أثار قرار الحكومة الأميركية بإجبار شركة الذكاء الاصطناعي أنثروبيك على سحب أحدث نماذجها من الخدمة موجة من الجدل داخل قطاع التكنولوجيا، وسط مخاوف من أن الخطوة لا تتعلق بثغرة تقنية كما أُشيع، بل تمثل سابقة خطيرة تمنح السلطات نفوذًا واسعًا على شركات التقنية الأميركية.
وفي تطور مفاجئ، أرسلت وزارة التجارة الأميركية يوم الجمعة خطابًا إلى الشركة استند إلى توجيه غير شائع ضمن ضوابط التصدير، يحظر على غير الأميركيين، بمن فيهم موظفو" أنثروبيك"، الوصول إلى نموذجي Fable 5 وMythos 5 بدعوى وجود مخاوف تتعلق بالأمن القومي، من دون الكشف عن تفاصيل محددة أو نشر الخطاب للعامة.
وقالت" أنثروبيك" إنها تعتقد أن القرار قد يكون مرتبطًا بطريقة تمكّن بعض الباحثين من تجاوز القيود الوقائية المدمجة داخل النموذج، لكنها أكدت أنها لا تملك معلومات دقيقة بسبب غياب التوضيحات الرسمية.
واستجابةً للأمر الحكومي، أوقفت الشركة النموذجين أمام جميع المستخدمين لضمان الامتثال للتوجيه، ما أظهر قدرة السلطات الأميركية على تعطيل منتجات تقنية متقدمة بسرعة ومن دون الحاجة إلى إجراءات قضائية واضحة، بحسب تقرير نشره موقع" تك كرانش" واطلعت عليه" العربية Business".
ويرى مراقبون أن التدخل يكشف أن صناعة الذكاء الاصطناعي ليست بمنأى عن الضغوط الحكومية، كما يبعث برسالة أوسع إلى شركات التكنولوجيا مفادها أن السلطات قادرة على فرض قيود مباشرة على المنتجات الرقمية إذا رأت ضرورة لذلك.
ووفقًا لتقرير نشره موقع" أكسيوس" نقلًا عن مصادر مطلعة، فإن الخلافات الشخصية والسياسية بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقيادة" أنثروبيك" ربما لعبت دورًا أكبر في القرار من أي مشكلة تقنية فعلية تتعلق بالنماذج.
وزادت الشكوك حول مبررات الحكومة بعد ظهور معلومات جديدة خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وأوضحت الباحثة المخضرمة في الأمن السيبراني كاتي موسوريس، مؤسسة شركة Luta Security، أن" أنثروبيك" شاركت معها نسخة خاصة من ورقة بحثية أعدها باحثون أمنيون توثق أسلوبًا مزعومًا لتجاوز القيود الوقائية في نموذج Fable 5.
وأشارت موسوريس إلى أن ما ورد في الورقة لا يبرر إطلاقًا فرض قيود تصدير على النموذج.
وأوضحت أن الفارق كان بين مطالبة النموذج بمراجعة شيفرة برمجية بحثًا عن ثغرات أمنية وبين طلب إصلاحها، وهي فروقات طفيفة لا تغير النتيجة النهائية بشكل جوهري.
وقالت إن السلوك الموصوف في الدراسة لا يمكن معالجته بصورة فعالة دون التأثير سلبًا على قدرات النموذج الدفاعية، منتقدة قرار الحكومة بوصفه متسرعًا ومبالغًا فيه ويستند إلى فهم غير دقيق للمشكلة.
وفي أعقاب القرار، دعا عشرات الخبراء والباحثين في الأمن السيبراني إدارة ترامب إلى التراجع عن أمر التصدير، محذرين من أن حرمان المدافعين عن الشبكات الأميركية من أدوات متقدمة للأمن السيبراني قد تكون له آثار سلبية خطيرة.
ويشير محللون إلى أن الحكومات الأميركية سبق أن اتخذت قرارات واسعة النطاق تتعلق بالمعرفة التقنية.
في العقد الماضي، كادت تعديلات قانونية خاصة بأدوات الأمن السيبراني أن تقيّد أبحاث الثغرات الأمنية المشروعة بسبب صياغات فضفاضة للغاية.
لكن كثيرين يرون أن ما حدث مع" أنثروبيك" يبدو أقرب إلى إجراء عقابي منه إلى استجابة تنظيمية طبيعية.
من جانبه، قال جاستن هندريكس، رئيس تحرير" Tech Policy Press"، إن الخطوة قد تثير قلق الحكومات الأجنبية بشأن موثوقية تقنيات الذكاء الاصطناعي الأميركية في التطبيقات الحساسة، لأنها توحي بإمكانية تعرض الشركات الأميركية لتدخل حكومي مفاجئ يؤثر في استمرارية خدماتها.
وحتى الآن، لم توضح إدارة ترامب رسميًا الأسباب الحقيقية وراء تفعيل توجيه ضوابط التصدير، ما فتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول ما إذا كان القرار ناتجًا عن سوء فهم للتقرير الأمني، أو ضغوط سياسية، أو خلافات قائمة بالفعل مع الشركة.
ويحذر خبراء من أن أخطر ما في القضية ليس ما حدث لشركة أنثروبيك اليوم، بل ما قد يحدث لشركات أخرى غدًا، بعدما أرست الحكومة الأميركية سابقة جديدة بشأن حجم السيطرة التي يمكن أن تمارسها على إطلاق وتشغيل البرمجيات المتطورة المطورة داخل الولايات المتحدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك