احتاجت الولايات المتحدة إلى أكثر من 4 سنوات، منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، حتى تعترف رسميا بما كانت روسيا تقوله منذ الأسابيع الأولى للمواجهة: واشنطن مولت شبكة واسعة من المختبرات البيولوجية خارج أراضيها، وكان لأوكرانيا موقع أساسي داخل هذه الشبكة التي احتوت بعض منشآتها على مسببات أمراض خطرة.
الكشف الصادر عن مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي غابارد لم يكن مراجعة روتينية لبرنامج علمي، خصوصا أن المكتب تحدث صراحة عن تمويل أمريكي لأكثر من 120 مختبرا بيولوجيا في أكثر من 30 دولة، وعن أبحاث حول فيروسات خطرة وشديدة العدوى، شملت في بعض الحالات تجارب مرتبطة بما يعرف بـ" اكتساب الوظيفة"، أو تعديل خصائص الفيروسات والبكتيريا لزيادة قدرتها على الانتقال أو تغيير مستوى خطورتها.
والأكثر دلالة أن المؤسسة الاستخباراتية الأمريكية نفسها أقرت بذلك، في وقت كانت شخصيات نافذة قد نفت وجود هذه الأنشطة وهاجمت كل من أثار الأسئلة بشأنها.
وهنا تحديدا تكمن أهمية الكشف بالنسبة إلى روسيا، التي أثارت هذه القضية منذ عام 2022 باعتبارها قضية أمن دولي، فيما جرى وصفها في الغرب بأنها" دعاية" أو" معلومات مضللة".
اليوم يبدو هذا الرد الغربي أقل إقناعا، خصوصا بعد أن تحولت المسألة إلى تحقيق أمريكي رسمي يتحدث صراحة عن إخفاء متعمد للمعلومات، وعن رقابة محدودة على أبحاث خطرةلم تكن روسيا تتحدث عن مختبر طبي عادي يفحص عينات المرضى، بل عن بنية تحتية بيولوجية أقامها البنتاغون ومولها قرب حدودها، داخل دولة تحولت منذ سنوات إلى قاعدة عسكرية وسياسية متقدمة للغرب.
وقد أقرت الولايات المتحدة بأنها استثمرت نحو 200 مليون دولار منذ عام 2005 في دعم 46 مختبرا ومنشأة صحية وموقعا تشخيصيا أوكرانيا ضمن برنامج خفض التهديدات البيولوجية التابع للبنتاغون.
وحاولت واشنطن آنذاك تقديم هذه الأنشطة بوصفها امتدادا لبرنامج يهدف إلى تأمين مخلفات برامج أسلحة الدمار الشامل السوفياتية، لكنها لم تقدم تفسيرا مقنعا لاستمرار التوسع في هذه المنشآت بعد عقود من انهيار الاتحاد السوفياتي، ولا لسبب ارتباطها المؤسسي والمالي بوزارة الدفاع الأمريكية بدلا من بقائها ضمن أطر صحية مدنية وشفافة.
في بداية الحرب الأوكرانية، رفعت موسكو الملف إلى مجلس الأمن الدولي، وعرضت وثائق قالت إنها عثرت عليها في أوكرانيا وتتعلق بمشروعات بيولوجية ممولة أمريكيا.
بيد أن الدول الغربية لم تدخل في نقاش تفصيلي حول طبيعة الوثائق أو ضرورة إخضاع المختبرات لتحقيق دولي مستقل، بل عمدت إلى مهاجمة روسيا واتهامها باختلاق القضية تمهيدا لاستخدام أسلحة بيولوجية أو كيميائية.
واليوم يبدو هذا الرد الغربي أقل إقناعا، خصوصا بعد أن تحولت المسألة إلى تحقيق أمريكي رسمي يتحدث صراحة عن إخفاء متعمد للمعلومات، وعن رقابة محدودة على أبحاث خطرة، إضافة إلى مخاطر أمنية وأخلاقية ومالية داخل منشآت كانت تقدم سابقا باعتبارها برامج صحية غير مثيرة للجدل.
حتى منظمة الصحة العالمية أقرت في مارس/آذار 2022 بأنها أوصت السلطات الأوكرانية بتدمير مسببات الأمراض عالية الخطورة الموجودة في مختبراتها، منعا لتسربها نتيجة القتال.
وهذه التوصية وحدها كانت كافية لإثبات أن المختبرات لم تكن منشآت تشخيصية بسيطة، بل كانت تحتفظ بعوامل مرضية يمكن أن يشكل خروجها عن السيطرة خطرا على السكان.
لو أن روسيا أو الصين مولتا عشرات المختبرات التي تتعامل مع مسببات أمراض خطرة في المكسيك أو كندا مثلا، لما تعاملت واشنطن معها باعتبارها مشروعات صحية بريئة، بل كانت ستعدها تهديدا مباشرا لأمنهاصحيح أن وجود مسببات أمراض في مختبرات الصحة العامة لا يعني تلقائيا وجود برنامج لإنتاج أسلحة بيولوجية، وأن الكشف الأمريكي الجديد لم يقدم حتى الآن دليلا نهائيا على أن كييف كانت تعمل على تسليح هذه العوامل.
لكن هذا التحفظ العلمي لا يلغي أن روسيا كانت محقة في جوهر اعتراضها، خصوصا في ادعائها بوجود برنامج بيولوجي أمريكي واسع خارج الحدود، ضمن عشرات المنشآت المدعومة من البنتاغون في أوكرانيا، تفتقر إلى الرقابة والشفافية، في مقابل عملية سياسية وإعلامية سعت إلى إسكات المشككين بدلا من الإجابة عن أسئلتهم.
بمعنى آخر، لم يثبت الكشف الأمريكي بالأدلة القاطعة حتى الآن ما قالته موسكو في حينه، لكنه أثبت أن الأساس الذي بنيت عليه التحذيرات الروسية لم يكن وهما.
وما وصفته وسائل الإعلام الغربية لسنوات بأنه" نظرية مؤامرة روسية" ظهر في النهاية باعتباره ملفا حقيقيا داخل أجهزة الاستخبارات الأمريكية نفسها.
والأهم من ذلك أن القضية تكشف ازدواجية واضحة في المعايير الدولية.
فالولايات المتحدة، التي تطالب خصومها بكشف منشآتهم العسكرية والعلمية، مولت بنفسها شبكة مختبرات في دول أجنبية، بعضها يقع في مناطق صراع وعلى مقربة من حدود منافسيها الإستراتيجيين.
ولو أن روسيا أو الصين مولتا عشرات المختبرات التي تتعامل مع مسببات أمراض خطرة في المكسيك أو كندا مثلا، لما تعاملت واشنطن معها باعتبارها مشروعات صحية بريئة، بل كانت ستعدها تهديدا مباشرا لأمنها القومي.
ومن هنا، يحق لروسيا أن تعتبر الكشف الأمريكي انتصارا سياسيا لروايتها، ومبررا إضافيا لمطالبتها بتحقيق دولي مستقل تحت إشراف الأمم المتحدة في طبيعة البرامج البيولوجية الأمريكية في أوكرانيا وغيرها.
كما يحق لها أن تسأل: لماذا أخفيت هذه المعلومات؟ ولماذا جرى تشويه كل من تحدث عنها؟ ولماذا منعت طوال السنوات الماضية أي مناقشة جادة للتداخل بين البحث الصحي والمصالح العسكرية الأمريكية؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك