مع إطلالة العام الهجري الجديد، لا نحتفل بمجرد تقويم يطوي صفحة الزمان، بل نستدعي ملحمة إنسانية خالدة صاغت فلسفة" البدايات الجديدة".
الهجرة النبوية لم تكن مجرد رحلة جغرافية هرباً من بطش، بل كانت" هندسة للمستقبل" وتحولاً استراتيجياً أثبت أن الضيق لا يدوم، وأن اليقين هو بوصلة النجاة.
تُعلمنا الهجرة أن الأرض التي تضيق بأحلامك وطموحاتك لم تعد أرضك؛ فالمكان ليس مجرد جدران وتراب، بل حيث يتسع الأفق لروحك.
عندما تُغلق الأبواب في وجوهنا، يصبح الرحيل إلى مساحات أرحب فرضاً لا نفلاً، ليس عيباً أن تترك مكاناً لم تجد فيه ذاتك، بل العيب أن تدفن طموحك حياً في مقبرة الركود.
والهجرة الأعمق في زماننا هذا، هي الهجرة عن" الأشخاص غير الأسوياء"، فكم من علاقات مسمومة استنزفت طاقاتنا!علمنا التاريخ أن نترك خلفنا مكة" التي عذب فيها المشاركون المسلمين" لنبحث عن مدينة" الأنصار"، حيث البيئة الخصبة، والأصدقاء والمحبون الذين يشدون العضد.
الصداقة الحقيقية تجلت في تلك الرحلة، حيث الصديق وقت الشدة يقف كتفاً بكتف، كأبي بكر في الغار، يحميك بقلبه قبل كفه.
" لولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت".
كلمات نبوية تلخص وجع الفراق وحب الأوطان، فالوطن غالٍ، لكن العقيدة والفكرة والكرامة أغلى.
الرحيل مر، لكنه أحياناً الدواء الوحيد، وفي ظلمات الغار والمطاردة، تجلى درس" اليقين": إن الله معنا، يقين يزلزل الجبال بأن الله لا يضيعنا أبدًا ما دمنا قد اعتمدنا عليه وسعينا بالأسباب.
المعارك في هذه الحياة لا تُربح بالقوة الغاشمة، بل تُرْبح بالصبر، والفرج يأتي دائماً يركض خلف الضيق، واليسر يولد من رحم العسر، إنها معادلة ربانية لا تخيب، تؤكد أن اختيارات الله كلها خير، حتى لو بدت في أولها هجرة وغربة وفراقاً.
في هذا العام الجديد، دعونا نهاجر بقلوبنا وعقولنا نحو الأفضل، تاركين خلفنا اليأس، متطلعين إلى فجر جديد يتسع لأحلامنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك