استعرضت حلقة برنامج" للقصة بقية" على قناة الجزيرة، التي حملت عنوان" إسرائيل وعقيدة الحرب الدائمة"، محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحويل الحرب من استجابة لتهديدات أمنية إلى مشروع إستراتيجي لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، مستندا إلى ما وصفه بـ" عقيدة إسبرطة"، في إشارة إلى المدينة الإغريقية العسكرية التي قامت على الاستعداد الدائم للحروب.
فخلال الحرب على إيران، راهنت إسرائيل على تحقيق انتصار شامل؛ لا يقتصر على ضرب البرنامج النووي الإيراني أو إضعاف القدرات الصاروخية، بل يمتد إلى تغيير النظام في طهران، وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، وترسيخ مكانة إسرائيل باعتبارها القوة المهيمنة إقليميا.
لكن النتائج جاءت بعيدة عن الصورة التي رسمتها حكومة نتنياهو، بحسب ضيوف البرنامج، إذ لم تحقق إسرائيل الحسم الكامل، ولم تنجح في إنهاء مصادر التهديد، بل وجدت نفسها أمام تحديات أمنية وسياسية أكبر، في وقت اهتزت فيه صورتها كقوة لا تقهر.
نتنياهو والحرب التي لا تنتهييرى البروفيسور روبرت بيب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، أن فكرة الحرب الدائمة ليست مجرد رد فعل على أحداث معينة، بل ترتبط برؤية أوسع داخل السياسة الإسرائيلية، موضحا أن السؤال الأساسي هو ما إذا كانت إسرائيل تخوض حروبا دفاعية أم أنها باتت تعتمد على إستراتيجية هجومية مستمرة.
ويقول بيب إن جزءا من المشكلة أن نتنياهو وجد نفسه في" مطب تصعيدي"، فكلما استخدم المزيد من القوة، ازدادت الحاجة إلى مزيد من التصعيد، لكن النتيجة كانت إضعاف موقع إسرائيل بدلا من تعزيز أمنها.
ويضيف أن استمرار الحرب يخدم أيضا حسابات نتنياهو السياسية، لأن حالة المواجهة تقلل من الانقسامات الداخلية وتدفع المجتمع الإسرائيلي إلى الالتفاف حول القيادة تحت عنوان الأمن والخطر الخارجي.
أما الدكتور إمطانس شحادة، مدير برنامج دراسات إسرائيل في مركز مدى الكرمل للأبحاث، فيرى أن التحول في السياسة الإسرائيلية لم يبدأ فقط بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، بل سبقه مسار طويل داخل المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية.
ويقول شحادة إن نتنياهو لم يعد يعتمد على المقاربة الأمنية التقليدية التي كانت تقوم على الردع وإدارة الصراع، بل انتقل إلى منطق القوة المباشرة، حيث لم تعد هناك خطوط حمراء واضحة في التعامل مع الجبهات المختلفة.
الاتفاق وضربة سياسية لنتنياهوشكل الاتفاق الإطاري بين واشنطن وطهران نقطة تحول بالنسبة لإسرائيل، لأنه جاء بعكس الرغبة الإسرائيلية في استمرار المواجهة، وأظهر أن الإدارة الأمريكية اختارت مسار إنهاء الحرب بدلا من مواصلة التصعيد المفتوح.
ويقول شحادة إن إسرائيل وجدت نفسها أمام واقع جديد؛ فهي لم تكن شريكة في تحديد شروط إنهاء الحرب، ولم تتمكن من فرض رؤيتها على القرار الأمريكي، وهو ما اعتبره أزمة إستراتيجية لحكومة نتنياهو.
أما البروفيسور روبرت بيب فيذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن الحرب أدت إلى" خسارة كارثية" بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، لأنها قلبت التوازنات التي كانت قائمة قبل المواجهة.
ويشرح بيب أن الولايات المتحدة كانت ترى نفسها القوة التي تضمن أمن الخليج وتحمي حلفاءها وتدعم إسرائيل، بينما كانت إسرائيل تسعى إلى توسيع نفوذها عبر إضعاف إيران، لكن نتيجة الحرب -بحسب رأيه- جاءت بعكس ذلك، إذ أصبحت إيران، من وجهة نظره، قوة صاعدة قادرة على بناء نفوذ جديد يمتد عبر المنطقة.
ويرى روبرت بيب أن المشكلة الأساسية في إستراتيجية نتنياهو أنها تعتمد على استخدام القوة باعتبارها الحل الرئيسي، لكن كل تصعيد يخلق حاجة إلى تصعيد أكبر، لتجد إسرائيل نفسها في دائرة مفتوحة.
أما شحادة فيربط بين هذه إستراتيجية وبين التحولات داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، موضحا أن الجيش بعد إخفاق 7 أكتوبر/تشرين الأول دفع باتجاه نقل المواجهة إلى أراضي الخصوم، باعتبار ذلك وسيلة لمنع تكرار الهجوم داخل إسرائيل.
لكنه يرى أن هذا النهج أدى إلى توسيع دائرة الصراع بدلا من إنهائها، إذ انتقلت المواجهة من غزة إلى لبنان ثم إلى إيران، وهددت بتحويل المنطقة بأكملها إلى ساحة حرب مفتوحة.
تحالف حرب أم اختلاف مصالح؟تتوقف الحلقة عند العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونتنياهو، وتطرح سؤالا حول كيفية نجاح رئيس الوزراء الإسرائيلي في إقناع الإدارة الأمريكية بخوض مواجهة مباشرة مع إيران، رغم أن ترمب قدم نفسه سابقا باعتباره قائدا يريد إنهاء الحروب.
ويقول بيب إن نتنياهو نجح في تقديم الحرب باعتبارها فرصة لتحقيق انتصار كبير وسريع، وربطها بصورة ترمب كزعيم قادر على تحقيق إنجاز تاريخي.
لكن شحادة يرى أن العلاقة بين الطرفين بدأت تدخل مرحلة مختلفة، خصوصا بعد الاتفاق مع إيران، مشيرا إلى أن نتنياهو فقد جزءا من الدعم الذي كان يعتمد عليه، وأن رهانه على الحرب كطريق لإنقاذ مستقبله السياسي قد تحول إلى مأزق.
ويضيف أن نتنياهو أراد من هذه الحروب تحقيق هدفين في وقت واحد: حماية مشروعه السياسي، وتحقيق رؤيته الأيديولوجية بتحويل إسرائيل إلى القوة المهيمنة في المنطقة، لكنه وجد نفسه أمام نتائج لم تكن كما توقع.
عقيدة الحرب الدائمة والقضية الفلسطينيةلم تتوقف تداعيات" عقيدة الحرب الدائمة" عند حدود المواجهات مع إيران أو جبهات لبنان وسوريا، بل امتدت إلى الساحة الفلسطينية، حيث يرى ضيفا الحلقة أن استمرار الحرب منح اليمين الإسرائيلي مساحة أوسع لتكريس واقع جديد على الأرض، يقوم على إضعاف فكرة قيام دولة فلسطينية وتحويل الاحتلال إلى حالة دائمة.
ويرى الدكتور إمطانس شحادة أن ما يجري ليس مجرد رد فعل على أحداث أمنية، بل امتداد لرؤية سياسية ترى أن القوة العسكرية يمكن أن تفرض واقعا جديدا، موضحا أن إسرائيل تسعى إلى تحويل مشروع الاحتلال من وضع مؤقت إلى أمر طبيعي تقبله المنطقة والعالم.
ويقول شحادة إن حكومة نتنياهو لا تبحث عن حل سياسي للصراع، بل تعتمد على منطق فرض الأمر الواقع، عبر السيطرة العسكرية والتوسع، بحيث يصبح الاحتلال جزءا من المعادلة الإقليمية الجديدة.
طرحت الحلقة سؤالا حول إمكانية الخروج من نموذج الحرب الدائمة، وهل يمكن أن تعود المنطقة إلى مسار سياسي بدلا من المواجهات العسكرية.
ويرى روبرت بيب أن الحل يبدأ من تغيير المقاربة الأمريكية، بحيث تتعامل واشنطن مع إسرائيل كدولة ضمن النظام الدولي وليست كقوة لها استثناءات، وأن العودة إلى سياسة أكثر توازنا قد تكون في مصلحة إسرائيل نفسها.
أما شحادة فيؤكد أن الدول العربية تملك أدوات ضغط سياسية واقتصادية، وأن توحيد الموقف العربي يمكن أن يشكل عاملا مؤثرا في مواجهة سياسات فرض الأمر الواقع.
لكن مستقبل المنطقة، بحسب تقدير شحادة، يبقى قاتما إذا استمرت إسرائيل في نهج توسيع الاحتلال والاعتماد على القوة العسكرية، لأن ذلك يعني استمرار دائرة الصراع بدلا من إنهائها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك