في تطور جديد يعكس تصاعد التوترات في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، أعادت حركة أنصار الله (الحوثيين) فرض حظر كامل على الملاحة المتجهة نحو إسرائيل، بالتزامن مع إطلاق دفعة جديدة من الصواريخ باتجاه يافا، في خطوة أعادت البحر الأحمر إلى واجهة التصعيد بعد فترة هدوء وصفت بالهشة.
وبحسب المعطيات الميدانية، فإن التطورات الأخيرة تأتي بعد انتهاء هدنة غير معلنة شهدها البحر الأحمر خلال الأيام الماضية، قبل أن تعود حركة أنصار الله لتؤكد قدرتها على تعطيل حركة الملاحة في مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الإستراتيجية للتجارة العالمية.
وتعتمد الجماعة، وفق ما يشير إليه تقرير لقناة الجزيرة، على ترسانة من الطائرات المسيرة والصواريخ المضادة للسفن التي يتجاوز مداها 400 كيلومتر، وهي قدرات لم تستخدم فقط ضد السفن التي ترفع العلم الإسرائيلي، بل امتد تأثيرها ليشمل أيضا سفنا تابعة لشركات ترتبط بعلاقات تجارية مع إسرائيل، ما وسع دائرة المخاطر البحرية في المنطقة.
ورغم التحركات العسكرية الدولية الهادفة إلى تأمين الملاحة في البحر الأحمر، إلا أن تلك الجهود لم تنجح حتى الآن في احتواء التهديدات، في ظل ما يوصف بمرونة تكتيكية عالية لدى أنصار الله، التي تعتمد أسلوب" حرب العصابات البحرية" منخفضة الكلفة مقارنة بعمليات الردع المكلفة التي تنفذها القوى الدولية.
هذا الواقع أعاد طرح تساؤلات حول مدى قدرة التحالفات البحرية على إعادة الاستقرار إلى الممر الحيوي، في ظل استمرار استهدافات متقطعة تربك حركة الشحن الدولي.
اختناق مزدوج في الممرات البحريةتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه العالم اختناقا تجاريا بحريا متزايدا، نتيجة استمرار حالة الغموض العسكري في منطقة مضيق هرمز، ما يثير مخاوف من سيناريو اختناق مزدوج يضرب أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية في آن واحد.
وتزداد المخاوف مع تقارير تتحدث عن مؤشرات تقارب أو تنسيق غير مباشر بين أنصار الله وبعض الفاعلين المسلحين في منطقة القرن الأفريقي، من بينهم حركة الشباب في الصومال، التي يعتقد أنها استفادت من انشغال القوى الدولية بالتصعيد في البحر الأحمر لإعادة تنشيط تحركاتها البحرية قرب السواحل الصومالية، ما قد يوسع نطاق التهديد ليشمل خليج عدن وأجزاء من المحيط الهندي.
وانعكست هذه التوترات بشكل مباشر على قطاع الشحن العالمي، حيث ارتفعت تكاليف التأمين البحري على السفن المارة عبر البحر الأحمر من 0.
05% إلى نحو 1%، وهو ارتفاع كبير يعني أن سفينة تبلغ قيمتها 100 مليون دولار قد تدفع نحو مليون دولار كتكلفة تأمين في الرحلة الواحدة.
ومع استمرار هذه الزيادة، تتزايد احتمالات أن تعيد شركات الشحن النظر في مساراتها البحرية، والعودة إلى طريق رأس الرجاء الصالح، رغم أنه يضيف ما يقارب 40% إلى طول الرحلة، وما يترتب على ذلك من زيادة في زمن التوصيل وتكاليف النقل.
تداعيات مباشرة على الاقتصاد الإسرائيليعلى الجانب الإسرائيلي، تشير المعطيات الاقتصادية إلى أن عودة التصعيد ستكون لها انعكاسات مباشرة على الموانئ الجنوبية، وعلى رأسها ميناء إيلات، الذي تضرر بشكل كبير خلال الفترات السابقة من التوتر في البحر الأحمر.
فقد تراجعت عائدات الميناء بنسبة تقارب 80%، من 212 مليون شيكل (نحو 57 مليون دولار) عام 2023 إلى نحو 42 مليون شيكل (نحو 11 مليون دولار) في 2024، ما أدى إلى تراكم ديون، وتجميد حسابات مصرفية، وتسريح عدد كبير من العاملين، في سيناريو يخشى تكراره في حال تجدد الهجمات وتعطل الملاحة مجددا.
وفي المقابل، ينعكس اضطراب الملاحة أيضا على قناة السويس، التي تواجه بدورها تراجعا في حركة العبور نتيجة مخاوف السفن من المرور في مناطق التوتر، ما أدى إلى خسائر قدرت بنحو 10 مليارات دولار بحسب تقديرات أعلنت مطلع عام 2026.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يضع مزيدا من الضغوط الاقتصادية على مصر، باعتبارها أحد أبرز المتضررين من تراجع حركة التجارة في هذا الممر الحيوي، الذي يمثل شريانا أساسيا للتجارة العالمية.
في ظل هذا المشهد المعقد، يبدو البحر الأحمر أمام مرحلة جديدة من التوترات المتصاعدة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع التداعيات الاقتصادية العالمية، في منطقة تتحول تدريجيا إلى عقدة مركزية في صراع الممرات البحرية، وسط مخاوف من أن تمتد دائرة التأثير إلى أبعد من حدود الإقليم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك