بغداد / الرياض — حين وقّعت السعودية وإيران اتفاق التطبيع في بكين مارس 2023، اعتقد كثيرون أن المنطقة تدخل مرحلة تهدئة تفيد العراق الذي يعيش دائماً في التقاطع بين الطرفين.
لم يخطئ هؤلاء تماماً، لكنهم أغفلوا أن العلاقة بين بغداد والرياض تحديداً تحمل أعباءها الخاصة المستقلة عن أي اتفاق.
وفي 2026، تتكدس هذه الأعباء بشكل غير مسبوق: فيديو أشعل البرلمان، وسفير يُثير جدلاً عقداً كاملاً، ومسيّرات تُدان، وملف اقتصادي لم يُنجَز.
كل هذه الملفات معاً في لحظة واحدة.
الملف الأول: فيديو “الوقوف والجلوس” وصدمة الكرامةفي فبراير 2026، وأثناء فعاليات معرض الدفاع السعودي في الرياض، انتشر مقطع مصوّر يُظهر عناصر من الوفد العراقي واقفين أمام ضيوف سعوديين جالسين في مقر إقامة السفيرة صفية طالب السهيل.
ثلاثون ثانية أشعلت الشارع العراقي وأوصلت موجة الغضب إلى قبة البرلمان.
رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي وجّه باستدعاء السفيرة خلال 48 ساعة وبتشكيل لجنة تحقيق.
السفارة العراقية في الرياض أصدرت بياناً توضيحياً أكدت فيه أن المقطع “مقتطع من سياقه” وأن الجانب العراقي كان المضيف.
لكن توضيح السفارة لم يُطفئ الحريق — لأن الغضب الشعبي لم يكن موجهاً نحو الجانب السعودي بقدر ما كان غضباً عراقياً داخلياً يسأل: لماذا تجد أجسادنا نفسها في هذه المشاهد؟الملف الثاني: السفير الشمري وعشر سنوات من الجدلفي موازاة قضية السفيرة، يعيش الجانب السعودي ذاته أزمة هادئة في بغداد.
عبد العزيز بن خالد الشمري يُمثّل المملكة في العراق منذ أكتوبر 2016 — عشر سنوات كاملة في الموقع نفسه، جعلته واحداً من أطول السفراء بقاءً في تاريخ التمثيل السعودي في بغداد.
مصادر وثيقة الصلة بالملف كشفت لـ”المستقلة” أن سنواته اتسمت بضعف بناء النفوذ السياسي المؤسساتي والاعتماد على شبكة علاقات شخصية ضيقة.
والنتيجة: بعد عشر سنوات من حضوره لا تزال العلاقة السعودية-العراقية تفتقر إلى اختراق استراتيجي حقيقي في ملفات الطاقة والاستثمار والأمن والمياه.
الأرقام المُعلنة عن مشاريع ومؤتمرات تنسيق لا تُغطي غياباً فعلياً لنتائج ملموسة.
الملف الثالث: المسيّرات وتداعياتهافي مايو 2026، تعرّضت منشآت سعودية وإماراتية لهجمات بالمسيّرات نُسبت لفصائل مسلحة ذات صلة بالعراق.
الزيدي أدان وأعلن “الاستنكار والتحقيق المشترك”، لكن الحادثة وضعت بغداد في موقف صعب أمام الرياض: كيف تُطالب بعلاقة استراتيجية شريكة في حين أن أراضيها تُستخدم منصةً لضرب الشريك؟هذا الملف يتشابك مع مشروع حصر السلاح الذي يقوده الزيدي، وهو الملف الذي يُراقبه الخليج بعين فاحصة كشرط غير مُعلَن للشراكة الاقتصادية الجدية.
الملف الرابع: طريق التنمية والكهرباء — ورقة المستقبلرغم كل هذه الأعباء الدبلوماسية، ثمة ورقة مشتركة لا يستطيع أي طرف تجاهلها: المصلحة الاقتصادية.
مشروع “طريق التنمية” العراقي الذي يربط الفاو بالحدود التركية يمرّ جغرافياً بما يجعل السعودية شريكاً تجارياً طبيعياً فيه.
وملف الربط الكهربائي مع الخليج يُخفف من أزمة الكهرباء العراقية ويمنح دول الخليج سوقاً مجدياً لطاقتها الفائضة.
هذه المصالح المتشابكة هي الجسر الوحيد القادر على إعادة العلاقة إلى مسارها، متجاوزاً كل ما تراكم من أزمات.
ما طبيعة الأزمة الدبلوماسية بين السعودية والعراق في 2026؟أزمة متعددة المستويات: فيديو السفيرة العراقية في الرياض وما أثاره من جدل برلماني، وأزمة أداء السفير السعودي الشمري بعد عشر سنوات في بغداد، وهجمات مسيّرات على منشآت خليجية نُسبت لفصائل عراقية.
من هو السفير السعودي في العراق 2026؟عبد العزيز بن خالد الشمري، يشغل المنصب منذ أكتوبر 2016 خلفاً للسفير ثامر السبهان الذي طلب العراق استبداله بسبب تصريحات اعتُبرت تدخلاً في الشأن الداخلي.
هل مشروع طريق التنمية العراقي يُحسّن العلاقة مع السعودية؟يُمثّل الورقة الأقوى للعلاقة الاقتصادية المستقبلية.
السعودية كجارة ومستثمرة إقليمية لن تستطيع تجاهل مشروع يُعيد رسم خارطة التجارة في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك