أستاذ جامعي في مجال الصحة العامةالمدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدراتالمدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبياناتالحوكمة الصحية في السودان تُعد إطاراً تحليلياً وتطبيقياً شاملاً يحدد كيفية تنظيم النظام الصحي وتوجيهه ومساءلته وإدارته في سياق دولة خارجة من نزاعات طويلة الأمد وتراكمات مؤسسية وسياسية معقدة.
وينطلق التحليل من أن ضعف النظم الصحية في السودان لا يعود فقط إلى نقص التمويل أو ضعف البنية التحتية، بل يرتبط بشكل أعمق بهشاشة الحوكمة نفسها، بما في ذلك ضعف المؤسسات، وتعدد مراكز القرار، وغياب المساءلة الفعالة، وضعف التنسيق بين المستويات المختلفة للنظام الصحي.
وتُفهم الحوكمة الصحية هنا باعتبارها منظومة شاملة تتجاوز الإدارة اليومية أو التمويل أو الرقمنة، لتشمل البنية التي تحدد كيفية اتخاذ القرار الصحي، وتوزيع الموارد، وتحديد الأولويات، وضبط العلاقة بين الدولة ومقدمي الخدمات والمجتمع والقطاع الخاص والمانحين.
وهي الإطار الذي يحدد أداء النظام الصحي من حيث الكفاءة والعدالة والاستجابة والقدرة على الصمود.
ويقوم التحليل المفاهيمي على ثلاثة مستويات مترابطة.
يتمثل المستوى الأول في الحوكمة كنظام يتضمن وضع السياسات الصحية، وتوجيه القطاع الصحي، والإشراف على الأداء، وضمان المساءلة المؤسسية.
ويتمثل المستوى الثاني في الحوكمة كعملية تشمل صنع القرار الصحي، وتوزيع السلطة بين المستويات المختلفة، وإدارة المصالح المتنافسة، وإشراك أصحاب المصلحة في تحديد الأولويات وتنفيذ السياسات.
أما المستوى الثالث فيتمثل في الحوكمة كعلاقة بين الفاعلين داخل النظام الصحي، بما يشمل الدولة ومقدمي الخدمات والمجتمع والقطاع الخاص والمانحين، حيث تتشكل شبكة معقدة من التفاعلات تؤثر في النتائج الصحية.
ويؤكد التحليل أن هذه الأبعاد لا تعمل بمعزل عن السياق، بل تتأثر بالبنية السياسية للدولة، ومستوى الاستقرار، وقوة المؤسسات، وطبيعة العلاقة بين المركز والولايات، ومدى تطور المجتمع المدني، وقدرة الجهاز الإداري على التنفيذ والرقابة.
وتتجسد المكونات الأساسية للحوكمة الصحية في عدة عناصر مترابطة.
تشمل الرؤية الاستراتيجية التي تحدد الأولويات الوطنية وتوجه التخطيط طويل المدى وربط الصحة بالتنمية.
وتشمل المساءلة بمستوياتها السياسية والإدارية والاجتماعية والمالية، بما يضمن محاسبة الفاعلين على القرارات والموارد والنتائج.
كما تشمل الشفافية عبر إتاحة المعلومات ونشر البيانات الصحية وضمان شفافية المشتريات وتقليل الفساد.
وتبرز سيادة القانون من خلال القوانين واللوائح والأجهزة الرقابية المستقلة.
كما تتضمن الحوكمة الصحية المشاركة المجتمعية التي تعزز شرعية النظام الصحي عبر إشراك المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية في التخطيط والرقابة.
وتشمل كذلك العدالة والإنصاف في توزيع الخدمات الصحية جغرافياً واجتماعياً وجندرياً.
إضافة إلى مكافحة الفساد في مجالات الأدوية والتوظيف والعقود والإحالات، باعتبارها جزءاً من سلامة النظام الصحي واستدامته.
وفي المقابل، يوضح التحليل أن الحوكمة الصحية ليست الإدارة التشغيلية للمؤسسات الصحية ولا إدارة الموارد البشرية أو تنفيذ الخطط اليومية، بل هي الإطار الذي يحدد الاتجاه العام ويضع قواعد العمل ويضمن المساءلة.
كما أنها ليست التمويل الصحي، بل المنظومة التي تحدد كيفية جمعه وتوزيعه.
وليست الرقمنة الصحية رغم أهميتها، بل الإطار الذي ينظم استخدامها.
وليست مجرد مكافحة للفساد، بل منظومة أشمل لضبط السلطة.
وليست مركزية مطلقة، ولا مجرد قوانين دون قدرة تنفيذية.
ويعرض التحليل النماذج العالمية للحوكمة الصحية بوصفها ثلاثة أنماط رئيسية.
النموذج المركزي الذي يركز السلطة في الدولة ويحقق توحيد السياسات وسرعة التنفيذ، لكنه قد يضعف المشاركة والمرونة.
والنموذج اللامركزي الذي يوزع السلطة على المستويات المحلية ويعزز الاستجابة، لكنه قد يؤدي إلى تفاوت في الخدمات وضعف التنسيق.
والنموذج التشاركي الذي يوسع دائرة الفاعلين ويعزز الشرعية، لكنه يزيد التعقيد وبطء اتخاذ القرار.
وتُظهر التجارب الدولية أن معظم الدول تعتمد نماذج هجينة تجمع بين هذه العناصر.
وفي السياق السوداني، يُطرح تصور لنموذج ما بعد الحرب يقوم على حوكمة هجينة تجمع بين قيادة وطنية قوية ولامركزية تنفيذية مسؤولة ومشاركة مجتمعية فاعلة.
ويشمل ذلك وجود وزارة صحة اتحادية تضطلع بوضع السياسات والمعايير، مقابل تفويض صلاحيات تنفيذية للولايات والمحليات، مع إنشاء مجالس صحية متعددة المستويات، إلى جانب آليات مستقلة للرقابة والتقييم، ونظم تنسيق بين الدولة والمانحين والجهات الإنسانية.
ويتم تناول الحوكمة الصحية في سياق الهشاشة والصراعات باعتبارها مرتبطة بضعف المؤسسات، والنزوح، والاعتماد على المساعدات الخارجية.
وفي حالات النزاع تبرز أولوية الحفاظ على الخدمات الأساسية وحماية الكوادر الصحية وتنسيق التدخلات.
أما في مرحلة ما بعد النزاع فتتمثل الأولويات في إعادة بناء الثقة، وإصلاح المؤسسات، وتعزيز الشرعية السياسية والاجتماعية للنظام الصحي.
ويستعرض التحليل تطور الحوكمة الصحية في السودان عبر مراحل تاريخية متعاقبة، وصولاً إلى الوضع الراهن الذي يتميز بتشظي مؤسسي وضعف تنسيق وتدهور في الأداء الصحي.
كما يحدد أبرز التحديات في ضعف التنسيق، وتداخل الاختصاصات، ومحدودية التمويل، وعدم الاستقرار السياسي، وتسييس الخدمة المدنية، وضعف المشاركة المجتمعية، إضافة إلى فجوات جوهرية في المساءلة والشفافية والبيانات والقدرات المؤسسية.
ويُقترح بناء مؤسسات رئيسية للحوكمة الصحية تشمل مجلساً وطنياً أعلى، وهيئة للجودة، وهيئة للمعلومات الصحية، إلى جانب مجالس ولائية ومحلية ومجالس مجتمعية.
كما تُستخلص دروس من تجارب الدول الخارجة من النزاعات تؤكد أهمية بناء الشرعية المؤسسية قبل التوسع في الخدمات، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتطبيق اللامركزية التدريجية، وضبط التمويل الخارجي، وتوحيد نظم المعلومات، والاستثمار في القدرات الإدارية.
ويُختتم الإطار المقترح بالاعتماد على خمس ركائز مترابطة هي القيادة الاستراتيجية، والمساءلة والشفافية، والمشاركة المجتمعية، والحوكمة الرقمية، والمرونة والصمود، بما يشكل منظومة متكاملة قادرة على دعم الأداء الصحي في بيئة معقدة وهشة.
ويخلص التحليل إلى أن إصلاح النظام الصحي في السودان لا يمكن أن يتحقق عبر التدخلات الجزئية أو عبر التمويل أو البنية التحتية وحدها، بل يتطلب إصلاحاً جذرياً في الحوكمة باعتبارها المدخل الأساسي لأي تحول مستدام.
كما أن هذا الإصلاح يتجاوز القطاع الصحي ليشكل جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة وتعزيز الاستقرار وترسيخ السلام والتنمية.
شهد مفهوم الحوكمة الصحية تطوراً ملحوظاً خلال العقود الثلاثة الماضية، متزامناً مع التحولات التي شهدتها النظم الصحية عالمياً وانتقال الاهتمام من التركيز الحصري على المدخلات والخدمات الصحية إلى الاهتمام بكيفية اتخاذ القرارات وتوزيع السلطة وإدارة الموارد والمسؤوليات داخل القطاع الصحي.
وقد أسهمت الأدبيات المتعلقة بالسياسات الصحية والنظم الصحية في توسيع مفهوم الحوكمة ليشمل العمليات والمؤسسات والعلاقات التي تحدد كيفية صياغة السياسات الصحية وتنفيذها ومراقبتها وتقييمها (Travis وآخرون، 2002؛ Siddiqi وآخرون، 2009).
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، ازدادت أهمية الحوكمة الصحية نتيجة التحديات المرتبطة بالعولمة والأوبئة العابرة للحدود وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وتزايد المطالب بتحقيق العدالة والكفاءة والمساءلة في تقديم الخدمات الصحية.
وأصبح ينظر إلى الحوكمة باعتبارها عاملاً حاسماً يفسر الاختلافات في أداء النظم الصحية حتى بين الدول التي تمتلك مستويات متقاربة من الموارد الاقتصادية والإنفاق الصحي (Savedoff، 2011؛ Fryatt وآخرون، 2017).
وقد كرّست منظمة الصحة العالمية هذا التوجه عندما أدرجت القيادة والحوكمة ضمن اللبنات الأساسية الست للنظم الصحية، إلى جانب تقديم الخدمات الصحية والقوى العاملة الصحية ونظم المعلومات الصحية والأدوية والتقنيات الصحية والتمويل الصحي (World Health Organization، 2007).
ويعكس هذا الإدراج إدراكاً متزايداً بأن نجاح أي إصلاح صحي لا يعتمد فقط على حجم الموارد المتاحة، بل يعتمد كذلك على جودة المؤسسات وآليات صنع القرار والقدرة على التنسيق والمساءلة.
كما ترتبط الحوكمة الصحية ارتباطاً وثيقاً بتحقيق التغطية الصحية الشاملة، إذ تسهم في تحديد الأولويات الصحية وتخصيص الموارد بصورة عادلة ومراقبة الأداء وضمان الاستجابة لاحتياجات السكان، مما يساعد على توسيع الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية وتقليل الفوارق الصحية بين الفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية المختلفة (Kieny وآخرون، 2017؛ World Health Organization، 2021).
كذلك برزت أهمية الحوكمة الصحية في تعزيز الأمن الصحي العالمي، خاصة بعد أزمات صحية كبرى مثل جائحة الإنفلونزا ومتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم وجائحة كوفيد-19، حيث أظهرت التجارب الدولية أن فعالية الاستجابة للأزمات تعتمد بدرجة كبيرة على كفاءة المؤسسات وقدرتها على التنسيق واتخاذ القرارات المبنية على الأدلة وتعزيز ثقة المواطنين (Greer وآخرون، 2022).
يواجه النظام الصحي السوداني تحديات تاريخية معقدة ومتراكمة تعود إلى عقود طويلة من ضعف الاستثمار في القطاع الصحي والتفاوت التنموي بين الأقاليم وعدم الاستقرار السياسي والمؤسسي.
وقد انعكست هذه العوامل على قدرة النظام الصحي في توفير خدمات صحية عادلة وفعالة ومستدامة لجميع المواطنين، خصوصاً في المناطق الريفية والهامشية والمتأثرة بالنزاعات (Bousquet وآخرون، 2021).
وقد أدت الصراعات المسلحة المتكررة في السودان إلى إضعاف البنية التحتية الصحية ونزوح الملايين وتراجع القدرات المؤسسية والمالية للقطاع الصحي، فضلاً عن تعطيل الخدمات الأساسية وتدهور أوضاع القوى العاملة الصحية.
كما ساهم عدم الاستقرار السياسي وتكرار التحولات الحكومية في إضعاف استمرارية السياسات الصحية وتعقيد عمليات التخطيط والتنفيذ والمتابعة (Eldon وآخرون، 2008؛ Abimbola وآخرون، 2017).
ومن بين التحديات البارزة التي تواجه النظام الصحي السوداني تعدد مراكز اتخاذ القرار وتداخل الاختصاصات بين المستويات الاتحادية والولائية والمحلية، إضافة إلى ضعف آليات التنسيق والمساءلة والرقابة.
وقد أدى ذلك إلى ظهور فجوات مؤسسية أثرت سلباً على كفاءة تخصيص الموارد وتنفيذ السياسات الصحية ومتابعة الأداء وتحقيق العدالة في توزيع الخدمات الصحية (Bossert وMitchell، 2011).
وفي ظل الظروف التي يمر بها السودان حالياً، تبرز الحوكمة الصحية باعتبارها إحدى القضايا المركزية في جهود إعادة البناء والتعافي بعد الحرب.
فإعادة تأهيل المستشفيات والمرافق الصحية وتوفير التمويل والمعدات تمثل عناصر مهمة، لكنها لن تكون كافية ما لم تترافق مع إصلاحات مؤسسية تعزز الشفافية والمساءلة والمشاركة المجتمعية وتدعم بناء مؤسسات صحية قادرة على الصمود والاستجابة للاحتياجات المتغيرة للسكان (Kruk وآخرون، 2015؛ World Health Organization، 2023).
يسعى هذا المقال إلى تقديم تحليل نقدي لمفهوم الحوكمة الصحية وأبعاده المختلفة، مع التركيز على أهميته بالنسبة لإصلاح النظام الصحي السوداني في مرحلة ما بعد الحرب.
وينطلق المقال من ثلاثة أسئلة رئيسية:يهدف المقال إلى توضيح مفهوم الحوكمة الصحية كما ورد في الأدبيات العلمية المعاصرة، وتحليل مكوناتها الأساسية ووظائفها وعلاقتها بأداء النظم الصحية.
ما الذي لا يُعد حوكمة صحية؟يهدف المقال إلى التمييز بين الحوكمة الصحية والمفاهيم القريبة منها مثل الإدارة الصحية والتمويل الصحي والرقمنة الصحية، وتوضيح الحدود الفاصلة بينها.
ما الدروس التي يمكن للسودان الاستفادة منها؟يهدف المقال إلى استخلاص الدروس المستفادة من التجارب الدولية ومن الأدبيات المتعلقة بالنظم الصحية في الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات، وبيان كيفية توظيف هذه الدروس في إصلاح النظام الصحي السوداني وتعزيز قدرته على التعافي والاستدامة.
الإطار المفاهيمي للحوكمة الصحيةيشكل الإطار المفاهيمي للحوكمة الصحية الأساس النظري الذي يمكن من خلاله فهم طبيعة الحوكمة ووظائفها وأدوارها داخل النظم الصحية.
وقد شهد هذا المفهوم تطوراً ملحوظاً خلال العقود الماضية، حيث انتقل من التركيز على الهياكل الرسمية والمؤسسات الحكومية إلى الاهتمام بالعلاقات بين الفاعلين المختلفين وآليات صنع القرار والمساءلة والتنسيق.
كما أصبحت الحوكمة الصحية تمثل أحد المحاور الأساسية في تحليل أداء النظم الصحية وفاعلية الإصلاحات الصحية وتحقيق الأهداف الصحية الوطنية والعالمية.
تعريف الحوكمة والحوكمة الصحيةتُعد الحوكمة من المفاهيم المركزية في أدبيات التنمية والإدارة العامة والعلوم السياسية والاقتصاد السياسي، وقد اكتسبت هذا الموقع نتيجة اتساع نطاق استخدامها لتفسير كيفية عمل الدولة والمؤسسات العامة والخاصة، وكيفية إدارة الموارد العامة، وكيفية تنظيم العلاقات بين الفاعلين داخل المجتمع.
وقد تعددت تعريفاتها بشكل كبير تبعاً لاختلاف المدارس الفكرية والمقاربات التحليلية التي تناولتها المؤسسات الدولية، إلا أن هناك قدراً من التقاطع المفاهيمي يتمثل في التركيز على السلطة، والمؤسسات، وآليات اتخاذ القرار، والمساءلة، والقدرة على تنفيذ السياسات العامة.
تعرف الحوكمة في أدبيات البنك الدولي بأنها الطريقة التي تُمارس بها السلطة في إدارة الموارد الاقتصادية والاجتماعية والتنموية في الدولة، بما يشمل آليات اختيار الحكومات ومراقبتها واستبدالها، وقدرتها على صياغة وتنفيذ السياسات العامة بفعالية، إضافة إلى جودة المؤسسات التي تدير التفاعلات بين الفاعلين المختلفين في المجتمع، سواء كانوا مؤسسات حكومية أو فاعلين من القطاع الخاص أو المجتمع المدني أو شركاء دوليين.
كما يتضمن هذا التعريف البعد المؤسسي الذي يركز على مدى قدرة الدولة على فرض القوانين واللوائح، وضمان الامتثال، وتقليل الفساد، وتحسين كفاءة استخدام الموارد العامة، بما ينعكس مباشرة على نتائج التنمية الاقتصادية والاجتماعية وعلى جودة الخدمات العامة المقدمة للمواطنين (World Bank، 1992).
ويضيف هذا التصور أيضاً أن الحوكمة ليست مجرد بنية قانونية أو إدارية، بل هي منظومة ديناميكية تشمل التفاعل المستمر بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وقدرة النظام السياسي على تحقيق الاستقرار السياسي، وضمان التمثيل العادل للمصالح المختلفة داخل المجتمع، وتوفير بيئة تسمح بتدفق المعلومات والشفافية والمساءلة.
كما يرتبط هذا التعريف ارتباطاً وثيقاً بمفهوم “فعالية الدولة” و”جودة المؤسسات”، حيث يُنظر إلى الحوكمة باعتبارها العامل الحاسم في تفسير الفروق بين الدول من حيث الأداء التنموي بغض النظر عن مستوى الدخل أو الموارد الطبيعية.
أما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فيعرف الحوكمة بأنها ممارسة السلطة الاقتصادية والسياسية والإدارية لإدارة شؤون الدولة على جميع المستويات، وتشمل الآليات والعمليات والمؤسسات التي يتم من خلالها التعبير عن المصالح وممارسة الحقوق وإدارة الاختلافات بين الفاعلين الاجتماعيين، مع التأكيد على مبادئ المشاركة والشفافية والمساءلة وسيادة القانون.
ويضيف هذا التعريف بعداً معيارياً واضحاً، حيث لا يقتصر على وصف كيفية ممارسة السلطة، بل يتضمن أيضاً معايير “الحوكمة الجيدة” التي ترتكز على العدالة، والتمثيل، والفعالية، والاستجابة لاحتياجات المواطنين، واحترام حقوق الإنسان، وضمان تكافؤ الفرص في الوصول إلى الموارد والخدمات العامة (UNDP، 1997).
كما يوسع هذا التصور نطاق الحوكمة ليشمل المستويات المحلية والإقليمية، وليس فقط المستوى الوطني، ويؤكد على أن الحوكمة ليست حكراً على الدولة، بل هي عملية تشاركية تشمل مجموعة واسعة من الفاعلين، بما في ذلك المجتمع المدني والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية.
وبهذا المعنى تصبح الحوكمة إطاراً تحليلياً لفهم كيفية إدارة التفاعلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية داخل الدولة، وكيفية تحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسات عامة قابلة للتنفيذ، وكيفية مراقبة هذه السياسات وتقييمها وتصحيحها عند الضرورة.
وتتبنى منظمة الصحة العالمية تعريفاً يرتبط بالقطاع الصحي تحديداً، حيث تشير إلى الحوكمة باعتبارها الوظيفة التي من خلالها تضع الحكومات والشركاء السياسات الصحية وتنفذها وتضمن الإشراف الفعال على النظام الصحي، مع تعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين وتحقيق الأهداف الصحية الوطنية.
ويركز هذا التعريف على البعد العملي التطبيقي للحوكمة داخل النظام الصحي، ويعتبرها وظيفة قيادية عليا تشمل التخطيط الاستراتيجي، ووضع الأولويات الصحية، وتوزيع الموارد، وتنظيم العلاقة بين مقدمي الخدمات الصحية والجهات التنظيمية والتمويلية، وضمان الجودة والسلامة، ومراقبة الأداء، وتعزيز الشفافية والمساءلة داخل النظام الصحي (World Health Organization، 2007).
كما يربط هذا التصور بين الحوكمة الصحية وبين قدرة النظام الصحي على تحقيق النتائج الصحية المرجوة، مثل تحسين المؤشرات الصحية الأساسية، وتقليل الفوارق الصحية، وتعزيز العدالة في توزيع الخدمات، والاستجابة للأوبئة والطوارئ الصحية، وبناء نظم صحية مرنة وقادرة على الصمود.
وبالتالي فإن الحوكمة في هذا السياق لا تُفهم باعتبارها وظيفة إدارية فقط، بل باعتبارها إطاراً شاملاً يحدد كيفية عمل النظام الصحي ككل.
تُفهم الحوكمة الصحية كنظام متكامل ومعقد من الوظائف والهياكل والمؤسسات والقواعد التي تهدف إلى ضمان أداء النظام الصحي بكفاءة وعدالة واستدامة، وهي بذلك تمثل الإطار العام الذي يحدد كيفية عمل النظام الصحي ككل وليس فقط أحد مكوناته.
ويتضمن هذا النظام مجموعة مترابطة من الوظائف الأساسية التي لا يمكن فصلها عملياً، حيث يعتمد بعضها على بعض في تحقيق الأهداف النهائية للنظام الصحي.
وضع السياسات: ويشمل ذلك تحديد الأولويات الصحية الوطنية بناءً على عبء المرض واحتياجات السكان والموارد المتاحة، وترجمتها إلى سياسات عامة واستراتيجيات وخطط تنفيذية واضحة، مع تحديد الأهداف قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، وضمان توافق هذه السياسات مع الخطط التنموية العامة للدولة ومع الالتزامات الدولية ذات الصلة.
كما يتضمن هذا البعد عمليات التحليل والتخطيط المبني على الأدلة، وتحديد الفجوات في النظام الصحي، ووضع آليات لتقييم السياسات وتحديثها بشكل دوري (World Health Organization، 2007).
توجيه القطاع الصحي: ويقصد به رسم الاتجاهات الاستراتيجية للنظام الصحي وتحديد الإطار العام الذي تعمل ضمنه جميع المؤسسات الصحية، بما في ذلك تحديد دور الدولة مقابل القطاع الخاص، وتحديد أولويات الاستثمار الصحي، وتوجيه الموارد البشرية والمالية والتقنية نحو المجالات ذات الأولوية، وضمان الاتساق بين السياسات الصحية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى.
كما يشمل هذا الدور بناء رؤية وطنية موحدة للصحة تتجاوز التغيرات السياسية قصيرة المدى وتضمن الاستمرارية المؤسسية.
الإشراف والتنظيم: ويشمل وضع القوانين واللوائح والمعايير التي تنظم عمل المؤسسات الصحية ومقدمي الخدمات الصحية، سواء في القطاع العام أو الخاص، وضمان الالتزام بمعايير الجودة والسلامة، وتنظيم ترخيص المهن الصحية، ومراقبة أداء المؤسسات الصحية، وضبط سوق الأدوية والتقنيات الطبية، ومنع الممارسات غير القانونية أو غير الأخلاقية داخل النظام الصحي.
كما يشمل هذا البعد إنشاء هيئات تنظيمية مستقلة قادرة على فرض الامتثال وتطبيق العقوبات عند الضرورة.
المساءلة: وتشمل إنشاء منظومات متعددة المستويات للمساءلة السياسية والإدارية والمالية والمجتمعية، تهدف إلى ضمان التزام جميع الفاعلين في النظام الصحي بالسياسات والمعايير المعتمدة، وضمان استخدام الموارد العامة بكفاءة وشفافية، وتوفير آليات لمراجعة الأداء وتصحيح الانحرافات.
كما تشمل تعزيز دور البرلمان والأجهزة الرقابية والمجتمع المدني والإعلام في مراقبة أداء النظام الصحي.
كما تُفهم الحوكمة الصحية بوصفها عملية ديناميكية مستمرة ومعقدة تتعلق بكيفية اتخاذ القرارات داخل النظام الصحي وتوزيع السلطة بين الفاعلين المختلفين وإدارة العلاقات بينهم، وهي عملية لا تحدث مرة واحدة بل تتجدد باستمرار مع تغير السياقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والصحية.
وتشمل هذه العملية عدة أبعاد مترابطة.
صنع القرار: ويشير إلى العمليات المؤسسية والسياسية والفنية التي يتم من خلالها تحديد السياسات الصحية على مختلف المستويات، بما في ذلك المستوى الوطني والولائي والمحلي، مع مراعاة الأدلة العلمية، والموارد المتاحة، والاحتياجات الصحية للسكان، والضغوط السياسية والاجتماعية المختلفة (World Health Organization، 2007).
توزيع السلطة: ويعني كيفية توزيع الصلاحيات والمسؤوليات بين المستويات المختلفة للنظام الصحي، سواء بين الحكومة المركزية والولايات أو بين القطاع العام والخاص، أو بين المؤسسات التنظيمية والتنفيذية، بما يحقق التوازن بين الوحدة الوطنية والمرونة المحلية، ويمنع التركز المفرط للسلطة أو تشتتها بشكل يضعف الأداء.
إدارة المصالح المتنافسة: ويشير إلى القدرة على التعامل مع التباينات بين مصالح الفاعلين المختلفين داخل النظام الصحي، بما في ذلك الحكومة التي تسعى لتحقيق الكفاءة والعدالة، ومقدمي الخدمات الذين يسعون لتحقيق الاستدامة المالية، والمجتمع الذي يسعى للحصول على خدمات عادلة وميسورة، والقطاع الخاص الذي يسعى للربحية، والمانحين الذين لديهم أولويات تمويلية مختلفة.
وتتطلب هذه العملية آليات تفاوض وتنسيق وحوكمة فعالة لتقليل النزاعات وتحقيق التوازن.
إشراك أصحاب المصلحة: ويعني إدماج مختلف الفاعلين في عمليات التخطيط واتخاذ القرار والتنفيذ والتقييم، بما في ذلك المجتمع المدني، والمجتمعات المحلية، والمهنيين الصحيين، والقطاع الخاص، والشركاء الدوليين، وذلك لتعزيز الشرعية الاجتماعية للسياسات الصحية وتحسين فعاليتها وزيادة مستوى الالتزام بها (Siddiqi، 2009).
إضافة إلى كونها نظاماً وعملية، تُفهم الحوكمة الصحية أيضاً باعتبارها شبكة معقدة من العلاقات التفاعلية والمستمرة بين الفاعلين داخل النظام الصحي، حيث لا تعمل أي جهة بمعزل عن الأخرى، بل تتداخل الأدوار والمسؤوليات بشكل يجعل الحوكمة نتيجة لهذه التفاعلات أكثر من كونها قراراً مركزياً منفرداً.
الدولة: وتمثل الجهة الأساسية المسؤولة عن وضع السياسات الصحية العامة، وتنظيم القطاع الصحي، وتوفير التمويل الأساسي، وضمان العدالة في توزيع الخدمات، وحماية الصحة العامة، والتنسيق بين مختلف الفاعلين داخل النظام الصحي (World Bank، 1992).
مقدمو الخدمات: ويشملون المؤسسات الصحية الحكومية والخاصة وغير الحكومية، وهم الجهة التي تقدم الخدمات الصحية المباشرة للسكان، وتلعب دوراً محورياً في تحقيق أهداف النظام الصحي، وتخضع لآليات تنظيم ورقابة ضمن إطار الحوكمة الصحية.
المجتمع: ويشمل الأفراد والمجتمعات المحلية باعتبارهم المستفيدين الأساسيين من النظام الصحي، وكذلك مشاركين في صنع القرار من خلال آليات المشاركة المجتمعية، والمساءلة الاجتماعية، وتحديد الأولويات الصحية على المستوى المحلي.
القطاع الخاص: ويشارك في تقديم الخدمات الصحية وتمويلها وإدارتها في بعض الحالات، ويؤثر على ديناميكيات النظام الصحي من خلال الاستثمار، وتوفير الخدمات، والتنافسية، والتكامل مع القطاع العام.
المانحون: وهم الجهات الدولية والإقليمية التي تقدم الدعم المالي والفني للنظم الصحية، خاصة في السياقات منخفضة الدخل أو المتأثرة بالنزاعات، ويؤثرون على أولويات التمويل وتوجهات السياسات الصحية من خلال برامج الدعم والمشاريع الصحية (World Health Organization، 2007).
المكونات الأساسية للحوكمة الصحيةتُعد الحوكمة الصحية إطاراً مركباً يتكون من مجموعة من المكونات المترابطة التي تحدد كيفية عمل النظام الصحي وتؤثر على أدائه الكلي من حيث الكفاءة والعدالة والاستدامة.
وقد طورت الأدبيات العالمية حول النظم الصحية تصورات متعددة لهذه المكونات، إلا أنها تتفق في جوهرها على أن الحوكمة الجيدة تتطلب وجود رؤية استراتيجية واضحة، وآليات مساءلة فعالة، وشفافية في المعلومات، وسيادة قانون، ومشاركة مجتمعية، وعدالة في توزيع الخدمات، ونظم فعالة لمكافحة الفساد (World Health Organization، 2007؛ Siddiqi، 2009؛ Travis وآخرون، 2002).
تُعد الرؤية الاستراتيجية الأساس الذي تُبنى عليه جميع مكونات الحوكمة الصحية الأخرى، إذ توفر الاتجاه العام الذي يسير فيه النظام الصحي وتضمن اتساق السياسات والبرامج مع الأهداف الوطنية طويلة المدى.
وتمثل الرؤية الاستراتيجية أداة لتوجيه الموارد المحدودة نحو الأولويات الأكثر إلحاحاً، خاصة في البيئات التي تعاني من ضعف الموارد أو تعدد الأزمات الصحية.
تحديد الأولويات الوطنية: ويعني ذلك وضع قائمة منظمة بالقضايا الصحية الأكثر أهمية بناءً على عبء المرض، والاحتياجات السكانية، والفجوات في تقديم الخدمات الصحية، مع مراعاة التفاوتات الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية.
كما يعتمد هذا التحديد على الأدلة العلمية والبيانات الصحية الموثوقة، وليس على الاعتبارات السياسية أو الضغوط قصيرة المدى.
التخطيط طويل المدى: ويشير إلى تطوير استراتيجيات صحية تمتد لسنوات متعددة تهدف إلى بناء نظام صحي مستدام، يشمل تطوير البنية التحتية الصحية، وتعزيز الموارد البشرية، وتحسين نظم التمويل الصحي، وتطوير نظم المعلومات الصحية، وضمان استمرارية السياسات الصحية رغم تغير الحكومات أو الظروف السياسية (World Health Organization، 2007).
تُعد المساءلة من الركائز الأساسية للحوكمة الصحية، إذ تعني وجود آليات مؤسسية وقانونية واجتماعية تضمن خضوع جميع الفاعلين في النظام الصحي للمراجعة والمحاسبة على قراراتهم وأفعالهم.
وتُسهم المساءلة في تعزيز الثقة في النظام الصحي وتحسين كفاءته وتقليل الفساد وسوء الاستخدام.
المساءلة السياسية: وتشير إلى خضوع صناع القرار الصحي للمحاسبة أمام المؤسسات التشريعية والسلطات المنتخبة، بما يضمن توافق السياسات الصحية مع المصلحة العامة.
المساءلة الإدارية: وتتعلق بمراقبة أداء الموظفين والمؤسسات الصحية من خلال أنظمة داخلية وخارجية تضمن الالتزام بالقوانين والسياسات والمعايير المهنية.
المساءلة الاجتماعية: وتشمل دور المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمجتمعات المحلية في مراقبة أداء النظام الصحي والتعبير عن الاحتياجات الصحية للمواطنين.
المساءلة المالية: وترتبط بضمان الاستخدام الرشيد للموارد المالية العامة في القطاع الصحي، والحد من الهدر والفساد، وتعزيز الشفافية في الإنفاق الصحي (Siddiqi، 2009).
تُعد الشفافية شرطاً أساسياً للحكم الرشيد في القطاع الصحي، إذ تتيح للمواطنين وأصحاب المصلحة الوصول إلى المعلومات الضرورية لفهم كيفية عمل النظام الصحي وتقييم أدائه.
كما تسهم الشفافية في تعزيز المساءلة وتقليل الفساد وتحسين الثقة العامة.
إتاحة المعلومات: ويعني توفير معلومات واضحة ومحدثة حول السياسات الصحية، والميزانيات، والخطط الاستراتيجية، وهيكل النظام الصحي.
نشر البيانات الصحية: ويشمل جمع وتحليل ونشر البيانات الوبائية والإحصائية المتعلقة بالأمراض والخدمات الصحية والمؤشرات الصحية الأساسية، بما يدعم التخطيط المبني على الأدلة.
شفافية المشتريات: وتشير إلى وضوح الإجراءات المتعلقة بشراء الأدوية والمعدات والخدمات الصحية، بما في ذلك العطاءات والعقود وأسعار الشراء، بهدف تقليل الفساد وتحسين الكفاءة (World Health Organization، 2007).
تُعد سيادة القانون أساساً تنظيمياً ضرورياً لعمل النظام الصحي، إذ تضمن أن جميع الفاعلين داخل النظام الصحي يخضعون لإطار قانوني واضح وملزم، بما يعزز العدالة والإنصاف ويحد من التعسف وسوء الإدارة.
القوانين الصحية: وتشمل التشريعات التي تنظم تقديم الخدمات الصحية، وتنظيم المهن الصحية، وحماية حقوق المرضى، وضبط جودة الخدمات.
اللوائح التنظيمية: وهي القواعد التنفيذية التي تحدد كيفية تطبيق القوانين الصحية على أرض الواقع، بما في ذلك معايير الجودة والسلامة والاعتماد.
استقلال الأجهزة الرقابية: ويعني وجود مؤسسات رقابية مستقلة قادرة على مراقبة النظام الصحي دون تدخل سياسي، بما يضمن النزاهة والحياد في التقييم والرقابة.
تُعد المشاركة المجتمعية من العناصر الجوهرية التي تعزز شرعية النظام الصحي وتزيد من فعاليته، إذ تسمح بإدماج احتياجات المواطنين في عملية صنع القرار الصحي.
المجتمعات المحلية: وتشارك في تحديد الأولويات الصحية المحلية وتقييم جودة الخدمات الصحية.
منظمات المجتمع المدني: وتقوم بدور رقابي وخدمي في بعض الحالات، وتسهم في الدفاع عن حقوق المرضى.
النقابات المهنية: وتشارك في تطوير السياسات المهنية وتحسين بيئة العمل وضمان جودة الأداء الصحي.
يشكل مبدأ العدالة والإنصاف أحد الأسس الأخلاقية والعملية للحوكمة الصحية، ويهدف إلى ضمان توزيع عادل للموارد والخدمات الصحية بين جميع السكان.
العدالة الجغرافية: وتقصد تقليل الفجوات في الوصول إلى الخدمات الصحية بين المناطق المختلفة.
العدالة الاجتماعية: وتعني ضمان حصول الفئات الفقيرة والهشة على الخدمات الصحية دون عوائق مالية أو اجتماعية.
العدالة بين الجنسين: وتشير إلى ضمان تكافؤ الفرص بين الرجال والنساء في الوصول إلى الخدمات الصحية والاستفادة منها (World Health Organization، 2007).
تُعد مكافحة الفساد عنصراً محورياً في الحوكمة الصحية نظراً لتأثيره المباشر على كفاءة النظام الصحي وعدالته واستدامته.
ويظهر الفساد في القطاع الصحي في عدة أشكال مترابطة تؤثر على جميع مستويات النظام.
الفساد في شراء الأدوية: ويشمل التلاعب في العقود وارتفاع الأسعار وشراء أدوية غير مطابقة للمواصفات.
الفساد في التوظيف: ويشمل المحسوبية والواسطة في التعيينات والترقيات، مما يؤثر على كفاءة القوى العاملة الصحية.
الفساد في الإحالات والعقود: ويشمل توجيه المرضى أو الخدمات نحو جهات معينة مقابل مصالح شخصية أو مالية، إضافة إلى التلاعب في العقود الصحية (Siddiqi، 2009).
يُعد فهم ما لا تمثله الحوكمة الصحية أمراً أساسياً لتجنب الخلط المفاهيمي الشائع في أدبيات النظم الصحية وفي الممارسة العملية، حيث يتم في كثير من الأحيان اختزال الحوكمة في الإدارة أو التمويل أو الرقمنة أو مكافحة الفساد فقط، بينما هي في الواقع مفهوم أوسع وأكثر تركيباً يشمل أبعاداً سياسية ومؤسسية وتنظيمية وعلاقية متداخلة (World Health Organization، 2007؛ Siddiqi، 2009).
4.
1 الحوكمة الصحية ليست الإدارة الصحيةتختلف الحوكمة الصحية عن الإدارة الصحية من حيث المستوى الوظيفي وطبيعة الدور، إذ تركز الإدارة الصحية على التشغيل اليومي للمؤسسات الصحية، بينما تركز الحوكمة على الإطار الكلي الذي يحدد اتجاه النظام الصحي ويضبط عمله.
تشغيل المؤسسات: وتشمل إدارة المستشفيات والمراكز الصحية والبرامج الصحية اليومية وضمان سير العمل التشغيلي.
إدارة الموارد البشرية: وتشمل التوظيف، والتدريب، وتوزيع الكوادر الصحية، وإدارة الأداء الوظيفي.
تنفيذ الخطط: أي تحويل الخطط والسياسات إلى أنشطة تشغيلية داخل المؤسسات الصحية.
في المقابل، تركز الحوكمة الصحية على مستوى أعلى من التنظيم المؤسسي والسياسي:تحديد الاتجاه: أي وضع الرؤية العامة والأهداف الاستراتيجية للنظام الصحي على المستوى الوطني.
الرقابة: أي متابعة أداء النظام الصحي ككل وليس فقط المؤسسات الفردية.
المساءلة: أي ضمان خضوع جميع الفاعلين الصحيين للمحاسبة وفق أطر قانونية ومؤسسية واضحة (Travis وآخرون، 2002).
4.
2 الحوكمة الصحية ليست التمويل الصحييُعد التمويل الصحي أحد مكونات النظام الصحي، لكنه ليس مرادفاً للحوكمة الصحية.
فالتمويل يتعلق بكيفية جمع الموارد وتخصيصها وإنفاقها، بينما تتعلق الحوكمة بالقواعد التي تحكم هذه العمليات.
الحوكمة تحدد قواعد التمويل: أي أنها تضع الإطار المؤسسي والقانوني الذي ينظم كيفية جمع الأموال الصحية وتوزيعها وإنفاقها.
التمويل أداة من أدوات النظام الصحي: يستخدم لتحقيق الأهداف الصحية ضمن إطار الحوكمة وليس بديلاً عنها (World Health Organization، 2007).
4.
3 الحوكمة الصحية ليست الرقمنة الصحيةمع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا الصحية والسجلات الإلكترونية، يحدث خلط بين الرقمنة والحوكمة، إلا أن الرقمنة تمثل أداة ضمن أدوات النظام الصحي وليست بديلاً عن الحوكمة.
السجلات الإلكترونية ليست حوكمة: فهي أدوات لتحسين جمع البيانات وتبادل المعلومات لكنها لا تحدد السياسات أو آليات المساءلة.
التكنولوجيا تحتاج إلى حوكمة: أي أن استخدام التكنولوجيا الصحية يجب أن يكون خاضعاً لقواعد تنظيمية وسياسات واضحة تحدد كيفية استخدامها وضمان أمن البيانات وجودتها وفعاليتها (World Health Organization، 2021).
4.
4 الحوكمة الصحية ليست مكافحة الفساد فقطرغم أن مكافحة الفساد تمثل عنصراً مهماً في الحوكمة الصحية، إلا أن اختزال الحوكمة فيها فقط يؤدي إلى فهم ناقص ومحدود للمفهوم.
مكافحة الفساد جزء من الحوكمة: إذ ترتبط بآليات المساءلة والشفافية والرقابة.
الحوكمة أوسع بكثير: فهي تشمل الرؤية الاستراتيجية، وصنع القرار، وتوزيع السلطة، وتنظيم العلاقات بين الفاعلين، وليس فقط ضبط السلوكيات غير القانونية (Siddiqi، 2009).
4.
5 الحوكمة الصحية ليست المركزية المطلقةلا تعني الحوكمة الصحية تركيز جميع السلطات في المركز، كما لا تعني الفوضى اللامركزية، بل تقوم على توزيع متوازن للسلطات.
أهمية اللامركزية الرشيدة: أي منح المستويات المحلية صلاحيات تنفيذية مع الحفاظ على وحدة السياسات العامة.
توزيع السلطات والمسؤوليات: بحيث يتم تحقيق توازن بين المركز والولايات لضمان الكفاءة والاستجابة المحلية (Bossert، 2011).
4.
6 الحوكمة الصحية ليست مجرد إصدار القوانينيُعد وجود القوانين الصحية شرطاً ضرورياً لكنه غير كافٍ لتحقيق الحوكمة الصحية الفعالة.
الفرق بين التشريع والتنفيذ: فالتشريع يضع القواعد، بينما التنفيذ يضمن تطبيقها على أرض الواقع.
أهمية المؤسسات القادرة على التطبيق: أي وجود أجهزة تنفيذية ورقابية قوية قادرة على فرض الالتزام بالقوانين وتحقيق أهداف النظام الصحي (World Bank، 1992).
النماذج العالمية للحوكمة الصحيةتُعد النماذج العالمية للحوكمة الصحية من أهم أدوات التحليل المقارن لفهم كيفية تنظيم النظم الصحية عبر الدول، إذ تعكس هذه النماذج الاختلافات في البنية السياسية للدولة، ومستوى التنمية الاقتصادية، وطبيعة النظام الإداري، وتاريخ بناء المؤسسات، ومدى قوة المجتمع المدني.
وتشير الأدبيات إلى أن اختيار نموذج الحوكمة الصحية ليس مسألة تقنية فقط، بل هو قرار سياسي ومؤسسي يعكس توازنات القوة بين المركز والأقاليم وبين الدولة والفاعلين غير الحكوميين، كما يعكس درجة الثقة المؤسسية وقدرة الدولة على تنفيذ السياسات العامة (World Health Organization، 2007؛ Saltman، 2004؛ Buse وآخرون، 2004).
وبوجه عام، يمكن تصنيف نماذج الحوكمة الصحية إلى ثلاثة نماذج رئيسية: النموذج المركزي، والنموذج اللامركزي، والنموذج التشاركي، مع الإقرار بأن معظم الدول تطبق مزيجاً هجيناً من هذه النماذج بدرجات متفاوتة، وليس نموذجاً خالصاً واحداً.
ويعتمد نجاح أي نموذج على مدى توافقه مع السياق المؤسسي والسياسي والاقتصادي للدولة، وليس على تفوقه النظري المجرد.
يقوم النموذج المركزي للحوكمة الصحية على تركيز سلطة اتخاذ القرار في يد الحكومة المركزية، بحيث تكون الدولة هي الفاعل الرئيسي في وضع السياسات الصحية، وتحديد الأولويات، وتخصيص الموارد، وتنظيم تقديم الخدمات الصحية، ومراقبة الأداء.
ويُعد هذا النموذج امتداداً لفكرة الدولة التنموية القوية التي تلعب فيها الحكومة دوراً محورياً في التخطيط والتنفيذ، خاصة في السياقات التي تعاني من ضعف القدرات المحلية أو عدم الاستقرار السياسي أو محدودية الموارد (World Health Organization، 2007؛ Saltman، 2004).
ويتميز هذا النموذج بوجود هياكل إدارية موحدة، ومعايير وطنية موحدة لتقديم الخدمات الصحية، ونظم تمويل مركزية أو شبه مركزية، إضافة إلى قدرة عالية على توجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية بسرعة نسبية.
كما يعتمد على بيروقراطية قوية نسبياً قادرة على تنفيذ السياسات بشكل موحد عبر الإقليم الوطني، مع مستويات محدودة من الاستقلالية المحلية.
سنغافورة: تمثل نموذجاً متقدماً للنموذج المركزي الكفء، حيث تتميز بنظام صحي يتميز بقدرة عالية على التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، مع سيطرة تنظيمية قوية من الدولة على سوق الخدمات الصحية، ونظام تمويل صحي مزدوج يجمع بين الدعم الحكومي وآليات السوق المنظمة.
كما تعتمد سنغافورة على مؤسسات قوية للمساءلة والرقابة وجودة الأداء، مع استخدام واسع للبيانات الصحية في اتخاذ القرار، ودمج قوي بين السياسات الصحية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
ويُعتبر هذا النموذج مثالاً على “المركزية الكفؤة” وليس المركزية البيروقراطية التقليدية.
رواندا: تمثل حالة نموذجية لدولة خارجة من نزاع مسلح تبنت نموذجاً مركزياً لإعادة بناء النظام الصحي بسرعة وفعالية.
فقد اعتمدت الحكومة على قيادة مركزية قوية، وتنسيق صارم مع الشركاء الدوليين، وتوحيد البرامج الصحية، خاصة في مجالات الرعاية الأولية والتغطية الصحية الشاملة.
وقد ساعد هذا النموذج في تحقيق تحسينات ملحوظة في المؤشرات الصحية الأساسية خلال فترة قصيرة نسبياً، رغم استمرار التحديات المتعلقة بالاعتماد على المانحين وضعف بعض مستويات اللامركزية المؤسسية (World Bank، 2017؛ Kruk وآخرون، 2015).
تحقيق توحيد السياسات الصحية على المستوى الوطني بما يقلل من التباين بين المناطق (World Health Organization، 2007).
تسهيل التخطيط الوطني الشامل وتوجيه الموارد نحو الأولويات الصحية الكبرى (Saltman، 2004).
تعزيز القدرة على تنفيذ إصلاحات صحية سريعة وشاملة خاصة في حالات الطوارئ أو ما بعد النزاعات (Kruk وآخرون، 2015).
تقليل ازدواجية الهياكل المؤسسية وتبسيط النظام الإداري الصحي.
تحسين القدرة على التنسيق مع الشركاء الدوليين والمانحين في إطار وطني موحد.
تعزيز السيطرة على الجودة والمعايير الصحية على مستوى الدولة ككل.
ضعف المرونة في الاستجابة للاحتياجات المحلية المتنوعة.
احتمال تركز السلطة بشكل مفرط في المركز مما قد يؤدي إلى تهميش الأطراف.
انخفاض مستوى المشاركة المجتمعية في صنع القرار الصحي.
خطر البيروقراطية وتعقيد الإجراءات الإدارية وتأخر الاستجابة.
ضعف الابتكار المحلي نتيجة توحيد النماذج والسياسات.
إمكانية انفصال السياسات المركزية عن الواقع المحلي في بعض المناطق.
يعتمد النموذج اللامركزي على نقل جزء كبير من سلطات اتخاذ القرار من الحكومة المركزية إلى المستويات الإقليمية أو المحلية، بحيث تصبح السلطات المحلية مسؤولة عن تخطيط وتنفيذ وإدارة جزء كبير من الخدمات الصحية، مع احتفاظ الحكومة المركزية بدور تنظيمي واستراتيجي عام يضمن وحدة النظام الصحي.
ويستند هذا النموذج إلى فرضية أن القرب من المجتمع المحلي يؤدي إلى تحسين الاستجابة للاحتياجات الصحية وزيادة الكفاءة والشفافية (Bossert، 2011؛ Saltman، 2004).
وتتنوع أشكال اللامركزية في القطاع الصحي بين اللامركزية الإدارية، والمالية، والسياسية، وغالباً ما تكون هذه الأشكال متداخلة.
كما يتطلب هذا النموذج وجود قدرات مؤسسية محلية قوية، ونظم مساءلة فعالة، وآليات تنسيق بين المستويات المختلفة لتجنب التشتت وعدم المساواة.
ألمانيا: تمثل نموذجاً متقدماً للامركزية المنظمة، حيث يتم توزيع السلطة بين الحكومة الاتحادية والولايات، مع وجود نظام تأمين صحي اجتماعي قوي يعتمد على صناديق مرضى مستقلة نسبياً.
ويتميز النظام الألماني بوجود إطار تنظيمي وطني قوي يضمن التوازن بين الاستقلالية المحلية والمعايير الوطنية، إضافة إلى نظام حوكمة تشاركي يضم الحكومة، وشركات التأمين، ومقدمي الخدمات، والنقابات المهنية (Saltman، 2004).
كندا: تعتمد على لامركزية واسعة حيث تتمتع المقاطعات بسلطات كبيرة في إدارة وتمويل وتقديم الخدمات الصحية، بينما تركز الحكومة الفيدرالية على التمويل العام، ووضع المبادئ الوطنية، وضمان الالتزام بمعايير العدالة والاتاحة.
ويتميز النظام الكندي بوجود تفاوتات إقليمية في تقديم الخدمات، إلا أنه يحافظ على إطار وطني يضمن التغطية الصحية الشاملة (World Health Organization، 2007).
تحسين الاستجابة للاحتياجات الصحية المحلية المتنوعة (Bossert، 2011).
تعزيز المشاركة المجتمعية في صنع القرار الصحي وزيادة الشرعية الاجتماعية.
زيادة الابتكار والتجريب على المستوى المحلي في تقديم الخدمات.
تقليل العبء الإداري على الحكومة المركزية وتحسين الكفاءة التشغيلية.
تعزيز المساءلة المحلية من خلال قرب السلطات من المواطنين.
إمكانية تصميم سياسات صحية أكثر ملاءمة للسياقات الجغرافية والاجتماعية المختلفة.
تفاوت كبير في جودة الخدمات الصحية بين المناطق المختلفة.
صعوبة الحفاظ على توحيد السياسات والمعايير الوطنية.
ضعف التنسيق بين المستويات المختلفة في بعض الحالات.
تفاوت القدرات المؤسسية والمالية بين الوحدات المحلية.
احتمال زيادة التكاليف الإجمالية نتيجة التكرار الإداري.
خطر عدم المساواة في الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية.
يقوم النموذج التشاركي على إشراك مجموعة واسعة من الفاعلين في عملية الحوكمة الصحية، بما في ذلك الدولة، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والمجتمعات المحلية، والنقابات المهنية، والمانحين الدوليين، بحيث تصبح عملية صنع القرار عملية تفاوض وتنسيق مستمرة بين أطراف متعددة.
ويُعد هذا النموذج تعبيراً عن التحول نحو “حوكمة متعددة المستويات” و”حوكمة شبكية” حيث لم تعد الدولة هي الفاعل الوحيد، بل أحد الفاعلين الرئيسيين ضمن شبكة معقدة من العلاقات (Buse وآخرون، 2004؛ World Health Organization، 2007).
ويتميز هذا النموذج بوجود آليات مؤسسية رسمية للمشاركة مثل المجالس الصحية، ولجان التخطيط التشاركي، ومنصات الحوار بين أصحاب المصلحة، إضافة إلى آليات غير رسمية مثل الضغط المجتمعي والمناصرة الإعلامية.
ويعتمد نجاح هذا النموذج على مستوى النضج المؤسسي، ودرجة الثقة بين الفاعلين، وقدرة النظام على إدارة التعقيد المؤسسي.
البرازيل: تُعد من أبرز النماذج التشاركية من خلال النظام الصحي الموحد الذي يعتمد على مجالس صحية على المستويات الفيدرالية والولائية والمحلية، تضم ممثلين عن الحكومة والمجتمع المدني ومقدمي الخدمات.
وتلعب هذه المجالس دوراً في تحديد الأولويات الصحية ومراقبة تنفيذ السياسات، مما يعزز المشاركة الشعبية في الحوكمة الصحية (World Health Organization، 2007).
تايلاند: تعتمد على نموذج تغطية صحية شامل مدعوم بآليات قوية للمشاركة المجتمعية، بما في ذلك لجان صحية محلية ونظام تأمين صحي وطني يعتمد على مبادئ العدالة والتضامن.
وقد ساهم هذا النموذج في تحسين العدالة في الوصول إلى الخدمات الصحية وتقليل العبء المالي على الأسر (Kruk وآخرون، 2015).
تعزيز الشرعية الاجتماعية للسياسات الصحية وزيادة قبولها.
تحسين الشفافية والمساءلة من خلال إشراك المجتمع المدني.
زيادة استجابة النظام الصحي لاحتياجات السكان الفعلية.
تعزيز العدالة في توزيع الخدمات الصحية.
تحسين التنسيق بين الفاعلين المختلفين داخل النظام الصحي.
تقليل الفجوة بين السياسات الصحية واحتياجات المجتمع.
بطء عمليات اتخاذ القرار نتيجة تعدد الأطراف المشاركة.
صعوبة إدارة تضارب المصالح بين الفاعلين المختلفين.
الحاجة إلى قدرات مؤسسية عالية للتنسيق والإدارة.
احتمال هيمنة بعض الفاعلين الأقوى على عملية صنع القرار.
زيادة التعقيد المؤسسي وصعوبة الحوكمة في بعض السياقات.
تكلفة إدارية وتنظيمية أعلى مقارنة بالنماذج الأخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك