حين تصبح الشعارات بديلاً عن التفكيرالحلقة الثالثة: حين يصبح المبدأ بديلاً عن الواجبعبده الحاج – 16 يونيو 2026بعد سنوات من الحرب والموت والدمار والنزوح واللجوء، وبعد أن فقد السودان أعداداً كبيرة جداً من أبنائه، وتشرد الملايين داخل البلاد وخارجها، وتعرضت مدن وقرى كاملة والبنية التحتية للتدمير، وأصبحت قطاعات واسعة من السكان تواجه صراعاً يومياً من أجل الغذاء والدواء والأمان، يجد السودانيون أنفسهم أمام واحدة من أكبر الكوارث والتحديات في تاريخهم الحديث.
ورغم حجم هذه المأساة، لا تزال القوى المدنية والسياسية عاجزة عن بناء الحد الأدنى من التوافق المطلوب لمواجهتها.
بل إن الانقسامات لا تتراجع، وإنما تتكاثر، والخلافات لا تضيق، وإنما تتسع، فلماذا يحدث ذلك؟ ولماذا أصبح بعض الناس يرفضون حتى مجرد الجلوس مع آخرين يشتركون معهم في الهدف المعلن نفسه: وقف الحرب، وإنقاذ البلاد من الانهيار، واستعادة المسار المدني الديمقراطي؟هذا هو السؤال الذي تحاول هذه الحلقة الاقتراب منه.
ففي السنوات الأخيرة لم يعد الخلاف يدور فقط حول ما يقال داخل الحوارات، أو ما تخرج به من نتائج، بل أصبح يدور أحياناً حول مجرد المشاركة فيها.
وأصبحت بعض القوى والتيارات ترى أن المقاطعة في حد ذاتها موقف مبدئي يجب التمسك به، وأن عدم الجلوس مع بعض الأطراف هو تعبير عن وضوح الرؤية أو سلامة الموقف.
ولا شك أن التمسك بالمبادئ قيمة إيجابية.
فالشعوب لا تتقدم بالتخلي عن قيمها، والإنسان لا يحترم نفسه إذا تخلى عن كل ما يؤمن به عند أول اختبار.
لكن هل يكفي أن يكون الإنسان متمسكاً بمبدأ حتى يصبح موقفه صحيحاً؟ أم أن قيمة المبدأ نفسها تقاس أيضاً بما تحققه للناس الذين وُجدت من أجل خدمتهم؟فالحرية والعدالة والديمقراطية وسائر القيم الكبرى ليست غايات قائمة بذاتها، وإنما وسائل لخدمة الإنسان وصون كرامته وتحسين حياته.
فإذا كان ثمن التمسك بموقف معين هو إضعاف فرص وقف الحرب أو تأخير الوصول إلى مخرج يخفف معاناة الناس، فهل نكون ما زلنا نخدم المبدأ؟ أم أصبحنا نخدم تمسكنا بالمبدأ؟ !وربما يستند بعض الرافضين للمشاركة إلى تجارب سابقة يرون أنها أثبتت أن الاتفاقات لا تُحترم، وأن بعض القوى لا تلتزم بما تتعهد به، وأن الحوارات كثيراً ما تنتهي إلى نتائج أقل من التوقعات.
وهذا نقد مشروع، بل إن من واجبنا أن نتعلم من أخطائنا وتجاربنا السابقة، لا أن نجعل منها عقبة أمام كل محاولة لاحقة.
فصحيح ان من جرب المُجرب، حاقت به الندامة، ولكن ذلك ان كان سيكرر التجربة بنفس الطريقة، دون ان يكون قد استفاد من التجربة السابقة، ولكن المطلوب ان نجرَّب المُجرَّب بطريقة مختلفة تكون أفضل من سابقتها بعد ان نكون قد تعلمنا من تلك التجربة.
فإذا كانت الضمانات السابقة ضعيفة فالمطلوب البحث عن ضمانات أقوى، وإذا كانت بعض الاتفاقات لم تُنفذ فالمطلوب بناء آليات أفضل للمتابعة والمحاسبة.
أما تحويل الفشل السابق إلى دليل على استحالة النجاح، فهو حكم لا تؤيده تجارب الشعوب ولا تجارب البشر، فالناس لا تتعلم التعاون بترك التعاون، ولا تتعلم الحوار بترك الحوار، ولا تتعلم العمل المشترك بالانسحاب منه، بل إن الفشل المتكرر لا يعني بالضرورة أن الفكرة خاطئة، وإنما قد يعني أننا لم نتعلم بعد كيف نجعلها تنجح.
فالناس لا تنجح لأنها لا تخطئ، وإنما تنجح لأنها تتعلم من أخطائها وتطور أدواتها وتصحح مسارها، فالطفل قد يسقط عشرات أو مئات المرات قبل ان يتعلم المشي الصحيح، فلو توقف من اول او خامس محاولة فاشلة لتعطل نموه لحين معاودة المحاولة من جديد.
ثم إن الإنصاف يقتضي أن نطبق على الآخرين المعايير نفسها التي نريد منهم أن يطبقوها علينا.
فليس هناك حزب أو جماعة أو تيار أو شخصية عامة لا تملك في تاريخها أخطاء أو إخفاقات أو مواقف يمكن أن تُنتقد، فلو قرر الجميع أن يحاكم الجميع بماضيهم، لما بقي أحد صالحاً للجلوس مع أحد، ولهذا فإن حسن الظن الذي نطلبه لأنفسنا ينبغي أن نمنحه لغيرنا أيضاً ما لم يثبت العكس.
ولعل واحدة من المشكلات التي تواجهنا في أوقات الأزمات الكبرى أننا نتعامل أحياناً مع المواقف والمبادئ وكأنها صالحة لكل زمان وكل ظرف بالدرجة نفسها.
مع أن الحكمة لا تقوم فقط على معرفة ما هو صحيح، وإنما أيضاً على معرفة متى يكون الشيء مناسباً ومتى لا يكون، فكثير من القضايا التي تُعد مشروعة ومهمة في الظروف الطبيعية قد تصبح أقل إلحاحاً في ظروف الحرب والانهيار الشامل.
ليس لأنها فقدت أهميتها، وإنما لأن ترتيب الأولويات نفسه يتغير عندما تصبح حياة الناس وأمنهم ووجود الدولة كلها مهددة.
ولعله في هذا المقام يصبح من المفيد التمييز بين الشرعية التي تحتاجها السلطة، والشرعية التي يحتاجها العمل الطوعي.
فالسلطة تمارس صلاحيات على الناس وتصدر قرارات ملزمة لهم، ولهذا تحتاج إلى تفويض واضح وآليات معروفة للمراقبة والمحاسبة.
أما المبادرات الطوعية التي تسعى إلى جمع الناس أو تقريب وجهات النظر أو البحث عن مخرج للأزمة، فهي لا تمارس سلطة على أحد ولا تدعي حق الحكم باسم أحد، ولذلك فإن شرعيتها تكون مستمدة مما تقدمه من خدمة للمواطن والوطن هو في أمس الحاجة اليها.
وكثيراً ما تُطرح مسألة المشاركة الواسعة باعتبارها شرطاً مسبقاً لأي جهد وطني.
ولا خلاف على أهمية توسيع المشاركة، ولكن ما المقصود أصلاً بالمشاركة الواسعة؟ فمثلها مثل غيرها قد يختلف معناها من شخص او جماعة للأخرى، فهل المقصود مشاركة جغرافية تشمل مختلف الأقاليم والمناطق؟ أم مشاركة المرأة والشباب؟ أم مشاركة الأحزاب والتنظيمات السياسية؟ أم مشاركة النقابات والمهنيين والمزارعين والعمال؟ أم مشاركة النازحين واللاجئين؟ أم كل ذلك معاً؟قد يجيب كل شخص أو جهة على هذا السؤال بصورة مختلفة.
ولهذا فإن الاتفاق على أهمية المشاركة الواسعة لا يعني بالضرورة الاتفاق على معناها أو كيفية تحقيقها.
ولكن حتى لو تجاوزنا مشكلة التعريف واتفقنا نظرياً على معنى المشاركة الواسعة، تبقى هناك مشكلة أخرى لا تقل تعقيداً: كيف يمكن قياس تحققها في الظروف الراهنة؟فالسودان اليوم ليس بلداً يعمل في ظروف طبيعية.
ملايين المواطنين بين نازح ولاجئ ومجهول المصير، ومؤسسات كثيرة متأثرة بالحرب أو متوقفة، وكثير من الأجسام المهنية والنقابية والاجتماعية تعاني الانقسام أو ضعف التواصل مع قواعدها.
فإذا قلنا إن المطلوب تمثيل جغرافي، فكيف يمكن التأكد من ذلك في ظل النزوح الواسع وتغير أماكن إقامة الملايين؟ وإذا قلنا تمثيل الفئات الاجتماعية أو المهنية، فمن هي الجهات التي تملك اليوم تفويضاً واضحاً يمكن التحقق منه في ظل هذا الواقع الاستثنائي؟ ولهذا فإن تحويل المشاركة الواسعة إلى شرط مسبق قد يقود أحياناً إلى مطالبة الناس بتحقيق أمر يصعب التحقق منه أصلاً في الظروف الحالية.
وليس المقصود من ذلك التقليل من أهمية التمثيل والتنوع، وإنما الإقرار بأن ظروف الحرب تفرض قدراً من الواقعية في التعامل مع هذه القضايا.
وربما يزداد الأمر وضوحاً إذا ميزنا بين العمل السياسي الذي يهدف إلى إدارة الدولة أو توزيع السلطة، وبين العمل الطوعي الذي يهدف إلى مواجهة كارثة عاجلة أو الاستجابة لحاجة ملحة.
ففي الانتخابات، وفي تشكيل الحكومات، وفي كتابة الدساتير، وفي المؤسسات التي تصدر قرارات ملزمة للناس، تصبح المشاركة الواسعة والتمثيل الواسع من أهم الشروط التي ينبغي السعي لتحقيقها.
أما في العمل الطوعي والإنساني، فإن المنطق يختلف.
فالناس لا تنتظر اكتمال التمثيل حتى تبدأ في إنقاذ غريق، ولا تؤجل إطفاء حريق حتى يصل ممثلو جميع الأحياء والمناطق والفئات.
وإنما يبادر من يستطيع بما يملك من قدرة، ثم ينضم إليه الآخرون كلما اتسعت دائرة المشاركة.
وهكذا جرت العادة في كل أعمال الإغاثة والعمل الطوعي.
فالمبادرات تبدأ عادة بمن حضر ومن استطاع، ثم تتوسع مع الوقت.
أما اشتراط اكتمال المشاركة قبل بدء العمل، فقد يحول المشاركة نفسها إلى سبب لتعطيل العمل.
ولهذا فإن توسيع المشاركة يظل هدفاً مهماً ومطلوباً، ليس لكونه غاية في ذاته، وانما معين وضامن لمزيد من الفعالية والتجويد في هذا الظرف الاستثنائي، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى عقبة تمنع الناس من القيام بما هو ممكن ومتاح لإنقاذ الأرواح وتقليل المعاناة ووقف النزيف المستمر والدمار.
وتعلمنا التجارب أيضاً أن الناس كثيراً ما تلتف حول الأهداف أكثر مما تلتف حول الأسماء أو الهياكل التنظيمية، فقد التف الشعب كله يوماً حول تجمع المهنيين دون أن يعرف، أو حتى يسأل، من هم القائمون عليه أو ما هي خلفياتهم.
فحين يشعر المواطنون أن جهة ما تعبر عن تطلعاتهم وتخدم قضية يؤمنون بها، فإنهم يلتفون حول الهدف الذي تحمله أكثر من التفاتهم إلى اسمها أو شكلها التنظيمي.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الوسائل إلى غايات، ويصبح الجدل حول من يمثل من، ومن يملك الشرعية الأكبر، ومن يستحق الموقع الأهم، أهم من القضية نفسها التي اجتمع الناس من أجلها.
عندها تنتقل الطاقة من معالجة المشكلة إلى الصراع حول إدارة المشكلة، ومن خدمة الهدف المشترك إلى حماية المواقع والأجسام والتنظيمات.
ومن طبيعة الاستقطاب أيضاً أنه نادراً ما يتوقف عند حد معين.
فحين ينقسم الناس إلى معسكرات متقابلة، لا ينتهي الأمر عند هذا الحد، وإنما تبدأ انقسامات جديدة داخل تلك المعسكرات نفسها.
وهكذا يتحول الخلاف من وسيلة لإثراء النقاش إلى وسيلة لإنتاج مزيد من التفتت.
ولعل ما يدعو للقلق أكثر من المقاطعة نفسها أن هذا السلوك بدأ يتحول تدريجياً من حالة استثنائية إلى ممارسة عادية في الحياة السياسية السودانية.
فمواقف كان كثير من الناس يستنكرونها بالأمس أصبحوا يمارسونها اليوم، وأجسام كانت تنتقد غيرها بسبب رفض الجلوس مع المختلفين أصبحت تتبنى السلوك نفسه حين تجد نفسها في الموقع المقابل.
ومتى ما أصبح رفض الحوار أمراً عادياً، فإن النتيجة الطبيعية هي أن تتكاثر الانقسامات، ويتحول كل خلاف إلى قطيعة، وكل قطيعة إلى انقسام جديد، حتى نصل إلى لحظة لا يبقى فيها أحد مستعداً للجلوس مع أحد.
وهنا لا تصبح المشكلة مجرد خلاف سياسي، وإنما تصبح مشكلة تمس قدرة المجتمع نفسه على العمل المشترك.
ولا يقتصر أثر هذا التفتت على الداخل وحده.
فحين يظهر السودانيون أمام الأشقاء والجيران والمجتمع الدولي كأجسام متنازعة لا تكاد تتفق على شيء، يصبح من الصعب على الآخرين أن يفهموا ما الذي يريده السودانيون فعلاً أو كيف يمكن مساعدتهم.
أما حين يتوحد الناس حول الأهداف الكبرى، فإن ذلك لا يقوي موقفهم الداخلي فقط، بل يجعل صوتهم أوضح وتأثيرهم أكبر، ويزيد من فرص أن يكون الحل سودانياً نابعاً من إرادتهم هم لا من أجندات الآخرين.
ومن المشكلات التي تضاعف هذا التفتت أن بعض الناس يتعاملون مع مراجعة المواقف وكأنها ضعف، أو مع الاعتراف بالخطأ وكأنه هزيمة، أو مع تغيير الرأي في ضوء الوقائع الجديدة وكأنه خيانة للمبادئ.
مع أن الحقيقة قد تكون العكس تماماً.
فالثبات على المبدأ لا يعني الجمود على الوسيلة، والتمسك بالغاية لا يعني الإصرار على الطريق نفسه مهما تغيرت الظروف.
ثم إن السودان اليوم لا يعيش لحظة تنافس على السلطة بقدر ما يعيش لحظة صراع من أجل البقاء نفسه.
وليس من الضروري أن يتفق الناس اليوم على كل تفاصيل السودان الذي يريدون بناءه بعد عشر أو عشرين سنة حتى يتمكنوا من الاتفاق على وقف الحرب اليوم.
فهناك فرق بين الغايات البعيدة والمهام العاجلة.
فقد يختلف الناس حول شكل الدولة أو النظام السياسي أو السياسات الاقتصادية أو قضايا أخرى كثيرة، لكن ذلك لا يمنعهم من التعاون حول أهداف عاجلة يتفقون عليها جميعاً، مثل وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، وتهيئة الطريق لعودة الحياة الطبيعية، وعندها تصبح الظروف مهيئة وأكثر ملائمة لمناقشة القضايا المصيرية الأخرى.
فالناس لا تتوحد لأن الاختلاف اختفى، وإنما تتوحد أحياناً لأن حجم الخطر أصبح أكبر من خلافاتها.
والوحدة المطلوبة اليوم ليست وحدة فكرية كاملة، ولا اتفاقاً على كل القضايا، وإنما حد أدنى من التوافق يسمح بتوحيد الجهود في مواجهة كارثة تتجاوز قدرة أي طرف منفرد على التعامل معها.
فالعمل العام بطبيعته لا يخلو من الأخطاء.
وكل من يشارك في محاولة لحل مشكلة معقدة أو بناء توافقات وطنية لا بد أن يخطئ أحياناً ويصيب أحياناً أخرى.
أما الذي يختار البقاء خارج كل محاولة، فإنه يضع نفسه تلقائياً في موقع أكثر أماناً، لأنه لا يتحمل مسؤولية النتائج ولا يتعرض للنقد الذي يتعرض له من يخوضون التجربة عملياً.
لكن الأوطان لا تُبنى بالبحث عن المواقع الآمنة، وإنما بالاستعداد لتحمل المسؤولية.
فالذي يعمل قد يخطئ، لكن الذي لا يعمل لا يضيف شيئاً إلى الحل.
والذي يجتهد قد يقصر، لكن اجتهاده يظل أفضل من الوقوف على الهامش وانتظار أخطاء الآخرين.
ولا يقتصر أثر المشاركة على ما تحققه من نتائج مباشرة، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء الخبرة والقدرة الجماعية نفسها.
فالمشاركة نفسها هي الطريق الذي تتعلم من خلاله الجماعات والأفراد كيف يعملون معاً.
فالناس لا تكتسب خبرة التعاون وهي متفرقة، ولا تتعلم إدارة الخلاف وهي تتجنب الاحتكاك به، ولا تطور قدرتها على بناء التوافقات وهي ترفض الدخول في محاولات التوافق من الأصل.
وربما يكون كثير من أصحاب المقاطعة صادقين تماماً في دوافعهم ومدفوعين بخوف حقيقي من تكرار أخطاء الماضي.
لكن المشكلة ليست دائماً في النوايا، وإنما في النتائج.
فالنوايا الطيبة وحدها لا توقف حرباً، ولا تعيد نازحاً إلى بيته، ولا تطعم جائعاً، ولا تنقذ طفلاً من الموت.
وبالطبع لا نزعم أن ما تناولناه هنا يمثل كل الأسباب التي تدفع بعض القوى أو الأفراد إلى العزوف عن المشاركة في جهود وقف الحرب.
فربما كانت هناك أسباب أخرى لم نتطرق إليها، وربما كانت هناك اعتبارات لا نعرفها أو لم تخطر لنا أصلاً.
لكن السؤال الذي حاولنا الاقتراب منه لا يتعلق بسبب بعينه، وإنما يتعلق بالميزان الذي نقيس به تلك الأسباب.
فهل يوجد سبب، أياً كان، يمكن أن يصبح في هذه اللحظة أكثر إلحاحاً من وقف نزيف الدم، وإنقاذ الأرواح، وحماية ما تبقى من الوطن؟ وهل توجد خلافات أو تحفظات أو حسابات سياسية تبرر أن نعزف عن أي جهد يمكن أن يسهم في تقليل معاناة الناس أو تقريب البلاد من السلام؟ ولهذا فإن المواقف السياسية لا تُقاس فقط بما تقصده، وإنما أيضاً بما تؤدي إليه.
فليس المطلوب أن نتخلى عن مبادئنا، وإنما أن نضعها في خدمة الغاية التي وُجدت من أجلها: حماية الإنسان، وصون الوطن، وتقليل معاناة الناس.
لكن إذا كان الاختلاف أمراً طبيعياً بين البشر، وإذا كان من غير الواقعي أن يتفق الجميع على كل شيء، فكيف يمكن للناس أن يعملوا معاً رغم اختلافاتهم؟وهل المشكلة حقاً في وجود الاختلاف، أم في الطريقة التي نتعامل بها معه؟ذلك ما سنحاول الاقتراب منه في الحلقة القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك