التعبير الأبرز عن الشعور الإسرائيلي بالإتفاق بين واشنطن وطهران هو ما نقلته القناة الثالثة عشرة الإسرائيلية عن مسئول إسرائيلي رفيع بأن هذا الاتفاق «مروع وصادم».
تلك الكلمات قلما يتم استخدامها في إسرائيل إلا في الحالات التي تخرج فيها الأمور عن السيطرة وهذه المرة تلقت إسرائيل واحدة من أشهر انتكاساتها التي ستسجل في تاريخها وهو ما عبرت عنه ردود الفعل التي فقدت توازنها لحظة إعلان الإتفاق فالمعارضة نفتالي بينيت ويائير غولان وغادي أيزنكوت يهاجمون نتنياهو لأنه ألحق بإسرائيل تلك الإهانة والإخفاق والكتاب والمحللين والمراقبين لديهم إجماع على هزيمة سياسية ألحقت بإسرائيل وأقطاب الحكومة آفي ماعوز وبتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير لم يخرجوا عن بلغ تعبيرهم عن الغضب والإحباط لدرجة يهاجمون فيها الرئيس الأميركي رغم تعليمات نتنياهو لكن الانفجار أكبر من احتوائه.
«فشل استراتيجي لإسرائيل».
هكذا وصف بني غانتس الاتفاق وهو وصف دقيق لزلزال ضرب الشرق الأوسط نهاية فبراير/شباط الماضي لم تخرج منه اسرائيل بصورة الدولة الإقليمية المهيمنة التي كانت تريد بل بصورة الدولة الهامشية التابع للولايات المتحدة التي يتم إصدار التعليات لها ولا تجرؤ على الاعتراض وهو ما دفع إيتمار بن غفير السياسي الشعبوي في حكومة إسرائيل أن يكتب في تدوينة له: «إسرائيل ليست ملزمة بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران وأنها غير خاضعة للولايات المتحدة» هذا الشعور الذي ولدته الحرب والذي يذكر به دونالد ترمب أن لولاه لما بقيت إسرائيل وهذا ما يعطيه صلاحيات إصدار التعليمات لرئيس حكومتها الذي أقام حملاته الانتخابية على قدرته على الوقوف في وجه رؤساء الولايات المتحدة كلينتون أوباما بايدن كل ذلك ينهار مع ترمب كما انهارت صورة الدولة كجمهورية موز أميركية ليس أكثر.
في السياسة، هناك اللحظة الحرجة وقد بلغتها إسرائيل قبل هذه الحرب عندما تمكنت من احتلال الجزء الأكبر من غزة وضرب حماس بقوة وقتل قادتها السياسيين والعسكريين الذين قاموا بعملية السابع من أكتوبر وكذلك توجيه ضربات مميتة لحزب الله ضربة البيجر وأجهزة الإرسال وقتل قياداته العسكرية والمدنية وأبرزهم الأمين العام وإرغامه على وقف الحرب وتجريد سلاحه واحتلال أراضي في غزة ولبنان وسوريا وهو ما بلغته القوة العسكرية الإسرائيلية من تفوق واستعراض هائل تمكّن من تحطيم الخصوم فلو توقفت إسرائيل عند ذلك لوقفت عند المحطة الأكثر قوة لاستعادت حضورها وهيبتها ولكن لأن ذك لم يترجم نفسه في استطلاعات الرأي العام لصالح بنيامين نتنياهو وائتلافه كان لا بد من القفز خطوة أبعد وهي التي قضت على مستقبله.
الإنجازات الكبيرة في غزة وسوريا ولبنان لم ترفع أرصدة نتنياهو المكلل بعار السابع من أكتوبر فكان لا بد من القفز نحو الضربة الكبرى والصيد الأثمن؛ إيران رأس النظام الذي سيتم تغييره وهكذا أقنع الرئيس ترمب ليذهب معه في معركة كان واضحاً أن أوروبا التي تجيد حسابات السياسة والعسكر لم تلتحق بها في حين أنها شاركت كل حروب أميركا الناجحة هذه المرة كانت تدرك أن الأمر مختلف عن تلك الخفة التي صورها نتنياهو لترمب بأن أربعة أيام كفيلة بإحداث شلل للنظام وسيترنح بحيث لن يكون قادراً على إغلاق هرمز ولا ضرب القوعد الأميركية في المنطقة لكن ما حدث أن مدن إسرائيل كانت أمام انكشاف هائل وما تعرضت له من صواريخ فقدت خلاله المصدات الدفاعية قدرتها على الحماية وعدم قدرة الشريك على حسم معركة كان الإيراني يتجهز لها منذ عقود ما اضطره للبحث عن حلول حتى وإن كانت على حساب إسرائيل وإلقاء شروطها جانباً فلم يجن نتنياهو سوى الخيبة لكنها لم تكن شخصية بقدر ما كانت تتعلق بالأمن القومي وهو ما أشاع مناخات الغضب والإحباط تلك في إسرائيل والتي أصبحت عناوين رئيسية في دولة تعيش هاجس الأمن منذ الولادة.
أمام هذا الواقع ماذا سيفعل نتنياهو والدولة التي تهرب دوماً للأمام وتعيش على الردع الذي تآكل من جديد بعد حرب ايران؟ نتنياهو يذهب لانتخابات وقد بدأ قادة المعارضة يستخدمون ما جرى في الإقليم وفشل النصر المطلق الذي ردده في خطاباته فإيران خرجت أقوى ولم يعد تجريد سلاح حزب الله مطروحاً وحماس لا زالت باقية وتحكم وتزيد وسائل الإعلام من جرعة التحريض لتقول إنها تعيد بناء قوتها وأمام مناعة ايران وربطها لبنان في الاتفاق لم يبق غير غزة سواء لقدرته على فعل ما يريد في منطقة محاصرة يتحكم بكل شيء فيها أو لجهة أنها المنطقة التي خرج منها السابع من أكتوبر كخطر استراتيجي أو لنزع مسألة بقاء حماس من خطاب المعارضة في محاولة لترميم الصورة المكسورة وربما أن ترمب سيقدم غزة رشوة تعويضية عن لجم إسرائيل لتمرير اتفاقه فقط، لأن هناك خطته التي تتلخص في بند واحد وهو نزع سلاحها فإما أن تطبق خطته ويتم تجريدها أو يطلق الجيش الإسرائيلي لفعل ذلك ما يعني أن النهاية في ايران قد تحمل نذر الشر لغزة بالنسبة لذئب جريح مثل نتنياهو.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك