امتحان الرياضيات بين صناعة التميز ومراعاة الواقع.
في كل بيت سوري تقريبا، ليست البكالوريا سنة دراسية عادية.
إنها سنة تعلن فيها حالة طوارئ صامتة: أم تسهر، وأب يستدين، وطالب ينهض بين الخوف والأمل، وعائلة كاملة تعيش على نتيجة ورقة واحدة.
لذلك، حين يكون الامتحان صعبا، لا يتألم الطالب وحده، بل يشعر البيت كله أن تعبه وقلقه وماله وصبره وضعت على طاولة الامتحان.
ليست المشكلة في أن يكون امتحان الرياضيات صعبا، فالمادة بطبيعتها تحتاج إلى فهم وتركيز وربط بين الأفكار.
وليست المشكلة أيضا في أن يحاسب الطالب على التقصير، فهناك من ينام طوال العام ثم يستيقظ قبل الامتحان بأيام، وكما يقول المثل الشعبي: " يطعمك الحج والناس راجعة".
فالبكالوريا لا تنال بالاستعجال عند آخر الطريق، بل بالتراكم والصبر والمراجعة المستمرة.
لكن الاعتراف بوجود هذه الفئة لا يبرر أن يتحول الامتحان إلى صدمة عامة تطال المجتهد والمقصر معا.
ما جرى مع طلاب البكالوريا العلمي في سوريا، كما يصفه كثير من الطلاب والأهالي، يفتح نقاشا أوسع من امتحان واحد: هل نريد أسئلة صعبة لتخريج طلاب مميزين، أم نريد أسئلة مربكة تفرز الطلاب تحت ضغط نفسي وزمني قاس؟ الفرق كبير بين الصعوبة العادلة والصعوبة التعجيزية.
الأولى تكشف الفهم والتميز، والثانية قد تقيس التوتر والصدمة أكثر مما تقيس العلم.
لا ننكر في المقابل ما تبذله الحكومة والجهات المسؤولة من جهود في الإصلاح والتطوير وتحسين الأوضاع، فليس من العدل أن تمحى هذه الجهود أو يتجاهل أصحابهامن حق الدولة أن ترفع مستوى الامتحانات إذا أرادت شهادة قوية وطالبا قادرا على دخول الجامعة بثقة.
فلا ينبغي أن نساوي بين من جد وتعب، ومن قصر وأهمل، فـ" لكل مجتهد نصيب"، و" من جد وجد".
لكن شرط ذلك أن يكون ميدان الامتحان عادلا.
والامتحان العادل لا يعني أن يكون سهلا، بل أن يكون ضمن الوسع: في مستوى المنهاج، وفي حدود الوقت، وبصياغة واضحة.
وقد قال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، ومن روح هذا المعنى أن يكون التكليف التربوي قادرا على قياس الجهد والفهم، لا على كسر الطالب وإرباكه.
ولا يمكن فصل الامتحان عن الواقع السوري.
فالأهالي في بيوت كثيرة يبيعون ما فوقهم وما تحتهم، ويستدينون، ويفنون أعمارهم وصحتهم ليصل ابنهم أو ابنتهم إلى البكالوريا.
وهناك طلاب يعملون ويدرسون في الوقت نفسه لقلة ذات اليد وضيق الحال، يعودون من العمل متعبين ثم يفتحون كتبهم ليلا، لا لأن الظروف مناسبة، بل لأن الأمل بالتعليم هو ما بقي لهم.
هؤلاء لا يطلبون نجاحا مجانيا، بل امتحانا عادلا يحترم تعبهم وتعب أهاليهم.
ثم إن أوضاع الشعب السوري صعبة جدا، ولا سيما بعد سنوات الحرب وما تركته من فقر ونزوح وانقطاع في التعليم وضعف في الخدمات.
ولا يمكن فصل أزمة التعليم عن أصل الأزمة السياسية والإدارية التي عاشتها البلاد، فالاستبداد والفساد وسوء الإدارة لم تضعف الاقتصاد وحده، بل أضعفت المدرسة والمعلم والطالب، وخربت البلاد والعباد، وعمقت فقدان الثقة بين الناس والمؤسسات.
لذلك فإن إصلاح التعليم لا يبدأ بورقة امتحان قاسية في نهاية العام، بل يبدأ بإصلاح أوسع يعيد الاعتبار للإنسان، وللمدرسة، وللمعلم، ولعدالة الدولة.
ولا ننكر في المقابل ما تبذله الحكومة والجهات المسؤولة من جهود في الإصلاح والتطوير وتحسين الأوضاع، فليس من العدل أن تمحى هذه الجهود أو يتجاهل أصحابها.
لكن حجم الفساد والخراب المتراكم عبر عقود أكبر من أن يعالج سريعا أو بقرار واحد.
وعلى الأهالي والطلاب أن يدركوا ذلك أيضا، فالإصلاح طريق طويل يحتاج إلى صبر وتعاون.
علينا أن نتحمل ضمن طاقتنا، وأن نعين ضمن استطاعتنا، دون أن نتخلى عن حقنا في المطالبة بالعدل والإنصاف.
ومن هنا نوجه كلامنا إلى المسؤولين في التربية والتعليم، فهم مؤتمنون على مستقبل جيل كامل، والله تعالى يقول: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾.
فارفعوا المستوى، نعم، لكن راعوا ظروف الناس في هذه الأوقات العصيبة، ولا تجعلوا الطالب السوري يدفع وحده ثمن خراب سياسي واقتصادي وتربوي لم يصنعه.
لا تعاقبوا جيلا كاملا لأنه تعلم وسط الحرب والفقر والانقطاع والخوف.
من أخطر ما تردد أيضا وجود نموذجين مختلفين في مستوى الأسئلة بين الشمال السوري وباقي المحافظات، وأن أسئلة الشمال كانت أسهل كما قيل.
إن صح ذلك، فنحن أمام مشكلة عدالة قبل أن نكون أمام مشكلة صعوبةفي العالم، لا تقوم الأنظمة التعليمية الناجحة على جعل الامتحان تعجيزيا.
فامتحان دخول الجامعة في تركيا، مثلا، صعب وتنافسي، لكنه يقوم على بنية معلنة يعرفها الطلاب مسبقا.
وفي فنلندا وبريطانيا وسنغافورة توجد امتحانات عالية المستوى، لكنها تعتمد غالبا مواصفات واضحة، ونماذج تدريبية، وسلالم تصحيح، وتدرجا في الصعوبة.
أي إن الصعوبة موجودة، لكنها ليست فوضى، والتميز مطلوب، لكنه لا يستخرج بالقسوة وحدها.
لذلك نحن بحاجة إلى اتباع طرق ومناهج عالمية في بناء الامتحانات، لا إلى استنساخها حرفيا، فلكل بلد واقعه وظروفه.
وكما قيل: " الحكمة ضالة المؤمن"، ومن الحكمة أن نستفيد من التجارب الناجحة في وضوح المعايير، وإعلان شكل الامتحان مسبقا، ووضع نماذج تدريبية قريبة من المستوى الحقيقي، وتدرج الأسئلة، وعدالة الوقت، والتحكيم العلمي للورقة قبل اعتمادها.
ومن أخطر ما تردد أيضا وجود نموذجين مختلفين في مستوى الأسئلة بين الشمال السوري وباقي المحافظات، وأن أسئلة الشمال كانت أسهل كما قيل.
إن صح ذلك، فنحن أمام مشكلة عدالة قبل أن نكون أمام مشكلة صعوبة.
فمثل هذه الفروقات لا تظلم الطلاب فقط، بل تولد الحساسية والغيرة والأحقاد بين أبناء البلد الواحد، وتفتح باب المقارنات المؤلمة بين الشمال والجنوب، وبين منطقة وأخرى، ونحن أحوج ما نكون اليوم إلى ما يجمع السوريين لا إلى ما يفرقهم.
أما الحلول الآنية، فأولها مراجعة الورقة الامتحانية علميا وزمنيا من لجنة مختصة ومحايدة، ومراعاة ذلك في سلالم التصحيح، بحيث لا يظلم الطالب الذي وصل إلى فكرة الحل أو أنجز خطوات صحيحة.
وقد قال تعالى: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾، ومن البخس أن يضيع تعب الطالب بسبب سلم جامد لا يراعي الفهم والمحاولة الصحيحة.
كما ينبغي فتح باب اعتراض واضح، ودراسة إجراء دورة تكميلية أو فرصة تحسين استثنائية إذا ثبت الخلل.
وهذا ليس مكافأة للمهمل، بل إنصاف عند المقدرة، والله يحب المحسنين.
أما الحلول المستقبلية فهي أعمق من امتحان واحد: تدريب المعلمين، وتقوية المدارس، وتوفير نماذج امتحانية معيارية، وإعلان مواصفات الورقة بوضوح، وتدريب الطلاب على أسئلة التفكير منذ بداية العام، ونشر حلول رسمية وسلالم تصحيح مفصلة بعد الامتحان.
وقد قال النبي ﷺ: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء"، ومن الإحسان في التعليم أن تحسن الدولة بناء المدرسة، وأن يحسن المعلم أداء رسالته، وأن تحسن اللجان وضع الامتحان، فلا يكون سهلا يقتل الهمة، ولا قاسيا يكسر الثقة.
نعم، نريد أن نعلم أبناءنا أن من سار على الدرب وصل، لكننا نريد أيضا أن يكون الدرب واضحا، لا مليئا بالعثرات المفاجئة.
نريد طلابا مميزين، لكن الطالب المميز لا يصنع بامتحان يكسر ثقته بنفسه، بل بنظام تعليمي واضح وعادل.
نريد امتحانات قوية، لا امتحانات قاسية، وشهادة محترمة لا يشعر الطالب بعدها أن جهده وجهد أهله ذهبا بلا إنصاف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك