أتابع برنامجاً على إحدى القنوات الخليجية، ويدار النقاش فيه حول أحداث الساعة، ويضم البرنامج خليطاً من الوجوه العربية والإيرانية والأمريكية، ورغم التحفظات حول بعض هذه الأسماء خصوصاً العربية التي تختزل كراهية واضحة للخليج والميل المكشوف لسياسة إيران فقد علقت في رأسي جملة قالها أكاديمي إيراني على نفس الطاولة حين ذكر ضيف خليجي أن الخليج موحد، رد الإيراني بتهكّم: «أنتم لا تحتاجون تقسيماً فأنتم أصلاً منقسمين! ».
في تقديري أن هذه الجملة رغم خبثها إلا أنها خرجت بلا رتوش، وهي جملة تختزل اللعب على حبال الخلافات والاختلافات من جهة، والاختراق الشعبي المذهبي من جهة أخرى!لم تكن الأسابيع الماضية مجرد جولة من التصعيد في المنطقة، بل كانت لحظة الحقيقة للمشهد العبثي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية وهي تستهدف شريان الحياة الاقتصادي والبنية التحتية في خليجنا العربي، وسط طاحونة الحرب المستعرة بين واشنطن وطهران، ولم أرَ عمقاً استراتيجياً يُنتهك كما يحدث اليوم، مما يضعنا أمام حقيقة حتمية: إما أن نكون كتلة واحدة وازنة ومتماسكة، أو نتحوّل إلى ساحة تصفية حسابات بشكل أو بآخر!إن التجربة القاسية الحالية تفرض علينا «هندسة جديدة» وعاجلة للبيت الخليجي، فالآخر لا يأبه للحكمة الخليجية والتناول المتزن للأحداث، إنه يؤمن بالتخريب والفوضى غير آبه بالجيرة وكف الأذى وكل المبادئ القيمية التي ننتهجها، هذه الهندسة الخليجية تبدأ بإعادة تشكيل جذرية للعلاقات البينية وتقوية أواصرها بما يخدم أمن المنطقة واستقرارها، فالمجاملات السياسية والقمم البروتوكولية لم تعد ترفاً؛ فالخطر داهم والمصالح باتت تحت النار، وأولى الأولويات التي لا تقبل التأجيل هي صياغة عقيدة عسكرية خليجية مشتركة تتجاوز الأطر النظرية لـ«درع الجزيرة» إلى منظومة دفاع جوي وصاروخي موحدة، وقوة ردع حقيقية تكون هي الضامن الأول والوحيد للأمن القومي الخليجي.
لقد علمتنا الصراعات الكبرى أن الحلفاء البعيدين تحكمهم صناديق الاقتراع ومصالحهم الخاصة، أما الجغرافيا وثقلها فلا يتغيران.
توازي هذه الأولوية العسكرية ضرورة مراجعة شاملة لدفتر التحالفات الدولية والمصالح الاقتصادية، وعلى الخليج اليوم أن يدير علاقاته بناءً على مبدأ «الأمن المتبادل والمنفعة الصرفة»، وإعادة تمحور الاقتصاد الخليجي ككتلة تفاوضية واحدة لا يمكن تجاوزها في المعادلات الدولية.
لقد مضى زمن تشخيص الأزمات، ونحن اليوم في مرحلة كاشفة، دقيقة وعميقة لإنقاذ المستقبل.
لم تعد تقوية الوحدة الخليجية خياراً دبلومسياً أو بروتوكولاً عابراً لحدث طارئ بعد اليوم، بل طوق النجاة لمنطقة مهمة ونقطة تحول وإمداد عالمي وشريان اقتصادي إن توقف غرق العالم في بحور الخسائر والديون والكوارث -تماماً كما يحدث اليوم-، وإن لم تجمعنا نيران هذه الحرب والهجمات الغاشمة على مقدراتنا ومنشآتنا في صف واحد وكلمة سواء تفرض هيبتنا العسكرية والاقتصادية، فسنبقى مجرد أرقام في حسابات الربح والخسارة للقوى الكبرى خصوصاً مع تسريب بعض بنود الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران، الذي يناقض -إن صح التسريب- طموحات السلام والاستقرار لمنطقة الخليج.
التاريخ لا يرحم والحاضر يفرض هندسة المستقبل، والخليج يملك كل مقومات القوة ليرسم مساره الأمني بنفسه، وتشكيل قوة ردع بمقومات حاضرة يمكن البناء عليها مثل قوات «درع الجزيرة»، واتفاقية الدفاع المشترك، لتتحول هذه المنظومة إلى «قوة ردع مشتركة حقيقية» بمفهومها الاستراتيجي الشامل، فهل نفعلها؟ !

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك