في النسخة الأكبر من تاريخ كأس العالم 2026، تحضر الصين بقوة، ليس عبر منتخبها الوطني داخل المستطيل الأخضر، بل من خلال استثماراتها الضخمة وتقنياتها المتطورة التي باتت جزءًا أساسيًا من البنية التحتية والتنظيمية للبطولة.
فطريق الجماهير إلى الملاعب يمر عبر قطارات صينية الصنع، إذ يعمل 15 قطارًا خفيفًا من إنتاج شركات صينية على نقل أكثر من مليون راكب يومًا في المدن المكسيكية المستضيفة، مع خطوط تصل مباشرة إلى الملاعب في مدن مثل مكسيكو سيتي وغوادالاخارا.
كما جرى تصميم أنظمة التشغيل الذكية لهذه القطارات لتحمل الظروف المناخية المختلفة، فيما تواصل فرق الدعم الفني الصينية عملها على مدار الساعة لضمان استمرارية الخدمة طوال البطولة.
استثمارات تتجاوز 100 مليون دولارولا يقتصر الحضور الصيني على قطاع النقل، بل يمتد إلى التكنولوجيا الرياضية، حيث أصبحت شركات صينية كبرى جزءًا من المنظومة التقنية للمونديال عبر حلول الذكاء الاصطناعي، وتقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد، وأنظمة دعم التحكيم والبث التلفزيوني.
ويعكس ذلك تحولًا واضحًا من مجرد رعاية إعلانية إلى شراكة فعلية في صناعة الحدث الرياضي العالمي.
وفي هذا السياق، قالت الخبيرة الاقتصادية ليو تشاو، في مقابلة مع التلفزيون العربي، إن أربع شركات صينية عملاقة مدرجة ضمن قائمة الرعاة العالميين الستة عشر لكأس العالم 2026.
وأضافت أن إجمالي الاستثمارات والرعايات المقدمة من الشركات الصينية تجاوز 100 مليون دولار، ما يضع الصين في المرتبة الثانية عالميًا من حيث حجم الإنفاق والرعاية المرتبطة بالبطولة.
وأشارت إلى أن الشركات الصينية لم تعد تكتفي بالحضور التقليدي، بل باتت تقدم تقنيات متقدمة تشمل الذكاء الاصطناعي المستخدم في دعم التحكيم، إضافة إلى تقنيات البث والنقل المباشر، وهو ما يعكس تنامي النفوذ التكنولوجي الصيني على المستوى العالمي.
منصة عالمية لعرض التكنولوجيا الصينيةوترى ليو أن بكين تنظر إلى كأس العالم باعتباره فرصة استراتيجية لإبراز قدراتها التكنولوجية أمام العالم، خصوصًا في ظل المنافسة المتزايدة مع الولايات المتحدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة.
وأكدت أن الصين حققت تقدمًا كبيرًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي العملية وفي دمج هذه التقنيات في الحياة اليومية، وهو ما يظهر جليًا في مشاركتها الحالية بالمونديال.
كما لفتت إلى أن الصين أصبحت رائدة في مجالات النقل الحديث، وصناعة السيارات الكهربائية، والقطارات الذكية، وهي قطاعات تحضر بقوة خلال البطولة.
من المنتجات التذكارية إلى التكنولوجيا المتقدمةمن جهته، أوضح مراسل التلفزيون العربي في بكين، ناصر عبد الحق، أن الشركات الصينية لم تعد تكتفي بإنتاج السلع التذكارية المرتبطة بالبطولات الرياضية، بل تسعى اليوم إلى تسويق منتجات وتقنيات متطورة على مستوى عالمي.
ونقل عن أحد المديرين التنفيذيين في شركة" لينوفو" قوله إن نجاح الشركة لا يقاس بمجرد تذكر الجماهير لاسمها كراعٍ للبطولة، بل بإدراكها أن التقنيات المستخدمة في تغطية الحدث العالمي هي من تطوير شركة صينية.
وأضاف أن كأس العالم يوفر منصة استثنائية للوصول إلى مليارات المشاهدين حول العالم، ما يمنح الشركات الصينية فرصة لتعزيز حضورها العالمي وإبراز قدراتها التكنولوجية أمام جمهور واسع.
نفوذ متزايد في الاقتصاد الرياضي العالميكما أشار عبد الحق إلى أن الصين كانت حاضرة اقتصاديًا في البطولات الرياضية السابقة عبر الملابس الرياضية والهدايا والمنتجات التذكارية، لكنها تسعى اليوم إلى تقديم نفسها كقوة تكنولوجية متكاملة.
وأوضح أن مشاركة شركات مثل" لينوفو" و" هايسنس" في مونديال 2026 تعكس رغبة الصين في ترسيخ مكانتها ضمن كبرى العلامات التجارية العالمية، وإثبات قدرتها على المنافسة في القطاعات التقنية الأكثر تطورًا.
وختم بالقول إن بعض المراقبين كانوا يتوقعون عقبات أمام الحضور الصيني في البطولة، إلا أن أهمية هذه الشركات وما تقدمه من تقنيات متقدمة جعلها شريكًا لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة للاتحاد الدولي لكرة القدم" فيفا" والمنظمين.
وبذلك، يبدو أن كأس العالم 2026 لا يشكل فقط ساحة للتنافس الرياضي، بل أيضًا منصة عالمية تستعرض من خلالها الصين قوتها الاقتصادية والتكنولوجية، في إطار سعيها المتواصل لتعزيز نفوذها في الاقتصاد الرياضي العالمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك