قناة التليفزيون العربي - تطور مفصلي لأخطر أزمة طاقة في العالم.. هكذا انعكس فتح مضيق هرمز على أسواق الطاقة قناة العالم الإيرانية - المشاط: زمن شن الاعتداءات دون تحمل تبعاتها قد انتهى التلفزيون العربي - مبابي يقود فرنسا لفوز ثمين على السنغال في كأس العالم العربية نت - مبابي يقود فرنسا إلى فوز مثير على السنغال العربي الجديد - "إف بي آي": إحباط خطة لاستهداف البيت الأبيض أثناء فعالية حضرها ترامب الجزيرة نت - "هرمز" يبحث عن مصيره القدس العربي - مبابي يسجل في شباك السنغال ويعادل رقما جيرو وفونتين وينافس ميسي في المونديال قناة التليفزيون العربي - تهويد وسحب صلاحيات البناء والتخطيط من البلدية.. ماذا تعني خطوة إسرائيل الخطيرة في الخليل؟ رويترز العربية - حقائق-تكاليف تكبدها لبنان جراء أحدث حروب إسرائيل وحزب الله العربية نت - فانس يفجّر الجدل حول ملفات إبستين: أنا من أنصار نظرية المؤامرة وأردت كشف كل شيء
عامة

سلطنة دارفور: من صولون إلى دينار، ميلاد مملكة وموتها

سودانايل الإلكترونية

دراسة في التاريخ والسياسة والمجتمع بأسلوب من يقرأ الماضي ليفهم الحاضرفي أقصى غرب السودان، حيث يتشابك الجفاف مع الخصب وتتصارع الرمال مع العشب، قامت واحدة من أكثر التجارب السياسية إثارةً للتأمل في تار...

دراسة في التاريخ والسياسة والمجتمع بأسلوب من يقرأ الماضي ليفهم الحاضرفي أقصى غرب السودان، حيث يتشابك الجفاف مع الخصب وتتصارع الرمال مع العشب، قامت واحدة من أكثر التجارب السياسية إثارةً للتأمل في تاريخ القارة السمراء.

سلطنة دارفور [1]، ذلك الكيان الذي عاش قرابة ثلاثة قرون (1603-1916م) تقريباً، شيّد سلاطينه معادلة حكم يمكن وصفها بأدب: كانت أقرب إلى الفسيفساء منها إلى اللوحة الموحدة، إذ جمعت بين قداسة الأصل الديني وبراغماتية التاجر وعصبية القبيلة، في مزيج طالما أربك المؤرخين وأثار شهية من يحبون ألغاز التاريخ.

وإذا كان المؤرخ المنصف ملزماً بالقول إن هذه السلطنة صنعت حضارة لا يُستهان بها في قلب أفريقيا، فإن المؤرخ الساخر ملزم بالإضافة: إن موروثات سلطنة دارفور الثلاث ما زالت تمشي بيننا في ثوبٍ حديث، وتلك هي المأساة الحقيقية.

[2]الأرض والتأسيس، كيف تبني دولةً حين لا تجد حدوداًدارفور، هو اسم مركّب من “دار” بمعنى بلد أو وطن، و”فور” وهي القبيلة الحاكمة، تقع في الإقليم الغربي من السودان، وتحدها من الشمال الصحراء الكبرى وجزء من ليبيا، ومن الغرب تشاد، ومن الجنوب الغربي إقليم أفريقيا الوسطى، ومن الجنوب الشرقي مديرية بحر الغزال، ومن الشرق جبال النوبة وكردفان.

وكانت مساحتها الإجمالية تتراوح في أوج اتساعها بين 490,000 و510,000 كيلومتر مربع تقريباً، أي ما يعادل مساحة فرنسا وبريطانيا مجتمعتين، وإن كانت قدرة الدولة على استيعاب هذه المساحة تماثل أحياناً قدرة بعض المؤسسات العربية الحديثة على استيعاب نقد المثقفين.

تتنوع تضاريس دارفور تنوعاً يذهل العين ويُتعب الأرجل معاً.

ففي وسطها يشمخ جبل مرة، الذي يمتد على مسافة تزيد على مئة وخمسين كيلومتراً ويبلغ أعلى قممه نحو 3,042 متراً فوق سطح البحر، وهو ما يجعله مصدر مياه دائم تتفجر منه الأودية في كل اتجاه.

وإلى شمال هذا الجبل يمتد إقليم الشمال الجاف شبه الصحراوي، بينما يتحول الجنوب إلى سافانا خصبة تغري الرعاة وتُمسك بأقدام المزارعين.

أما الشرق والغرب فسهول رملية تارةً ووديان موسمية تارةً أخرى، في مشهد يذكّر بأن الطبيعة أيضاً لا تعرف كيف تتخذ قراراً حاسماً.

تشير الدراسات الأنثروبولوجية و التاريخية إلى أن سلالة “الكِيرا” (Keira) الحاكمة تنحدر أصلاً من قبيلة الفُور (Fur)، حيث تمثل هذه الأسرة البطن والعشيرة الملكية التي نجحت في توحيد بطون الفُور الأخرى مثل الكنجارة والتموركة وتأسيس المنظومة الإدارية للسلطنة؛ وتذكر الروايات التاريخية الموثقة أن هذه العشيرة نشأت من مصاهرة تاريخية وسياسية جرت في مناطق جبل مرّة بين الحكام الأوائل من مجموعات التنجر والداجو وبين المجموعات المحلية من قبيلة الفُور، مما منح سلالة الكِيرا شرعيتها السياسية والاجتماعية في حكم الإقليم وامتداد نفوذها عبر القرون.

[16]، [17]أما عن تأسيس السلطنة فتقول الروايات التقليدية المتوارثة إن مؤسس أسرة الكيرة السلطان سليمان صولون، (1596-1637م)، وقيل ( 1660 – 1680م )، هو الذي وضع لبناتها الأولى، بعد أن أحكم توحيد قبائل الفور تحت سلطة مركزية وأخضع جيرانه من قبائل الداجو والتنجر اللذين سبقاه في حكم الإقليم.

[3] غير أن ثمة من يُقدّم بدايات السلطنة إلى ما قبل ذلك، مستنداً إلى سلاسل نسب تصل، كما هو دأب سلاسل النسب في كل مكان، إلى النبي العربي الكريم مروراً بعمه العباس بن عبد المطلب، في رحلة نسب أخذت من العقل ما لم تأخذه الجغرافيا.

والحق أن ما سبق سليمان صولون كان كياناً للتنجور حكم جبل مرة وما حوله قبل قرن أو أكثر، ثم الداجو قبلهم، إلا أن الفور هم من حولوا هذه التجربة إلى دولة ذات بيروقراطية وحدود نسبية وشعائر حكم.

اي دولة لها جهاز إداري منظم يتشكل من هيكل وظيفي وموظفين وكتبة يديرون شئون الحكم من تحصيل الضرائب وتسجيل الأراضي وإصدار القرارت.

وهذا جهاز إداري يفوق كفاءةََ على نظام يعتمد فيه الحاكم فقط على علاقاته الشخصية أو على زعماء القبائل بشكل مباشر بلا تنظيم مكتوب.

وقد اتخذ سليمان صولون من “كبكابية” عاصمة، ثم تحولت العواصم لاحقاً إلى “تنقلو” وأخيراً “الفاشر” التي أصبحت قلب السلطنة في قرنها الأخير.

[1]الجيران، العيش في حضن من يريد خنقكلم يكن موقع دارفور الجيوسياسي ترفاً استراتيجياً بأي حال.

فالسلطنة كانت تعيش ضمن منظومة إقليمية معقدة تتداخل فيها مصالح التجارة وغارات الرقيق والطموحات التوسعية، وكلها مقرونة بذلك النفاق الدبلوماسي الكلاسيكي الذي يؤكد الأخوة الإسلامية في رسائل الديوان بينما يرسل الجواسيس من الباب الخلفي.

أ) سلطنة سنار / مملكة الفونج (1504-1821م)شكّل الجار الشرقي الأكثر أثراً وتأثيراً في مسار دارفور، إذ كانت مملكة سنار [4] تسيطر على وادي النيل وكردفان وتتصل بدارفور عبر طرق التجارة وسبل الحج.

كانت العلاقة بين الطرفين متذبذبة بامتياز: تجارة وأحلاف أحياناً، وحروب وتوترات حدودية أحياناً كثيرة.

الحرب الأبرز كانت في أواخر القرن السابع عشر وأوائل الثامن عشر حين تنازعت القوتان على منطقة كردفان التي مثّلت، كعادة المناطق المتنازع عليها في التاريخ، جائزة للقوي وجحيماً لمن يسكنها.

ب) سلطنة واداي (شرق تشاد الحالية، Wadai)كانت سلطنة واداي، وهي سلطنة إسلامية على الطريقة السنوسية عاصمتها أبشى وتأسست عام 1635م، الجار الغربي الأكثر عدوانية وبالتالي الأكثر إزعاجاً.

وكثيراً ما تنازعت مع دارفور على السيطرة على قبائل المنطقة الحدودية والطرق التجارية المارة بها.

وقعت حروب متعددة بين الطرفين، كان أشهرها ما جرى في القرن الثامن عشر حين تداولت الغلبة بينهما تداولاً ذكّر الناس بأن الانتصار في هذه البيئة ليس سوى إرجاء مؤقت للهزيمة.

ج) مملكة بغرمي (جنوب تشاد والكاميرون, Bagirmi )مملكة بغرمي الإسلامية كانت القوة الثالثة في هذا المثلث الإقليمي.

كانت علاقتها بدارفور أقل مباشرةً وأكثر توسطاً، إذ فصلت بينهما غالباً مملكة واداي.

غير أن الحروب الثلاثية بين هذه القوى أنتجت مناخاً من انعدام الاستقرار الذي عرّض المناطق الحدودية للنهب الدوري وأمدّ تجارة الرقيق بمادتها الخام البشرية بشكل منتظم.

د) القبائل الصحراوية الشمالية (الزغاوة والبداويد والبرتي, Bedeyat, Zaghawa, Bertis)لم تكن هذه الكيانات دولاً بالمعنى الحديث، لكنها كانت قوى حقيقية تملك من القدرة على تعطيل طرق التجارة الشمالية ما جعلها شركاء إجباريين أو خصوماً عنيدين.

وكانت دارفور تمارس معها سياسة ذكية: الاستيعاب حين أمكن، والمواجهة حين اقتضى الأمر، والزواج السياسي في أغلب الأحيان.

ooنظام الحكم، البيروقراطية بلمسة أفريقية وروح إسلامية وعقد قبلي مضمركان نظام الحكم في دارفور بناءً هرمياً متعدد الطبقات يجمع بين عناصر شبه إقطاعية وملكية مطلقة وتنظيم قبلي متجذّر، في تركيبة أشبه بثوب مرقّع يبدو من بُعد خلعةً فاخرة.

على رأس الهرم يجلس السلطان الذي يتمتع، من الناحية النظرية، بسلطة مطلقة تستند إلى الشرعية الدينية والنسب الرفيع.

غير أن الواقع الإداري كان أكثر تعقيداً وأقل إطلاقاً.

فالسلطنة كانت مقسمة إلى “حكوراً”، أي مناطق ممنوحة لزعماء القبائل أو الشخصيات الدينية بموجب “وثائق الحكر” [5] التي تعطي حق الانتفاع بالأرض وإدارة شؤون السكان مقابل الولاء السياسي والخدمة العسكرية ودفع الجزء المحدد من الموارد إلى الخزينة المركزية.

وكانت هذه الوثائق بمثابة دستور غير معلن، إذ أرست حقوقاً وواجبات متبادلة بين السلطان وزعماء القبائل.

أما الجهاز الإداري فكان يتضمن: (1) الوزراء والكتّاب (وكثير منهم من المتعلمين الوافدين من وادي النيل أو الحجاز)، و(2) القضاة ورجال الدين الذين يديرون المحاكم الشرعية، و (3) الشرطة والجيش الذي يتألف أساساً من التشكيلات القبلية مضافاً إليها حرس سلطاني خاص.

وكان الديوان السلطاني مؤسسة بيروقراطية حقيقية تتعامل مع قضايا الضرائب والأراضي والخلافات القبلية والعلاقات الخارجية [15]، وإن ظلت محدودية الكتابة والتدوين تجعل كثيراً من قراراتها رهينة الذاكرة الشفهية وقابلة للتحوير بحسب ميزان القوى.

إيا باسينقا أو إيا باسي (Iya Basinga or Iya Bassi)هذا الإسم إيا يعني الأم/السيدة الرفيعة وكلمتي بأسي وباسينقا تعنيان النفوذ والأجنحة.

كانت ثمة مؤسسة اجتماعية-سياسية فريدة يُطلق عليها نظام “إيا باسي أو إيا باسينقا “، تتزعمها أُُم السلطان أو أخته أو إحدى قريباته الكبريات، إذا لم توجد الأم، ولها سلطة موازية لسلطات السلطان نفسه.

تمتعت هذه المؤسسة باستقلال مالي واقتصادي هائل جعلها قوة موازية للسلطان.

كانت هذه المؤسسة تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة (الحواكير) وتعود عوائدها وخِراجها لبيت مالها الخاص وليس لبيت مال السلطنه العام.

كان لها الحق في جباية ضرائب مخصصة لها مباشرة من بعض الأقاليم والتجار.

أيضاّ، كانت تدير قوافل تجارية مستقلّة صعوداّ وهبوطاً عبر درب الأربعين الشهير للتجارة مع مصر وشمال أفريقيا في العاج والجلود والريش والمنسوجات.

وكان لزعيمة المؤسسة وضع “الرجل الثاني” في السلطنة فلها أيضاً نفوذ سياسي وامتلكت حق الفيصل أو الفيتو في بعض القرارات، وكان لزاماََ على السلطان استشارتها في أمور الحرب والصلح، ولها القدرة على عزل السلطان أو ترشيح خليفته بالتعاون مع مجلس الأعيان (الرجالات السبعة).

تؤكد المصادر التاريخية، ولا سيما دراسات المؤرخ ريكس شان أوفاهي (O’Fahey, 2008) في كتابه سلطنة دارفور: تاريخ، أن مؤسسة “إيا باسي” (Iya Bassi) النسائية حظيت بنفوذ سياسي واقتصادي وتشريعي واسع جعلهن في كثير من الأحيان نداً مباشراً للسلاطين؛ حيث برزت شخصيات ملكية قوية مثل “إيا باسي تاكا” التي واجهت السلطان أحمد بكر لحماية استقلال إقطاعياتها وجيشها الخاص، و”الميرم” أخت السلطان تيراب التي قادت تحالفاً عسكرياً حسم صراع العرش لصالح تنصيب السلطان عبد الرحمن الرشيد وفرضت رقابة صارمة على قراراته، وصولاً إلى “إيا باسي زينب” التي أجبرت السلطان محمد الفضل عبر مجلس الأعيان والقضاة على التراجع عن محاولاته لتقليص الامتيازات المالية للنساء الملكيات، مستندات في تلك المواجهات التاريخية إلى استقلالهن المالي التام وعوائد قوافلهن التجارية عبر “درب الأربعين” إلى جانب حق قصورهن في منح اللجوء السياسي والحصانة للمغضوب عليهم من جانب السلطة [1، 2].

كل هذا يكشف عن أن مسألة “وضع المرأة” في هذه المجتمعات كانت أكثر تعقيداً مما تصوّره الأيديولوجيات المبسِّطة في الاتجاهين [4,7,11].

دارفور والإمبراطورية العثمانية، بعيد عن العين قريب من المصلحةلم تكن العلاقة بين دارفور والدولة العثمانية علاقة تبعية سياسية مباشرة في معظم تاريخها، وهذا ما يفرّقها عن السودان الشمالي الذي ضمّه العثمانيون بشكل فعلي عبر حملة محمد علي باشا عام 1821م.

فدارفور، بحكم بُعدها الجغرافي عن القسطنطينية وصعوبة التضاريس، بقيت خارج دائرة السيطرة الفعلية العثمانية، وإن دخلت في منظومة الاعتراف الرمزي والتأثير الثقافي والديني.

وقد أرسل سلاطين دارفور بعثات إلى الأستانة (إسلامبول أو إستانبول الحالية) في مناسبات متعددة، وفي بعض الحالات كانوا يُشيرون إلى الخليفة العثماني بوصفه أمير المؤمنين مع الحفاظ على استقلالهم الفعلي التام، في نموذج من الغنائية الدبلوماسية التي يعرفها كل من سكن ظل دولة كبيرة.

غير أن ما غيّر المعادلة كان توسع الخديوية المصرية باتجاه الجنوب والغرب.

وحين بعث الخديوي إسماعيل باشا بجيشه للسيطرة على دارفور عام 1874م بقيادة الزبير رحمة منصور، بدت الدولة العثمانية كأنها تمتد من مصر لتبتلع ما تبقى من الأفريقي المستقل.

[6] وأسهم ذلك في انتهاء السلطنة المستقلة مؤقتاً بين 1874 و1898م، قبل أن يعيد المهديون إحياءها، ثم ينهي الاحتلال البريطاني-المصري الوجود الرسمي لها نهائياً عام 1916م.

أما التأثير الأعمق والأطول أمداً للحضارة الإسلامية الشرقية، ومعها العثمانية والمصرية، فكان في المجال الثقافي والتعليمي والديني.

إذ وفد إلى دارفور كثير من العلماء والفقهاء الذين جلبوا معهم المذاهب الفقهية والتصوف والخطوط المعمارية (بناءََ وخط عربي)، وأعادوا صياغة الحياة الدينية والتعليمية بما يتوافق مع النمط الإسلامي الكلاسيكي المحلي الممزوج بالأفريقي.

دارفور والخديوية والمهديةلم يكن غزو الزبير رحمة منصور لدارفور عام 1874م، في عهد الخديوي إسماعيل حفيد محمد علي باشا، مخططاً له من البداية بالصورة التي يُحب الساسة أن يرووها.

فقد بدأت القصة بشجار قبلي بين فصائل الرزيقات على الحدود بين دارفور وبحر الغزال، حين تعرضت قافلة الزبير التجارية للهجوم، فتحرك هذا التاجر-المحارب رداً على الإهانة لا تنفيذاً لأوامر القاهرة، بل إن الخديوي لم يكن قد أذن له بغزو دارفور أصلاً.

غير أن المنطق العسكري على الأرض كان أقوى من الإذن الرسمي، فتقدم الزبير شمالاً بجيش قوامه نحو سبعة آلاف مقاتل، وهزم السلطان إبراهيم قرض في معركة مناوشي (أو مناوشة) في أكتوبر 1874م، ودخل الفاشر في الثاني من نوفمبر من العام ذاته، منهياً بذلك حكم أسرة الكيرة.

وحين أرسل إلى القاهرة يُهدي الخديوي مملكةً كاملة، ردّ عليه الخديوي بأن أمره بالعودة إلى بحر الغزال، خشيةً من أن يُصبح هذا الرجل أخطر من أن يُدار.

ثم ذهب الزبير إلى القاهرة يطالب بحكم دارفور جائزةً لغزوه، فكان جوابه المنع من العودة إلى السودان نهائياً، في نهاية تليق بمن يُقدم هدية لا يستحقها متلقيها ولا يستطيع استردادها مانحها.

[13]ولم تنعم الخديوية بثمار هذا الغزو طويلاً، إذ ما كادت تُحكم قبضتها على الفاشر حتى جاءها من يُفهمها أن الحكم في هذه البلاد امتياز مؤقت لا ملكية دائمة.

ففي عام 1884م اجتاحت الثورة المهدية ما تبقى من سلطة الخديوية في السودان، فسقطت الفاشر في يد المهديين، تحت قيادة محمد بك خالد “زقل” شبه سلمية: أرسلت الحامية المصرية مفاتيح خزينتها بالبريد وارتدت الجلابيب المهدية انتظاراً للقادمين، في مشهد يُذكّر بأن المهزوم حين يفقد الإرادة قبل أن يفقد السلاح لا يحتاج عدوه إلى معركة.

والطريف أن الخليفة عبد الله التعايشي الذي خلف المهدي على رأس الدولة كان ابناً لدارفور من قبيلة التعايشة البقارية جنوبها، مما يجعل سقوط الحكم المصري على يد الدارفوريين أنفسهم ضرباً من العدالة الجغرافية النادرة في التاريخ.

[14]غير أن المهديين لم يكونوا أرحم بدارفور مما كان المصريون، إذ اضطر الجيش المهدي إلى قمع تمردات متكررة فيها حين حاولت العناصر الفورية إعادة بناء سلطتها، وظلت المنطقة ميداناً للتوترات طوال حقبة المهدية حتى هزيمة المهديين في أم درمان عام 1898م بقيادة كتشنر.

[13]مكونات المجتمع الدارفوري، موزاييك بشري يُحاول أن يبدو لوحةً واحدةلم يكن مجتمع دارفور متجانساً بأي معنى من المعاني، وهذا ليس نقيصةً بقدر ما هو حقيقة جغرافية وتاريخية.

فالإقليم عُرف دائماً بكونه ملتقى طرق التجارة والهجرة، مما جعله يستقطب مجموعات بشرية متنوعة تفاوتت في لغاتها وثقافاتها وأعرافها، وكل منها جلب معه إرثاً يتوق إلى الحفاظ عليه ويتحاشى الذوبان في غيره.

تُشكّل قبائل الفور النواة الحاكمة للسلطنة، وهم من أبناء جبل مرة والمناطق المحيطة به.

إلى جانبهم، قبائل الزغاوة المنتشرة على طول الحدود الشمالية مع تشاد وليبيا، وهم مشهورون بتجارة الإبل وشبكاتهم القبلية العابرة للحدود.

والبرتي والبرقد في المناطق الجنوبية الغربية، والداجو الذين ورثوا من أسلافهم لقب أصحاب الأرض الأصليين، والمساليت في الغرب المتاخم لتشاد، والتامة والقمر وعشرات القبائل الأصغر التي تملأ خريطة التنوع الدارفوري.

وإلى جانب هؤلاء الأبناء الأصليين، استقطبت دارفور، بحكم ثروتها الزراعية وموقعها التجاري، موجات من الوافدين: التجار الجلابة من وادي النيل، والعلماء المغاربة والمصريين والحجازيين، والرعاة العرب كالرزيقات والمسيرية والحوازمة وبني هلبة الذين وفدوا تدريجياً ونسجوا علاقات متشابكة مع السكان الأصليين لم تخلُ من توتر.

أما التراتبية الاجتماعية فكانت واضحة المعالم: النبلاء والأسرة الحاكمة في القمة، يليهم أصحاب المناصب الإدارية والدينية، ثم الفلاحون الأحرار وأصحاب القطعان، فصغار الحرفيين والتجار، وفي القاع، كما في كل مجتمع عرف العبودية، العبيد الذين شكّلوا قطاعاً لا يُستهان به من قوة العمل والثروة الاجتماعية.

[7]الدين، الإسلام بتفسير يرضي الله ويُرضي الجد الأفريقي معاًاعتنق حكام دارفور الإسلام تدريجياً، وإن كانت الروايات تتضارب حول التوقيت والظروف بالطريقة المعهودة في التاريخ الأفريقي الذي يتعامل مع التسجيل الكتابي بكثير من التحفظ.

غير أن الإسلام الذي ترسّخ في دارفور لم يكن إسلام الفقهاء الصارمين، بل إسلام الطرق الصوفية والأضرحة والشيوخ الكرامات.

وقد أسهمت جماعات صوفية كالتيجانية والسنوسية والقادرية والخلوتية (من الخلوة لأربعين يوما، أسسها عمر الخلوتي في أزرباجان) في نشر الإسلام عبر مسالك التجارة والعلم لا عبر الغزو، مما أنتج نمطاً دينياً أكثر مرونةً وتكيفاً مع الواقع المحلي.

[8]وكانت الممارسات الدينية الشعبية تمزج بين الشعائر الإسلامية والموروث الروحاني الأفريقي، من الاستشفاء بالشيوخ وتعليق التمائم وتقديم القرابين عند المواضع المقدسة وزيارة الأضرحة.

وقد تعامل علماء المنطقة مع هذا الواقع بحكمة عملية أحياناً وبتوتر أحياناً أخرى، إلا أن القاعدة العامة كانت أن الدين يُلبس ثوب المجتمع لا أن المجتمع يُعرّى ليلبس ثوب الدين.

وكانت الخلاوي، المدارس القرآنية، ركيزة الحياة التعليمية والدينية، إذ لم تكن مجرد أماكن لتحفيظ القرآن بل كانت مراكز للعلم والثقافة والتكوين الاجتماعي.

وأسهم السلاطين في دعمها وتشييدها، مدركين، كما يُدرك كل حاكم ذكي، أن تعليم الرعية في إطار ديني منظَّم خير من تركهم للتعليم العشوائي الذي قد يُنتج شكوكاً سياسية غير محمودة.

المسكرات، حين يتجادل الفقيه مع المعدةفي مجتمع مسلم رسمياً، تستهوي دراسة الموقف من الخمر المؤرخ الذي يحب أن يقرأ بين السطور.

ففي دارفور، كما في كثير من المجتمعات الأفريقية المُسلمة، تعايشت الشريعة الإسلامية التي تُحرّم المسكرات مع موروث غذائي وطقوسي متجذّر يجعل بعض المشروبات المخمرة جزءاً لا يتجزأ من دورة الحياة اليومية والموسمية.

كانت مشروبات كالمريسة، المصنوعة من الذرة المخمرة، والعرقي المُقطَّر جزءاً من الثقافة الشعبية لدى قطاعات واسعة من المجتمع، ولا سيما بين المجموعات غير العربية التي احتفظت بأعراف ما قبل الإسلام.

أما الفقهاء فقد تفاوتت مواقفهم: بعضهم أفتى بالتحريم القطعي وطالب بإراقة ما وُجد، وبعضهم تعامل مع المسألة بانتقائية مريحة تُغمض العين عما يُشرب في المنازل وتفتحها على ما يُشرب في الأسواق.

والحقيقة أن المريسة في البيئة الريفية لم تكن ترفاً أو انحلالاً أخلاقياً بالضرورة، بل كانت أحياناً الحل الغذائي الأمثل في منطقة تشحّ فيها الموارد البروتينية، إذ يُضيف التخمير قيمة غذائية لا يُستهان بها إلى الحبوب باربعة طرق علمية.

فالتخمير الميكروبي للذرة الرفيعة (Sorghum bicolor) يُحدث تحولات بيوكيميائية جوهرية تتجاوز ما يحققه الطبخ المباشر بمراحل.

فعلى صعيد البروتين، يُفكك التخمير الروابط البيبتيدية المعقدة في بروتينات الكافيرين (kafirins) — وهي البروتينات الاحتياطية المهيمنة في الذرة الرفيعة — مما يرفع قابلية هضمها من نحو 46% في الكسرة المطبوخة إلى ما يزيد على 70% في المنتج المخمر، وذلك بفعل الإنزيمات البروتيازية (proteases) التي تُفرزها بكتيريا حمض اللاكتيك (lactic acid bacteria) كـLactobacillus fermentum وL.

plantarum.

[1] أما على صعيد المعادن، فإن إنزيم الفيتاز (phytase) الذي تُنتجه هذه البكتيريا يُحلل حمض الفيتيك (phytic acid / inositol hexaphosphate, IP6) الذي يرتبط في الحبة غير المخمرة بالحديد (Fe) والزنك (Zn) والكالسيوم (Ca) ارتباطاً كيلاتياً (chelation) يحول دون امتصاصها في الأمعاء الدقيقة؛ وقد أثبتت الدراسات أن التخمير لمدة 24-72 ساعة يُخفض محتوى الفيتات (phytates) بنسبة تتراوح بين 50% و90%، مما يتيح امتصاصاً فعلياً للحديد يفوق ما تُوفره الكسرة المطبوخة بمقدار ثلاثة أضعاف تقريباً، فضلاً عن تخليق فيتامينات مجموعة ب كالريبوفلافين (riboflavin, B2) وحمض الفوليك (folic acid, B9) وكوبالامين (cobalamin, B12) كمنتجات ثانوية للأيض الميكروبي (microbial metabolism).

[2] وهذا ما يجعل المريسة والعصيدة المخمرة من الناحية البيوكيميائية أعلى قيمةً غذائيةً صافيةً (net nutritional value) من الكسرة رغم أن المادة الخام واحدة.

[3]ويُشكّل التخمير في الوقت ذاته عنصراً ترابطياً اجتماعياً حين يجتمع الناس حوله بعد موسم حصاد أو في مناسبات الأعراس والعزاء.

فالسؤال إذن ليس: “هل هذا حلال أم حرام؟ ” بل: “كيف نفهم مجتمعاً يُسلم بلسانه ويحيا بأعراف أسلافه؟ ” وهو سؤال تجيب عنه كل الحضارات بدرجات متفاوتة من الصدق.

الاقتصاد، مملكة الرمل والذهب والعرقاعتمدت الزراعة في دارفور اعتماداً رئيسياً على موسمية الأمطار الصيفية التي تتذبذب بين الوفرة والشح بشكل يجعل كل موسم مغامرة.

وكانت المحاصيل الرئيسية تشمل الذرة الرفيعة، السورقم Sorghum، والدخن والفول السوداني والسمسم والقطن وبعض الخضروات في مناطق الأودية والمرتفعات حول جبل مرة.

وأتاح جبل مرة نفسه، بمائِه الدائم وتُرابِه البركاني الخصيب، زراعة متنوعة تشمل الفاكهة والخضروات التي كانت تتدفق منه إلى بقية الإقليم.

شكّل الرعي الركيزة الثانية للاقتصاد الدارفوري، وكان القطاع الأكثر تنقلاً وبالتالي الأكثر تعقيداً من الناحية السياسية.

ذلك أن مسارات الرعاة الرحّل كانت تتقاطع مع أراضي الفلاحين المستقرين وتُسبّب توترات موسمية لم تتوقف في أي عهد، وإن كانت أعراف التحكيم القبلية توفر آليات غير كاملة للتسوية.

وكان الجمل والبقر والماعز والضأن موارد للغذاء والتجارة والمهر والضريبة العينية في آن واحد.

ج) التجارة الداخلية والخارجية:كانت دارفور حلقة محورية في منظومة تجارية أفريقية وعبر صحراوية واسعة.

[9] وقد جعل موقعها الجغرافي منها محطة لا غنى عنها على درب الأربعين الشهير، وهو طريق القوافل الذي يربط دارفور بمصر مروراً بالصحراء الكبرى، الذي كانت تسلكه قوافل تحمل العبيد والعاج والريش والصمغ العربي وجلود النمور والأسود باتجاه الشمال، وتعود محملةً بالأقمشة المصرية والنحاسيات والسلاح والكتب والبهارات وأصناف الترف.

[10] هذا الطريق العريق يمتد من مدينة الفاشر في قلب دارفور شمالاً عبر الصحراء الكبرى مروراً بواحة سليمة ثم واحة الخارجة في الصحراء المصرية، وصولاً إلى مدينة أسيوط على ضفاف النيل في مصر العليا، وقد سمّي بهذا الاسم لأن القافلة كانت تستغرق أربعين يوماً لقطع مسافته البالغة نحو ألفي كيلومتر.

وكانت الفاشر عاصمة دارفور قلب هذه التجارة، حيث كانت تقام الأسواق الكبرى التي تجمع التجار من القارات الثلاث: أفريقيا وآسيا وأوروبا (بصورة غير مباشرة في الغالب).

وقد فرضت السلطنة رسوماً جمركية على كل ما يعبر أراضيها، مما جعل التجارة مصدراً رئيسياً من مصادر الخزينة إلى جانب الغنائم والضرائب العينية.

تجارة الرقيق، الاقتصاد حين يُقيّد الإنسان ليدفع فاتورة الحضارةلا يمكن الحديث عن اقتصاد دارفور بصدق دون الاعتراف بأن تجارة الرقيق كانت ركيزة أساسية من ركائزه، وأن المحاولة للتحدث عن السلطنة دون ذكر هذا الجانب المُظلم تشبه كتابة تاريخ الشركات الاستعمارية الأوروبية دون ذكر الاستعباد: نشاط مُختار من الصحيفة لا نشاط تاريخي حقيقي.

كانت دارفور مصدراً وممراً للرقيق في آن واحد.

المصدر: من الغارات التي كانت تُشنّ على القبائل غير المسلمة أو الضعيفة في الجنوب (مناطق بحر الغزال وجبال النوبة وما يليها)، في مبرر ديني يُعلي من شأن الغزاة ويُهَّبط من شأن المغزوين إلى مرتبة “الوثنيين المباحين”.

والممر: إذ كانت قوافل العبيد تعبر دارفور نحو الشمال، مصر والجزيرة العربية وتركيا وما وراءها، عبر درب الأربعين وطرق أخرى.

وقد أفاد الرحالة الذين زاروا المنطقة أن قوافل العبيد كانت تضم أحياناً آلاف الأشخاص يُساقون في ظروف بالغة القسوة، وكانت نسبة الوفيات في الطريق عبر الصحراء مرتفعة جداً.

[11] وقد اضطلع الجلابة، تجار وادي النيل القادمون من الشمال، بدور الوسيط الرئيسي في هذه التجارة، وعملوا تحت ظل حماية السلطنة وبرضاها الضمني أو الصريح.

أما على الصعيد الداخلي، فقد خدم العبيد في المنازل والمزارع وكحرس شخصي للسلطان بل وكقوة عسكرية في بعض الأحيان.

وكان العبيد المُعتقون أو أبناء العبيد أحياناً يرتقون إلى مناصب عالية في الديوان والجيش، مما يجعل التراتبية الاجتماعية المرتبطة بالرق أكثر تعقيداً مما تُصوّره الصورة النمطية.

[15، 12] غير أن هذا التعقيد لا يلغي الحقيقة الجوهرية: أن ملايين البشر فقدوا حريتهم وإنسانيتهم وذاكرتهم الجماعية في منظومة استمرت لقرون، وأن لا تبرير ديني أو ثقافي يكفي لتغطية هذا الجرح في جسد التاريخ.

العمارة، كيف تقول الحجارة ما يُحجم عنه الكلاملم تُخلّف سلطنة دارفور إرثاً معمارياً مُبهراً بمقياس الأهرامات أو الجوامع الأندلسية، وهذا في حد ذاته درس في نسبية التقييم الحضاري.

فالعمارة الدارفورية كانت تعبيراً صادقاً عن بيئتها: مواد محلية متاحة، ومناخ قاسٍ، وحياة نسبياً بدوية لا تُغري بالاستثمار في الحجر ما يمكن بناؤه من الطين والقش.

كان القصر السلطاني في الفاشر أبرز المنشآت المعمارية، ويُعرف بـ”الدار”، وقد كان مجمعاً واسعاً يضم قاعات الاستقبال والمخازن والمساكن والمساجد الداخلية والحدائق.

وكانت المباني مشيّدة من الطوب اللبن (المجفف بالشمس) مع عناصر خشبية من أخشاب الدوم والهجليج، وكانت الجدران تُطلى بالجير وتُزيَّن ببعض النقوش الهندسية البسيطة.

أما المساجد فكانت تُمثّل الجزء الأكثر عناية وإتقاناً من العمارة الدارفورية، وقد تنوعت بين المساجد الجامعة الكبيرة في مراكز المدن والمساجد الصغيرة في القرى.

وفي المنطقة الجنوبية الغربية ظلت عمارة الكوخ الأفريقي الدائرية المسقوفة بالقش هي المعيار السائد للسكن الشعبي، في حين حافظت طبقة الأثرياء على مساكن من الطوب اللبن ذات أفنية داخلية.

ومن المثير أن تقنيات بناء الخزانات المائية وحصاد الأمطار، “الحفائر” و”القلت”، كانت تُمثّل نوعاً من العمارة الهندسية الشعبية ذات الطابع الجماعي، تعكس مجتمعاً تعلّم أن الماء في هذه البيئة يساوي الذهب وأحياناً يفوقه.

نهاية السلطنة، كيف يموت كيان حين يشيخ العالم من حولهلم تمت سلطنة دارفور ميتةً واحدة نظيفة، بل ماتت مرتين: مرة في عهد الخديوي الذي ابتلعها عام 1874م، ومرة ثانية ونهائية على يد الاستعمار البريطاني-المصري عام 1916م.

وبين الموتتين بعث المهديون إحياءها إحياءً قصيراً لم يُنتج سوى حكم محلي انتقالي فوضوي.

في عام 1874م، تحرّكت جيوش الخديوي إسماعيل، بقيادة الزبير رحمة منصور، التاجر والمحارب والرجل الذي كان يستطيع في الوقت ذاته أن يكون قاتلاً وشاعراً، نحو دارفور في حملة استعمارية بقناع إداري.

وعلى الرغم من المقاومة الشرسة التي أبداها السلطان إبراهيم قرض الذي لقي حتفه في المعارك، إلا أن التفوق العسكري وتفكك التحالفات القبلية أفضيا إلى سقوط الفاشر وإلحاق دارفور بالسودان المصري.

جاءت الثورة المهدية عام 1881م لتقلب الموازين مجدداً.

وبعد مقتل الجنرال غوردون في الخرطوم عام 1885م عادت دارفور إلى حكم محلي شبه مستقل.

[13] غير أن هذه المرحلة لم تشهد إحياءً حقيقياً للمؤسسة السلطانية بل كانت أقرب إلى فراغ السلطة الذي يملأه أقوى المتنافسين.

وحين أعادت القوات البريطانية-المصرية فرض سيطرتها على السودان عقب معركة كرري عام 1898م، رأت بريطانيا في البداية أن إدارة هذا الإقليم الشاسع تكلّف أكثر مما تُدرّ، فتركته في حكم السلطان علي دينار (1898-1916م) الذي نجح لفترة في إعادة بعض مؤسسات الحكم السلطاني في ظل الاعتراف البريطاني الرسمي.

[14]لكن الحرب العالمية الأولى كانت بمثابة الضربة القاضية.

فحين ميّل علي دينار نفسه نحو الأتراك العثمانيين في لحظة انتهازية قُدِّر لها أن تكون انتحارية، إذ كانت بريطانيا في حرب مع العثمانيين، أرسلت الإدارة البريطانية حملة عسكرية سريعة عام 1916م.

هُزم علي دينار في معركة بيرنجا في مايو 1916م، وقُتل في نوفمبر من العام ذاته أثناء فراره.

وبذلك طُوي الستار على سلطنة دارفور المستقلة إلى الأبد، لتُصبح مديرية في السودان الإنجليزي-المصري، ثم ولاية في السودان المستقل، ثم أرضاً يُكتب عنها تقارير المنظمات الدولية ومنظمات الإغاثة الإنسانية أكثر مما يُكتب عنها تاريخ.

لو نظر الدارفوريون اليوم إلى هذا التاريخ الطويل لوجدوا فيه صورةً مُركّبة: دولة بنت مؤسسات وقننت أعرافاً وأقامت تجارةً وأنتجت علماءً، لكنها أيضاً دولة استمدت جزءاً من ثروتها من استعباد البشر وجزءاً من استقرارها من إخضاع الأضعف.

وهي في هذا ليست استثناءً في التاريخ الإنساني بل هي نموذج منه، ذلك التاريخ الذي نُكرّمه حين يُشرّفنا ونُقفل الباب عليه حين يُحرجنا.

وما يُعزّي في كل هذا أن سلطنة دارفور برهنت أن الحضارة لا تعرف حدوداً جغرافية أو إثنية: في قلب أفريقيا، وسط الرمال والسافانا، قامت دولة لها قضاؤها وكُتّابها، وعُلماؤها، وتجارتها، وعمارتها.

أما أنها أُزيلت في نهاية المطاف بقوة السلاح الأجنبي، فهذا الدرس أيضاً لا يحتاج شرحاً لمن يعيشون فوق الأرض ذاتها.

[1] R.

S.

O’Fahey, The Darfur Sultanate: A History, C.

Hurst & Company, London, 2008.

[2] يوسف فضل حسن، مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في غرب السودان، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، 1971م.

[3] R.

S.

O’Fahey and J.

L.

Spaulding, Kingdoms of the Sudan, Methuen, London, 1974.

[4] Jay Spaulding, The Heroic Age in Sinnar, African Studies Center, Michigan State University, East Lansing, 1985.

[5] R.

S.

O’Fahey (ed.

), Land in Dar Fur: Charters and Related Documents from the Dar Fur Sultanate, Cambridge University Press, Cambridge, 1983.

[6] Richard Hill, Egypt in the Sudan 1820-1881, Oxford University Press, London, 1959.

[7] H.

A.

MacMichael, A History of the Arabs in the Sudan, Cambridge University Press, Cambridge, 1922, vol.

1.

[8] B.

G.

Martin, Muslim Brotherhoods in Nineteenth-Century Africa, Cambridge University Press, Cambridge, 1976.

[9] E.

Ann McDougall, The Sahara Reconsidered: Pastoralism, Politics and Salt from the Nineteenth Century, African Economic History, no.

12, Madison, 1983.

[10] W.

G.

Browne, Travels in Africa, Egypt, and Syria from the Year 1792 to 1798, T.

Cadell and W.

Davies, London, 1799.

[11] Gustav Nachtigal, Sahara and Sudan, vol.

4 (Wadai and Darfur), trans.

A.

G.

B.

Fisher and H.

J.

Fisher, C.

Hurst & Company, London, 1971.

[12] Paul E.

Lovejoy, Transformations in Slavery: A History of Slavery in Africa, Cambridge University Press, Cambridge, 2nd edition, 2000.

[13] P.

M.

Holt, The Mahdist State in the Sudan 1881-1898, Oxford University Press, London, 2nd edition, 1970.

[14] Rex Sean O’Fahey, Ali Dinar: Last Sultan of Darfur 1898-1916, Longman, London, 1980.

[15] عبد المنعم خليفة خوجلي، لمحة من تاريخ دارفور، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، الطبعة الأولى ٢٠١١، ص 49-53.

[16] R.

S.

O’Fahey, “State and Society in Dar Fur”, C.

Hurst & Company, London, 1980.

P 15-22.

[17] أرباب، أحمد عبد القادر.

(2000).

تاريخ دارفور عبر العصور.

شركة مطابع السودان للعملة.

ص ص.

85-98.

[18] Nout, M.

J.

R.

and Motarjemi, Y.

(1997).

“Assessment of fermentation as a household technology for improving food safety: a joint FAO/WHO workshop.

” Food Control, 8(5-6), 221-226.

[19] Towo, E.

, Matuschek, E.

and Svanberg, U.

(2006).

“Fermentation and enzyme treatment of tannin sorghum gruels: effects on phenolic compounds, phytate and in vitro accessible iron.

” Food Chemistry, 94(3), 369-376.

[20] Hamad, A.

M.

and Fields, M.

L.

(1979).

“Evaluation of the protein quality and available lysine of germinated and fermented cereals.

” Journal of Food Science, 44(2), 456-459.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك