لا تقتصر اختراقات الوساطة الباكستانية بين إيران والولايات المتحدة، على إعلان إسلام أباد فجر أمس الاثنين، أنها" لعبت دوراً مهماً في إنجاح المفاوضات بين واشنطن وطهران"، وتأكيد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريفعلى أن توقيع الاتفاقية بين أميركا وإيران" سيكون يوم الـ19 من الشهر الحالي (أي الجمعة المقبل) في سويسرا"، بل تنسحب على ما قد تحمله هذه الوساطة من دور إضافي في ترتيبات أمنية وإقليمية محتملة في الفترة المقبلة، ذلك أن هذه الاختراقات التي حققتها الوساطة الباكستانية كانت امتداداً للمحادثات والتحركات المكوكية التي قادها كل من شريف وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي يحظى بعلاقة خاصة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي وصفه سابقاً بأنه" المشير المفضل لديّ"، إلى جانب وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، شملت أيضاً الملف اللبناني، وهو ما انعكس بزيارة قائد الجيش اللبناني رودولف، إلى باكستان قبل أكثر من أسبوع.
أولى ملامح الوساطة الباكستانية ظهرت أواخر مارس/ آذار الماضي، والتي استهلت بمحادثات في إسلام أباد جمعت السعودية وتركيا ومصر بشأن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بعد شهر على اندلاعها، وأعطت بعداً إقليمياً للوساطة، قبل أن يساهم حراك إسلام أباد المكثف في التوصل إلى هدنة في الثامن من إبريل/ نيسان الماضي ثم تمديدها في 22 من الشهر نفسه، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب حينها إنه وافق على ذلك بطلب من باكستان.
كما استضافت إسلام أباد في 12 إبريل الماضي، جولة مفاوضات بين وفدي إيران الذي مثله رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، ووفد الولايات المتحدة الذي ترأسه نائب الرئيس جي دي فانس، وضمّ جاريد كوشنر صهر الرئيس، والمبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف.
وتوزعت الأدوار في مسار الوساطة الباكستانية التي حظيت بإشادة ترامب وإيران ودول المنطقة، من خلال جولة إقليمية لشريف الذي يمتلك علاقات جيدة مع كل من طهران وواشنطن، ومنير الذي عقد محادثات في طهران، وهو الذي يحظى، على غرار المؤسسة العسكرية في باكستان، باحترام الإدارات الأميركية المتلاحقة، إلى جانب نقوي، الذي تعددت زياراته إلى طهران، وسلم خلال زيارتها في السابع من يونيو/ حزيران الحالي، رسالة من شريف ومنير نقلت إلى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي.
يأتي ذلك في وقت كانت المؤشرات تتزايد بشأن استئناف الحرب، وسط تعقيدات حول بنود الاتفاق المحتمل حينها، حيث كانت إسلام أباد تشدد على أهمية المسار الدبلوماسي والالتزام به مدخلاً للأمن الإقليمي.
ولا يمكن إغفال أن الوساطة الباكستانية بين طهران وواشنطن، والتي انضمت إليها دول أخرى في مقدمتها قطر، التي أدت دوراً حاسماً خلف الكواليس، جاءت في خضم تغيرات متلاحقة في المنطقة، خصوصاً ما تعرضت له دول الخليج من اعتداءات إيرانية، في وقت كانت هذه الدول مرشحة عادة لتكون قناة اتصال بين واشنطن وطهران، على رأسها سلطة عُمان.
كما تشكل الوساطة أهمية استراتيجية بالنسبة لإسلام أباد، في أعقاب الحرب الباكستانية الهندية في مايو/ أيار 2025، وما لحقها من تقارب هندي إسرائيلي من جهة، وتوقيع باكستان والسعودية اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك، في سبتمبر/ أيلول الماضي من جهة ثانية، وعودة الحديث عن أهمية التعاون الدفاعي الإقليمي والإسلامي.
ولم تكن الوساطة ممكنة لولا أن باكستان حافظت على توازن دقيق في علاقاتها مع كل إيران والولايات المتحدة.
وبدأ دور إسلام أباد يتوسع تدريجياً، ليتحول من مجرد ناقل رسائل إلى وسيط فعّال يسهم في بلورة مقترحات للتهدئة بين واشنطن وطهران.
وكان لقائد الجيش الباكستاني دور فعال وريادي، اعترفت به جهات مختلفة في داخل باكستان وخارجها.
وكان ترامب من المعجبين بهذا الدور، إذ أشار إليه مرات عديدة في خطاباته وكلماته.
رد ترامب مرة على سؤال للصحافيين حول إمكانية اختيار وسيط آخر غير باكستان" لا، إنهم رائعون.
يعمل الباكستانيون بشكل رائع.
إن المشير (منير) ورئيس الوزراء الباكستاني يعملان بشكل رائع".
وكتب مرة على موقعه للتواصل الاجتماعي تروث سوشال: " شكراً لباكستان ولرئيس وزرائها العظيم وقائدها العسكري، شخصان رائعان".
محمد حسان يوسف زاي: بطل هذه الوساطة هو المشير عاصم منير، لأنه كان يقود كل أدوار الوساطة، تارة بشكل علني وتارة من وراء الستارفي هذا الصدد قال الأكاديمي الباكستاني محمد حسان يوسف زاي، لـ" العربي الجديد"، إن" بطل هذه الوساطة هو المشير عاصم منير، لأنه كان يقود كل أدوار الوساطة، تارة بشكل علني وتارة من وراء الستار".
وأضاف أن" باكستان بفضل دور هذا الرجل، قامت بما تقوم به دولة رائدة، وهو ما يتناسب مع دولة نووية وحيدة في العالم الإسلامي"، موضحاً أنه" بسبب جرأة قائد الجيش وعلاقاته مع كل من أميركا وإيران لم تعد باكستان تكتفي بنقل المواقف والرسائل، بل بدأت تلعب دوراً في تقريب وجهات النظر".
وفي رأيه فإن" المؤسسة العسكرية هي التي كانت تقود الأمور، ولكن إلى جانبها كان قادة سياسيون أداروا هذا المسار، منهم رئيس الوزراء شهباز شريف الذي وجّه الإطار السياسي العام للوساطة، وسعى إلى حشد دعم دولي لها، من خلال التواصل مع القيادتين الأميركية والإيرانية".
ولفت إلى أن وزير الخارجية، نائب رئيس الوزراء محمد إسحق دار، أدى كذلك دوراً مهماً تمثل في إدارة التفاصيل الدبلوماسية، حيث قاد الاتصالات غير المباشرة، وأشرف على نقل الرسائل وصياغة المقترحات التي يمكن أن تكون مقبولة لدى الطرفين.
من جانبه قال الإعلامي الباكستاني محمد عبد الله، لـ" العربي الجديد"، إن" دور قائد الجيش كان مهما جداً لأنه في باكستان لا يمكن أن يحدث شيء مهم كهذا دون مباركة الجيش"، مستدركاً أن دور وزير الخارجية كان مهماً للغاية، من خلال التواصل مع الجهات المعنية، تحديداً الأميركية والإيرانية، ودول ذات ثقل في المنطقة كالسعودية وتركيا وقطر".
ولكن في النهاية، وفق عبد الله فإنّ" كل تلك الأدوار كانت متكاملة مع بعضها البعض، وساعدت في الوصول إلى ما نشاهده اليوم".
شفاعت علي خان: فرضت طهران إرادتها، فيما قامت إسلام أباد بما هو في مصلحة الطرفين والمنطقةفي المقابل، قال المحلل الأمني الباكستاني شفاعت علي خان، لـ" العربي الجديد"، إن" حسابات واشنطن قبل انطلاق الحرب ضد إيران كانت خاطئة للغاية، إذ لم تكن تحسب أن طهران ستقاوم بهذه الشراسة، وأن يصل الوضع إلى هذا الحد".
وبالتالي، وفق علي خان، " فرضت طهران إرادتها، فيما قامت إسلام أباد بما هو في مصلحة الطرفين والمنطقة"، موضحاً أنه" لا ننسى أن واشنطن كانت تتطلع إلى هذا الدور من باكستان".
وبرأيه فإن" طهران لم تكن تعتمد في البدايات بشكل كامل على الوساطة الباكستانية، ولكنها كانت تنظر إليها أنها قناة مفيدة يمكن أن تكون وسيطاً لها مع واشنطن" أخذا بعين الاعتبار أن" إسلام أباد تبقى بطاقة في يد واشنطن تلعب بها متى شاءت وفي أدوار مختلفة"، على وحد وصفه.
وأشار علي خان إلى أن نقطة أخرى تعاملت معها باكستان" بكل ذكاء"، وهي" الإعلان عن الهدنة بلسان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف"، مؤكداً أن رئيس الوزراء" يبدو انه كان ينتظر هذه الفرصة وكان لإعلانه عن التوصل إلى توافق بين طهران واشنطن صدى كبير محلياً ودولياً، وأثبت أهمية دور باكستان".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك