أثار الحديث عن صندوق استثماري بقيمة 300 مليار دولار لإيران جدلا حول طبيعة الحوافز الاقتصادية في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية المرتقب توقيعها في سويسرا يوم الجمعة: أهو تعويض لطهران عن حرب أنهكتها، أم أداة ضغط مشروطة بالتفتيش النووي و" الأداء" الإيراني؟وخلف الرقم الضخم إعادة صياغة سياسية، إذ نقلت الإدارة الأمريكية فاتورة إعادة الإعمار في إيران من عبء على دافع الضرائب الأمريكي -وهو ما يثير حفيظة الجمهوريين والديمقراطيين- إلى" فرص استثمارية" قد يُفتح مجال تمويلها لدول المنطقة والشركات الخاصة، مقابل التزامات إيرانية صارمة في الملف النووي.
ما صندوق الـ300 مليار دولار؟قد تسمح المذكرة، التي وقعها الطرفان إلكترونيا يوم الأحد، بإنشاء الصندوق ضمن تسوية أوسع لإنهاء حرب أشعلت أزمة طاقة عالميا وقلبت الأسواق.
ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مصادر أن التمويل لن يأتي من الحكومات، بل سينشأ لشركات ترغب في الاستثمار في إيران.
وبحسب فايننشال تايمز، ثمة اهتمام بالمشاركة في الصندوق من شركات في أوروبا وآسيا –بينها اليابان وكوريا الجنوبية– إضافة إلى شركات أمريكية، إذا رُفعت العقوبات.
ويرى الباحث مهند سلوم، الزميل البارز غير المقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، في حديث للجزيرة، أن هذا التصميم" حلٌ لا خسارة فيه" لواشنطن، قائلا إن" إيران إذا ضبطت سلوكها، فستحقق الإدارة الأمريكية السلام، وإن لم تفعل، فإن الولايات المتحدة لا تخسر شيئا".
لماذا يربط فانس المال بالتفتيش النووي؟يصر جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي على أن الحزمة ليست استردادا للأموال المجمدة ولا تعويضا لإيران، بل يربطها بـ" أداء" طهران.
وفي تصريح أدلى به لشبكة" سي بي إس"، يقول فانس: " حين يقول الناس إن أصولا بمليارات الدولارات سيفرج عنها، فهذا غير صحيح"، ويضيف أن الاتفاق" يمد يدا لإيران" بشرط السماح بـ" تفتيش حقيقي" للبرنامج النووي مقابل العودة إلى الاقتصاد العالمي، بتمويل مما وصفه بـ" الائتلاف الخليجي".
وفي السياق نفسه، أعلن الرئيس دونالد ترمب عبر منصته تروث سوشيال أن" قصة دفع الولايات المتحدة 300 مليون دولار لإيران أخبار زائفة".
في المقابل، حرصت بعض دول الخليج على نفي أي دور مالي مباشر في ترتيبات الاتفاق، فقد أعلنت قطر، الثلاثاء، أنها تشارك ضمن فريق الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى تفاهم ينهي الحرب، لكنها شددت في الوقت نفسه على أنها لم تدفع أي أموال في هذا الإطار.
وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري إن" الدوحة لم تدفع أي أموال في أي إطار بشأن ترتيبات اتفاق وقف الحرب".
ويتقاطع هذا النقاش المالي مع جوهر الملف النووي، فوفق فايننشال تايمز، تملك إيران مخزونا يتجاوز 9 آلاف كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، معظمه بمستويات منخفضة، لكن 440 كيلوغراما منه قريبة من مستوى صناعة السلاح.
وقال فانس إن طهران وافقت على تسليم مخزونها والخضوع لتفتيش منتظم والامتناع عن إنتاج الأسلحة النووية أو شرائها.
تململ من المقترح في طهرانفي إيران، تواجه القيادة بطهران معضلة في تسويق المقترح، فالبلد الذي خلفت الحرب فيه دمارا بمليارات الدولارات، ويعاني سكانه أعلى معدل تضخم منذ عام 1942، لن يحصل على استرداد فوري لأمواله، بل سيحصل على مال مراقب واستثمارات مشروطة.
ويصف سلوم ذلك بـ" مشكلة الكرامة"، قائلا للجزيرة إن طهران" تقرأ هذا بوصفه مالا خاضعا للإشراف ومشروطا، لا تخفيفا سياديا".
ويتردد صدى هذا التململ في كلام وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي قال يوم الاثنين، وفق" برس تي في"، إن المذكرة ستحقق منافع اقتصادية، لكن طهران لن تعتمد عليها لتلبية كل احتياجاتها، مضيفا: " لدينا تاريخ من الوعود المنقوضة وعدم الالتزام وتمزيق الاتفاقات"، في إشارة واضحة إلى عدم التزام واشنطن بالاتفاقات السابقة المبرمة مع طهران.
ولم يعلق المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي بعد، في حين اعترض مراقبون على توقيت الإعلان الذي تزامن مع عيد ميلاد ترمب.
أما الرئيس مسعود بزشكيان، فأكد أن مجلس الأمن القومي الإيراني الأعلى أقر الاتفاق" ليختبر عمليا التزام أمريكا الحقيقي".
ماذا عن الأصول الإيرانية المجمدة؟يبقى ملف الأصول المجمدة العقدة الأكثر حساسية، إذ تشير تقارير إيرانية رسمية وخبراء إلى أن إجماليها يتجاوز 100 مليار دولار، جمدت في بنوك أجنبية جراء عقوبات متراكمة منذ ثورة 1979.
ونقلت وكالة" مهر" الإيرانية أن المسودة، المؤلفة من 14 نقطة، تنص على الإفراج عن 24 مليار دولار، لكن فانس نفى ذلك قائلا إن الرقم" لا يظهر في أي من النصوص"، وإن" الصفقة الأكبر هي رفع العقوبات" شرط التزامات نووية طويلة الأمد.
وبحسب فايننشال تايمز، سيكون أي تخفيف للعقوبات على مراحل ومرهونا بتقدم المحادثات، مع" إيماءات صغيرة" في البداية لبناء الثقة، في حين تبقى المبالغ الكبرى مرتبطة بـ" تصرف لائق" عام لا بمعايير محددة.
وبهذا المعنى، يبدو الصندوق محاولة للالتفاف على حساسية" الإفراج عن الأصول": لا بوصفه استردادا سياديا مباشرا، بل تدفقا مشروطا ومجزأ.
في ضوء ذلك، لا تعرض واشنطن على طهران مالا جاهزا ولا استردادا سياديا كاملا لأصولها، بل بابا اقتصاديا مشروطا ومقسّطا، يرتبط بكل تفصيل في الأداء النووي والسياسي والأمني.
ويختم مهند سلوم بقوله إن الطرفين" يتحدثان بمعزل عن بعضهما بعضا؛ كلٌّ (يتحدث) لجمهوره الداخلي"، مضيفا: " على كل طرف أن يُسوّق هذا بوصفه انتصارا لا يستطيع تسويقه بصدق".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك