عمان – تكتسب السدود في الأردن أهمية تتجاوز بكثير دورها التقليدي كمرافق لتخزين المياه وتأمين الاحتياجات المائية، بعدما أصبحت على امتداد العقود الماضية جزءا من منظومة بيئية متكاملة تؤدي وظائف حيوية بحماية التنوع الحيوي ودعم الأنواع المهاجرة والمحافظة على النظم البيئية المرتبطة بالمياه العذبة.
اضافة اعلانومع تنامي الضغوط على الموارد الطبيعية واشتداد تحديات التغير المناخي، باتت هذه المواقع تمثل أحد الأصول الوطنية التي تتقاطع عندها اعتبارات الأمن المائي والحماية البيئية والتنمية الاقتصادية في آن واحد.
غير أن هذا الدور المتنامي يواجه اليوم اختبارات حقيقية على الأرض، في ظل استمرار أنشطة وتعديات تؤثر على سلامة النظم البيئية المحيطة بالسدود وجودة مواردها المائية، وتحد من قدرتها على أداء وظائفها المتعددة.
فالصيد الجائر، والأنشطة الترفيهية غير المنظمة، والدخول العشوائي للمناطق الحساسة بيئيا، لم تعد مجرد ممارسات متفرقة يمكن التعامل معها بصورة منفصلة، بل أصبحت مؤشرات على فجوة قائمة بين ما توفره التشريعات من أدوات حماية وما يفرضه الواقع من تحديات ميدانية متزايدة.
فبحسب ورقة سياسات متخصصة، صدرت أمس، حصلت" الغد" على نسخة منها، أعدتها مجموعة خبراء التنوع الحيوي في الأردن التابعة لهيئة بقاء الأنواع في الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN) لم يعد الخطر محصورا في خسارة بعض القيم البيئية أو تراجع أعداد الأنواع المرتبطة بالسدود، بل يمتد لتهديد كفاءة البنية التحتية المائية نفسها، وارتفاع كلف الإدارة والمعالجة مستقبلاً، فضلاً عن فقدان فرص اقتصادية واعدة ترتبط بالسياحة البيئية والاستثمارات الخضراء والبحث العلمي.
وفي بلد يعد من بين الأكثر فقرا بالمياه عالميا، تبدو حماية حرم السدود جزءا من معادلة الأمن الوطني بقدر ما هي قضية بيئية.
وقدم معدو الورقة خارطة طريق تنفيذية لتعزيز إدارة وحماية حرم السدود تبدأ بإجراءات عاجلة خلال مدة تتراوح ما بين ستة و12 شهرا، تشكيل لجنة وطنية تنسيقية لإدارة وحماية الحرم وبرئاسة سلطة وادي الأردن، وعضوية الجهات ذات العلاقة.
ويتبع ذلك تحديد السدود ذات الأولوية البيئية والوطنية استناداً لأهميتها المائية والبيئية، ومستوى التهديدات القائمة، واعتماد حدود أولية لمناطق الحماية حول السدود ذات الأولوية، وتنفيذ حملات رقابية مشتركة للحد من الصيد الجائر، والتعديات، والأنشطة غير المنظمة.
وأما المرحلة الثانية فتكمن باتخاذ إجراءات متوسطة المدى تتراوح ما بين عام وثلاثة أعوام من بينها إعداد إطار وطني موحد لإدارة وحماية حرم السدود، وتطوير برنامج وطني للرصد البيئي، ومراقبة التنوع الحيوي في السدود.
ويرافق ذلك إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة للسدود، والقيم البيئية المرتبطة بها، وتقييم السدود لتطبيق نهج مناطق الحفظ الفعالة الأخرى، وتطوير برامج التوعية المجتمعية والتعليم البيئي المرتبطة بالسدود.
وفي المرحلة الثالثة، والأخيرة، والتي تمتد ما بين 3 إلى 5 سنوات اقترح الخبراء دمج إدارة وحماية حرم السدود ضمن الخطط الوطنية للتنوع الحيوي والأمن المائي، وتوسيع نطاق تلك المشمولة بالإدارة المتكاملة والحماية الفعالة.
يضاف إلى ذلك تطوير نماذج مستدامة للسياحة البيئية والبحث العلمي بالسدود المناسبة، واستقطاب التمويل الوطني والدولي لدعم برامج الحماية والإدارة المستدامة، وتقييم أثر التدخلات المنفذة، وتحديث الخطط وفق نهج الإدارة التكيفية.
زيادة الضغوط على البنية التحتية المائيةويحذر المختص بالتنوع الحيوي وأحد معدي الورقة إيهاب عيد من" عدم التدخل" في هذه المرحلة لكونه سيؤدي لـ" تفاقم" التحديات الحالية، وتسارع وتيرة" التدهور" البيئي والإداري في عدد من السدود، بما يحد من قدرتها على أداء وظائفها المائية والبيئية والتنموية.
كما أن" تأجيل" اتخاذ الإجراءات اللازمة سيؤدي لانتقال كلفة المعالجة من إجراءات تنظيمية وإدارية" محدودة" الكلفة في الوقت الحاضر، إلى تدخلات" أكثر تعقيداً" وكلفة في المستقبل، مع ما يرافق ذلك من آثار مباشرة على الأمن المائي والتنوع الحيوي، والاقتصاد الوطني.
وأجمل أبرز المخاطر البيئية بـاستمرار تدهور الموائل المرتبطة بالسدود، و" فقدان" دورها كملاذات بديلة للطيور المائية والمهاجرة، الامر الذي سينعكس سلباً على التنوع الحيوي الوطني، و" يقوض" الجهود المبذولة لتنفيذ الإستراتيجية الوطنية للتنوع الحيوي وخطة العمل.
ومن بين المخاطر، التي أوردها عيد، " تراجع" الموارد المائية نتيجة استمرار الأنشطة" غير المنتظمة"، " والتعديات" داخل حرم السدود، بما يزيد من" مخاطر" التلوث، ويؤثر على كفاءة واستدامة أحد أهم مكونات منظومة الأمن المائي الوطني.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بحد قوله، بل إن زيادة الضغوط على البنية التحتية المائية الوطنية نتيجة استمرار الاستخدامات غير الملائمة داخل حرم السدود، وما قد يترتب على ذلك من ارتفاع في كلف الصيانة والإدارة، والمعالجة مستقبلاً.
وستستمر المخاطر المرتبطة بالسلامة العامة، بما في ذلك حوادث الغرق، والدخول غير المنظم للمناطق الخطرة، وما يرافق ذلك من أعباء اجتماعية وإدارية، وقانونية على الجهات المختصة، كما ورد في الورقة.
وبالإضافة إلى ثمة تحذيرات من ضياع الفرص الاقتصادية والتنموية الواعدة المرتبطة بالسياحية البيئية ومراقبة الطيور، والاستثمارات الخضراء، في وقت تركز فيه رؤية التحديث الاقتصادي على تنوع مصادر الدخل، وتعظيم الاستفادة من الأصول الوطنية والموارد الطبيعية.
ووفق النتائج التي جاءت في الورقة، فإن عدم التدخل سيؤدي إلى فقدان فرصة منخفضة الكلفة وعالية العائد لتوسيع نطاق الحفظ الفعال للتنوع الحيوي عبر تطبيق نهج مناطق الخطة الفعالة الأخرى، الأمر الذي قد يحد من قدرة المملكة على تحقيق مستهدفاتها الوطنية والدولية في مجال التنوع الحيوي.
كما وستتراجع قدرة الأردن على الوفاء بالتزاماته الدولية بموجب اتفاقيات التنوع الحيوي، والانواع المهاجرة والأراضي الرطبة، وما قد ينعكس على مكانة المملكة في المؤشرات والتقارير الدولة، وفرص الحصول على التمويل والدعم الفني المخصص للمشاريع البيئية والتنموية.
وبرزت السدود في المملكة كمواقع ذات أهمية بيئية متزايدة تجاوزت دورها التقليدي كمرافق لتخزين المياه، ودعم الأمن المائي، إذ أصبح بعضها مثل سدود الكفرين والملك طلال، والموجب ووادي العرب، موائل بديلة تستقطب أعداد كبير من الطيور المهاجرة والمائية، بحسب أحد معدي الورقة الأستاذ في علم بيئة الحيوان بالجامعة الأميركية في محافظة مادبا د.
فارس خوري.
ولفت إلى أنه تم توثيق أكثر من 180 نوعاً في سد الكفرين وحده، كما تؤدي هذه المواقع دوراً متنامياً في المحافظة على التنوع الحيوي الوطني، ودعم الخدمات البيئية المرتبطة بالنظم المائية، ومساهمتها في توفير فرص للرصد البيئي، والبحث العلمي، وحماية الأنواع المرتبطة بالبيئات الرطبة.
وشدد على أن الوقائع الميدانية التي شهدتها السدود، والتجمعات المائية المرتبطة بها خلال السنوات الأخيرة تؤكد أن التحديات المرتبطة بإدارة، وحماية حرمها لم تعد مجرد مخاطر" محتملة"، بل أصبحت قضايا" قائمة" ذات آثار مباشرة على البيئة، والموارد المائية، والسلامة العامة.
ووفق ما جاء في الورقة، فقد سجلت المملكة حوادث غرق متكررة تمنع السباحة والدخول غير المصرح به إلى هذه المواقع نظراً لما تشكله من مخاطر على حياة المواطنين والزوار.
كما شهد سد الملك طلال حالات موثقة لنفوق أعداد من الأسماك نتيجة تدهور نوعية المياه، وارتفاع الأحمال الملوثة الواصلة إلى الخزان، الأمر الذي يعكس حساسية هذه النظم المائية تجاه الأنشطة، والضغوط الواقعة ضمن أحواضها، ومناطق حمايتها.
وتشير هذه الوقائع إلى أن كلفة عدم التدخل لم تعد افتراضية، وأن استمرار التعديلات والأنشطة غير المنظمة داخل حدود السدود، قد ينعكس سلباً على جودة المياه، وكفاءة المنشآت المائية، والقيم البيئية المرتبطة بهذه المواقع.
ورغم ما توفره التشريعات الوطنية من أساس قانوني ومؤسسي لحماية الموارد المائية والبيئية لكن خوري يؤكد على أن بعض السدود ما تزال تواجه" ضغوطاً متزايدة" نتيجة استمرار ممارسات" غير منظمة" داخل حرمها.
ومن بين هذه الممارسات، التي أوردها خوري، الصيد الجائر، واستخدام وسائل صيد غير قانونية، ودخول المركبات إلى المناطق الحساسة بيئياً، إضافة إلى الأنشطة الترفيهية" العشوائية".
وتُظهر مراجعة التشريعات الوطنية ذات الصلة أن الأردن يمتلك إطاراً قانونياً متكاملاً يوفر الأساس اللازم لحماية حرم السدود، وتنظيم الأنشطة داخله، سواء من منظور حماية الموارد المائية أو المحافظة على التنوع الحيوي، أو السلامة العامة وفق أحد معدي الورقة المحامية المتخصصة بسياسات وقضايا وتشريعات البيئة إسراء الترك.
ولفتت إلى أن التحديات الرئيسة تكمن بـ" عدم وضوح" الحدود التشغيلية والتنظيمية بين بعض الجهات المعنية، رغم أن سلطة وادي الأردن هي الجهة المختصة مباشرة بإدارة وتشغيل السدود، الأمر الذي يستدعي تعزيز التنسيق المؤسسي، وتحديد الأدوار الرقابية والتنفيذية بصورة" أكثر وضوحاً".
ويؤكد كل من قانوني سلطة المياه وسلطة وادي الأردن مسؤولية الدولة في إدارة مشاريع المياه، والإشراف عليها صيانتها وحمايتها، بما في ذلك السدود، والخزانات المائية ومرافقها المرتبطة بها.
وتعد سلطة وادي الأردن الجهة المختصة مباشرة بإدارة وتشغيل وصيانة السدود، الأمر الذي يوفر سنداً قانونياً ومؤسسياً واضحاً لاتخاذ التدابير اللازمة لحماية حرم السدود، وتنظيم استخداماته بما يحقق متطلبات حماية الموارد المائية، والقيم البيئية المرتبطة بها.
ورغم ذلك تورد الترك المزيد من التحديات في المجال المؤسسي والتشريعي من بينها" ضعف" التنسيق المؤسسي وآليات العمل المشترك، و" غياب" إطار موحد لإدارة ومراقبة حرم السدود.
وفي المقابل، ووفق ما ورد في الورقة، تتوزع المسؤوليات المرتبطة بإدارة السدود وحماية حرمها بين عدد من الجهات الحكومية ذات الاختصاص، وتأتي سلطة الأردن في مقدمتها، باعتبارها الجهة المسؤولية عن إدارة وتشغيل، وصيانة السدود والخزانات المائية.
كما تشارك وزارات المياه والري، والبيئة، والزراعة، والسياحة والآثار، والإدارة الملكية لحماية البيئة، والحكام الإداريون، والبلديات، وآخرون في الجوانب التنظيمية والرقابية والبيئية المرتبطة بحرم السدود، وإدارة الأنشطة داخله.
وتكمل الترك حديثها، إن" محدودية" إنفاذ القوانين والتعليمات القائمة وكذلك الموارد البشرية والفنية المخصصة للرقابة والمتابعة الميدانية، و" ضعف" الرقابة الميدانية واستمرارية المتابعة.
وتؤكد الممارسات الميدانية المستمرة في عدد من السدود، التي رصدها معدو الورقة، وجود" فجوة" تنفيذية واضحة، تتمثل في استمرار الصيد الجائر، واستخدام الشباك، ووسائل الصيد غير المشروعة، ودخول المركبات إلى المناطق الحساسة بيئياً.
ومن بين تلك الأمور ممارسة أنشطة ترفيهية" غير منظمة" داخل حرم السدود، رغم وجود نصوص قانونية تتيح تنظيم هذه الأنشطة، أو" منعها" عند الضرورة.
ورغم تلك التحديات لم تغفل الترك الفرص المتاحة عند تفعيل القوانين من بينها" منع" الأنشطة غير المرتبطة بتشغيل وإدارة الموارد المائي داخل حرم السدود، و" ضبط" الصيد الجائر، واستخدام وسائل الصيد" غير المشروعة".
ومن بين الفرص كذلك" حماية" الأنواع البرية والطيور" غير المسموح" بصيدها، وتنظيم الأنشطة السياحية والترفيهية بما ينسجم مع متطلبات الحماية البيئية والسلامة العامة، وتعزيز السلامة العامة من حوادث الغرق، والمخاطر المرتبطة بالأنشطة" غير المنظمة"، تبعا لها.
كما أن تفعيل التشريعات، وفقها، سيوفر أساسا مؤسسيا داعما لتطبيق نهج الإدارة المتكاملة للسدود، وتعزيز دورها كمواقع ذات قيمة بيئية ووطنية وإستراتيجية، وحماية الموارد المائية، والحد من مخاطر التلوث والتعديات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك