذا المنطلق يأتي هذا المقال، ليس دفاعاً عن نظام سياسي أو هجوماً على آخر، وإنما محاولة لفهم ظاهرة الاستقطاب والانقسام بوصفها واحدة من أخطر التحديات التي تواجه السودان اليوم.

كما يسعى إلى استعراض تجارب دول أخرى واجهت انقسامات عميقة واستطاعت بدرجات متفاوتة أن تتجاوزها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تفيد في بناء مشروع وطني سوداني قادر على إخراج البلاد من دوائر الصراع المتكرر إلى آفاق الاستقرار والتنمية والشراكة الوطنية.

فالحديث عن الاستقطاب ليس انشغالاً بالماضي بقدر ما هو انشغال بالمستقبل؛ لأن الأمم لا تسقط فقط بسبب أخطاء حكامها، وإنما قد تسقط أيضاً حين تعجز نخبها وقواها الاجتماعية عن إدارة اختلافاتها ضمن إطار وطني جامع يحفظ الدولة ويصون المجتمع ويمنع الخلاف السياسي من التحول إلى انقسام يهدد وجود الوطن نفسه.

أولاً: ما الفرق بين الاختلاف والاستقطاب؟كل المجتمعات تعرف الاختلاف.

في الدول الديمقراطية الكبرى تختلف الأحزاب حول الاقتصاد والسياسة الخارجية والضرائب والهجرة والتعليم، لكن هذا الاختلاف يتم داخل إطار وطني مشترك يحافظ على وحدة الدولة.

أما الاستقطاب فينشأ عندما يفقد الخصوم السياسيون القدرة على الاعتراف بشرعية بعضهم البعض.

عند هذه النقطة لا يعود الخلاف حول السياسات، بل يتحول إلى صراع حول الوجود نفسه.

ليس: “من يملك البرنامج الأفضل؟ ”بل: “من يستحق البقاء ومن يجب إقصاؤه؟ ”وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.

ثانياً: كيف تشكل الاستقطاب في السودان؟لم يبدأ الاستقطاب السوداني مع ثورة ديسمبر، ولا مع الإنقاذ، ولا حتى مع الديمقراطية الثالثة.

بل يمكن القول إنه رافق الدولة السودانية منذ الاستقلال.

فمنذ الخمسينيات تشكلت الحياة السياسية حول ثنائيات متصارعة:ومع مرور الوقت لم تنجح النخب السياسية في تحويل هذه التباينات إلى تنوع منظم داخل مشروع وطني جامع، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى محاور صراع متبادل.

وكانت النتيجة أن كل مرحلة سياسية تقريباً انتهت بمحاولة إقصاء الطرف الآخر بدلاً من التعايش معه.

ثالثاً: الإنقاذ والاستقطابلا يختلف اثنان في ان الإنقاذ أسهمت بصورة كبيرة في تعميق الاستقطاب.

فسياسات التمكين والاستبعاد السياسي وإضعاف التعددية خلقت شعوراً واسعاً بالتهميش لدى قطاعات كبيرة من المجتمع.

لكن من الخطأ الاعتقاد بأن معالجة تلك الممارسات يمكن أن تتم عبر إعادة إنتاج المنهج نفسه بصورة معكوسة.

فالتاريخ يعلمنا أن الإقصاء لا يُعالج بالإقصاء.

وأن المظلومية السياسية إذا تحولت إلى مشروع انتقام سياسي فإنها تنتج دورة جديدة من الصراع.

ولهذا فإن الحديث عن رفض الإقصاء لا يعني تبرئة ممارسات الماضي، بل يعني رفض تكرارها مهما كان الطرف الذي يمارسها.

رابعاً: لماذا يتكرر الحديث عن الإقصاء؟لأن التجارب العالمية أثبتت أن الإقصاء الشامل يؤدي غالباً إلى ثلاثة نتائج كلها او بعضها: -النتيجة الأولى: عودة الصراع؛عندما تشعر مجموعات كبيرة بأنها مستهدفة أو محرومة من المشاركة فإنها تميل إلى مقاومة النظام الجديد بدلاً من الاندماج فيه.

النتيجة الثانية: ضعف المؤسسات؛حين تصبح مؤسسات الدولة أدوات للصراع السياسي تفقد حيادها وقدرتها على خدمة الجميع.

النتيجة الثالثة: نمو العنفكلما أغلقت الأبواب السياسية ارتفعت احتمالات اللجوء إلى الوسائل غير السلمية.

ولهذا فإن التحذير من الإقصاء ليس دفاعاً عن طرف بعينه، وإنما دفاع عن استقرار الدولة نفسها.

خامساً: ماذا تعلمنا تجارب الدول؟بعد سقوط نظام الفصل العنصري كان بإمكان الأغلبية السوداء أن تتجه نحو الانتقام السياسي.

لكن قيادة الزعيم نيلسون مانديلا اختارت مسار المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.

فتمت محاسبة الانتهاكات دون تحويل الدولة إلى ساحة انتقام جماعي.

وبفضل ذلك تجنبت البلاد حرباً أهلية كانت تبدو شبه حتمية.

بعد الإبادة الجماعية عام 1994 كان المجتمع الرواندي منقسماً بصورة أعمق بكثير مما هو عليه السودان اليوم.

لكن الدولة ركزت على بناء هوية وطنية جامعة ومنعت إعادة إنتاج الانقسامات الإثنية في المجال السياسي.

ورغم وجود تحديات عديدة، فإن البلاد استطاعت الانتقال من حالة الانهيار إلى الاستقرار النسبي.

بعد نهاية حكم فرانكو لم تدخل البلاد في دورة انتقام واسعة.

بل اتجهت إلى “التوافق الانتقالي” الذي سمح ببناء نظام ديمقراطي جديد دون تفجير صراعات الماضي.

شهدت المملكة إصلاحات سياسية تدريجية ومبادرات للعدالة الانتقالية عبر معالجة انتهاكات الماضي مع الحفاظ على استقرار الدولة ومؤسساتها.

سادساً: ما الذي يجعل الحالة السودانية أكثر خطورة؟الأزمات الاقتصادية المتراكمة.

التدخلات الإقليمية والدولية.

انتشار خطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وعندما تجتمع هذه العوامل مع الاستقطاب السياسي يصبح خطر التفكك أكبر بكثير.

سابعاً: كيف نخرج من دائرة الاستقطاب؟لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا كان كل طرف ينكر حق الآخر في الوجود السياسي.

2/ التمييز بين المحاسبة والإقصاء؛من ارتكب جرائم أو فساداً أو انتهاكات يجب أن يخضع للقانون.

لكن المسؤولية الجنائية فردية وليست جماعية.

الدولة لا تُبنى على هوية فئوية أو حزبية أو جهوية.

بل على مفهوم المواطنة المتساوية.

4/ إصلاح المؤسسات؛ المؤسسات الوطنية يجب أن تكون فوق الاستقطاب.

فهي الضامن لاستمرار الدولة مهما تغيرت الحكومات.

فلا توجد دولة خرجت من انقسام عميق إلا بالحوار والتسويات التاريخية.

ثامناً: الدرس السوداني الكبيرأهم ما تكشفه التجربة السودانية هو أن الصراع بين القوى السياسية لم يعد مجرد تنافس على السلطة، بل تحول في كثير من الأحيان إلى صراع على تعريف الوطن نفسه.

وهذا هو أخطر أنواع الاستقطاب.

فالخلاف حول الحكومة يمكن حله بالانتخابات.

والخلاف حول السياسات يمكن حله بالحوار.

أما الخلاف حول من يملك حق الانتماء للوطن فهو الطريق الأقصر إلى التفكك والحروب.

إن الحديث المتكرر عن الاستقطاب والانقسام والإقصاء ليس دفاعاً عن الإنقاذ ولا عن أي تجربة سياسية أخرى، كما أنه ليس دعوة إلى نسيان الأخطاء أو تجاوز المظالم دون مساءلة.

وإنما هو دعوة إلى التعلم من التاريخ.

فالسودان دفع ثمناً باهظاً لكل أشكال الاستبعاد السياسي، سواء جاءت من سلطة حاكمة أو من معارضة منتصرة أو من جماعة تعتقد أنها وحدها تمثل الوطن.

والحقيقة التي تؤكدها تجارب الأمم هي أن الدول لا تستقر حين ينتصر فريق ويُقصى الآخر، وإنما تستقر حين يقتنع الجميع بأن الوطن أكبر من الأحزاب، وأبقى من الحكومات، وأوسع من الأيديولوجيات.

ولهذا فإن معركة السودان الحقيقية اليوم ليست معركة من يحكم، بل معركة كيف نبني دولة يستطيع الجميع العيش فيها دون خوف، والمشاركة فيها دون إقصاء، والاختلاف داخلها دون أن يتحول الاختلاف إلى انقسام يهدد وجودها ومستقبل أجيالها القادمة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك