تشهد مناطق سورية عديدة احتجاجات ومطالبات شعبية متزايدة بتسريع محاسبة المتورطين بجرائم وانتهاكات ارتُكبت خلال عهد النظام المخلوع، في وقت تؤكد فيه السلطات السورية أن مسار العدالة مستمر، وأن ملاحقة المسؤولين عن تلك الجرائم تمثل التزاماً للدولة وليس مجرد مطلب شعبي.
وبينما يعبّر المحتجون عن مخاوف من بطء الإجراءات القضائية وتأخر المحاكمات، تشدد الجهات الرسمية على أن تحقيق العدالة يجب أن يتم عبر المؤسسات القضائية والقانونية بما يضمن حقوق الضحايا ويحافظ في الوقت نفسه على السلم الأهلي.
وفي هذا السياق، أكد النائب في سوريا القاضي المستشار حسان التربة، في تصريحات خاصة لتلفزيون سوريا، أن الدولة السورية ماضية في ملاحقة جميع المتورطين بارتكاب انتهاكات بحق السوريين.
وشدد على أنه" لا أحد بمنأى عن الملاحقة والمحاسبة"، وأن لدى السلطات آلاف الموقوفين من رموز النظام المخلوع إلى جانب عدد كبير من المطلوبين داخل سوريا وخارجها.
النائب العام: المحاسبة حق للضحايا ولكن عبر القضاء لا الانتقاموقال التربة إن الدولة تتفهم الغضب الذي يظهر في الشارع السوري، وتقدر التضحيات الكبيرة التي قدمها السوريون خلال عقود من حكم النظام المخلوع، مشيراً إلى أن مطالبة الضحايا وذويهم بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات حق مشروع يكفله القانون.
وأضاف أن تحقيق هذا المطلب لا يكون عبر الثأر أو الانتقام، وإنما من خلال مؤسسات الدولة المتخصصة، موضحاً أن وزارة العدل ووزارة الداخلية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية هي الجهات المعنية باستقبال الشكاوى ومتابعتها وفق الأصول القانونية.
وقال: " لا نريد أن نضيع ثمار الثورة السورية ومكتسباتها في ساعة غضب (.
) الدولة السورية دولة مؤسسات ودولة قانون، وهؤلاء سيحاسبون وفق القانون السوري بعد تقديم الأدلة المطلوبة".
وفي ما يتعلق بالتوازن بين حق التظاهر والحفاظ على السلم الأهلي، شدد النائب العام على أن القانون السوري يكفل حق التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي، لكنه يرفض في الوقت ذاته أعمال الانتقام والثأر والتخريب.
وأوضح أن القتل خارج إطار القانون لا يتوافق مع مفهوم الدولة السورية الحديثة، داعياً كل من يمتلك دعوى أو شكوى أو معلومات تتعلق بجرائم وانتهاكات إلى اللجوء إلى القضاء.
وأشار إلى أن الإجراءات القانونية متاحة للجميع، إذ يمكن لأي مواطن أن يتقدم بنفسه أو عبر محامٍ بشكوى مدعومة بالوثائق والأدلة إلى النيابة العامة، لتقوم الجهات المعنية بمتابعة القضية وملاحقة المتهمين وإحالتهم إلى القضاء.
وأضاف: " لدينا الآلاف من الموقوفين من هؤلاء، والكثير من المطلوبين داخل سوريا وخارجها، ووزارة العدل ووزارة الداخلية لا توفران جهداً في ملاحقتهم".
كبار الضباط والطيارون في صدارة الأولوياتورداً على تساؤلات تتعلق بأولويات الملاحقة القضائية، أوضح التربة أن وزارة العدل تعمل وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية الصادر عام 1950 وقانون العقوبات العام الصادر عام 1949، وأن الملاحقات تتم وفق مبدأ" الأهم فالأهم".
وأكد أن كبار الضباط والطيارين والمتهمين الرئيسيين بارتكاب الجرائم والانتهاكات يشكلون أولوية في هذه المرحلة، مشيراً إلى أن أهمية الشخص وحجم المعلومات والأدلة المتوفرة حوله تؤثر في ترتيب الملفات القضائية قبل إحالتها إلى المحاكم المتخصصة.
كما شدد على أن وجود بعض المطلوبين في منازلهم أو مدنهم لا يعني أنهم بمنأى عن المساءلة، قائلاً: " لا يوجد أحد بمنأى عن الملاحقة والمحاسبة، وهذا عهد وواجب علينا كدولة سورية".
تنسيق مستمر مع هيئة العدالة الانتقاليةوكشف النائب العام عن وجود تنسيق وتكامل مستمرين بين وزارة العدل والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، موضحاً أن الطرفين يعملان ضمن مسار واحد يهدف إلى ملاحقة كل من ارتكب انتهاكات بحق السوريين.
وأشار إلى وجود جلسات دورية وتبادل للمعلومات والخبرات بين الجانبين، لافتاً إلى أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أعدت مشروع قانون العدالة الانتقالية بالتعاون مع حقوقيين وخبراء قانونيين، وتمت مناقشته مع وزارة العدل قبل طرحه على مجلس الشعب تمهيداً لإقراره.
وأوضح أن هذا القانون سيشكل إطاراً إضافياً لمحاكمة مرتكبي الانتهاكات إلى جانب القوانين النافذة حالياً.
لا محاكمات بالشبهات أو الإشاعاتوفي ما يتعلق بمعايير الاتهام وإثبات المسؤولية، شدد التربة على أن القضاء السوري لا يحاكم الأشخاص استناداً إلى الشبهات أو الإشاعات، مؤكداً أن الأحكام القضائية يجب أن تستند إلى أدلة يقينية وواضحة.
وأضاف أن قانون أصول المحاكمات الجزائية وقانون العقوبات العام يشكلان الإطار القانوني الحالي، على أن يضيف قانون العدالة الانتقالية معايير وإجراءات جديدة فور إقراره.
كما تناول قضية المخبرين والمتعاونين الذين كانوا يكتبون التقارير الأمنية خلال عهد النظام المخلوع، موضحاً أن المسؤولية تختلف من حالة إلى أخرى.
وقال إن هناك تقارير أدت إلى مقتل أشخاص أو إخفائهم قسراً، وأخرى تسببت باعتقالات لفترات محدودة، وبالتالي فإن العقوبات لا يمكن أن تكون متساوية.
وأكد أن ليس كل من عمل ضمن مؤسسات النظام السابق أو خدم في الجيش السوري السابق يمكن اعتباره تلقائياً مرتكباً لانتهاكات أو مجرم حرب، موضحاً أن العدالة تقتضي التمييز بين من ارتكب جرائم جسيمة وبين من لم يثبت تورطه في أي انتهاكات، وعدم المساواة بين العناصر العاديين وبين من شارك في القصف أو استخدم الأسلحة المحرمة أو ارتكب جرائم واسعة النطاق.
" لا يوجد بطء في مسار العدالة"ورفض التربة الانتقادات التي تتحدث عن وجود تراخٍ أو بطء في مسار العدالة الانتقالية، مؤكداً أن القضايا تسير وفق إجراءات قانونية متعددة قبل وصولها إلى محاكم الجنايات.
وأوضح أن حجم الجرائم المرتكبة خلال سنوات طويلة من حرب النظام المخلوع على السوريين، إلى جانب العدد الكبير من المتهمين والملفات، يجعل بعض الإجراءات تحتاج إلى وقت، لكنه اعتبر أن المسار يسير بصورة طبيعية.
وأضاف أن العدالة الانتقالية بدأت منذ اليوم الأول لسقوط النظام المخلوع، وأن آلاف المتهمين يخضعون للتحقيق حالياً، فيما تستمر عمليات توقيف مطلوبين جدد بصورة متواصلة.
وأكد أن الدولة لن توفر أي جهد لمحاسبة كل من ارتكب انتهاكات بحق السوريين، معتبراً أن ذلك واجباً أساسياً يقع على عاتق مؤسسات الدولة.
مخاوف من اتساع الفجوة بين الضحايا ومؤسسات العدالةفي المقابل، رأى أستاذ علم الاجتماع الدكتور طلال مصطفى، في حديثه لتلفزيون سوريا، أن الاحتجاجات تعكس غضباً شعبياً متزايداً ناجماً عن شعور قطاعات واسعة من الضحايا وعائلاتهم بأن مسار العدالة الانتقالية يسير ببطء شديد.
وقال إن المحتجين انتظروا نحو عام ونصف العام بعد سقوط النظام أملاً في رؤية نتائج ملموسة، لكنهم لم يلمسوا ما يكفي على أرض الواقع، معتبراً أن هناك فجوة بين الخطاب الرسمي والنتائج العملية.
وحذر مصطفى من ثلاثة مخاطر رئيسية تتمثل في تآكل شرعية العدالة الانتقالية إذا استمرت الاتهامات بالبطء أو الانتقائية، واحتمال تحول بعض الضحايا إلى فاعلين عنيفين إذا فقدوا الثقة بالمؤسسات، إضافة إلى خطر إعادة إنتاج الانقسام المجتمعي وتحويل الماضي إلى أداة للصراع في الحاضر بدلاً من الانتقال نحو بناء الدولة والمؤسسات.
مطالب بآليات استثنائية للمحاسبةمن جانبه، اعتبر المحامي والخبير القانوني زكريا ميلاجي أن التصريحات الرسمية حول ملاحقة المتورطين لم تعد كافية لطمأنة الشارع السوري، موضحاً أن الناس تسمع هذا الخطاب منذ فترة طويلة بينما ما تزال تنتظر رؤية آليات العدالة ونتائجها بشكل أوضح.
وأشار إلى أن القوانين الجزائية السورية وُضعت لتنظيم أوضاع مجتمع طبيعي، بينما تختلف طبيعة الجرائم المرتكبة خلال سنوات النزاع من حيث الحجم والتعقيد، ما يستدعي البحث عن أدوات وإجراءات استثنائية قادرة على التعامل مع هذا النوع من الانتهاكات.
ودعا إلى تخصيص دوائر قضائية أو هيئات متخصصة للنظر في الجرائم التي تعرض لها السوريون خلال سنوات الثورة والنزاع، بما يسهم في تسريع الإجراءات وتسهيل وصول الضحايا إلى العدالة.
ناشطون: المحتجون يطالبون بالمحاسبة لا بالثأربدوره، اعتبر الناشط المدني خليل السيد أحمد أن الاحتجاجات القائمة تمثل ظاهرة صحية تعكس مطالب شعبية بالعدالة والمحاسبة، رافضاً توصيفها بأنها دعوات للثأر أو الانتقام.
وقال إن المحتجين لا يقفون في مواجهة الدولة، بل يطالبونها بالقيام بدورها في محاسبة المتورطين بالجرائم والانتهاكات، مشيراً إلى أن كثيراً من المتظاهرين يلجؤون إلى المؤسسات الرسمية لتقديم الشكاوى بدلاً من اللجوء إلى العنف.
وأضاف أن معالجة أسباب الاحتقان الشعبي تتطلب تسريع محاسبة المتهمين وتعزيز ثقة السوريين بمؤسسات الدولة، مؤكداً أن جميع مكونات المجتمع السوري تكاد تتفق على مطلب واحد يتمثل في محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات المرتكبة خلال السنوات الماضية.
وبين تأكيد الدولة استمرار الملاحقات القضائية والدعوات الشعبية لتسريع المحاسبة، يبقى ملف العدالة الانتقالية أحد أبرز التحديات التي تواجه سوريا في المرحلة الحالية، وسط توافق واسع على ضرورة إنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على السلم الأهلي ومنع الانزلاق نحو العدالة الانتقامية أو الفوضى القانونية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك