ثمة قصة تروى في تاريخ البرلمان الأردني بطلها عضو مجلس النواب الراحل رحمه الله ميشيل حجازين.
النائب وقف أثناء مناقشات مع حكومة جديدة قائلا: «دولة الرئيس … أنت تكذب، ثم تكذب، ثم تكذب».
الدرس السياسي والوطني الحقيقي ليس ما قاله نائبنا الراحل، ولكن في تلك الابتسامة الناعمة والتعليق الأخاذ الذي يخلو من الحقد والرد لرئيس الوزراء آنذاك.
الرئيس- ونتحفظ على ذكر اسمه- قابل تلك العبارة القاسية جدا وغير المألوفة برحابة صدر وشكر النائب الذي اتهمه معتبرا ما قيل مسؤولية الحكومة إثبات عكسه قبل احترام القاعدة الدستورية التي تقول: «أقوال النائب تحت القبة أثناء انعقاد الدورة حرة ولا تخضع للمساءلة».
لم يحقد ذلك الرئيس ولم يحجب أي خدمات عن النائب، لا بل دعاه إلى مكتبه وأحسن استقباله ثم ناقشه بحيثيات التهمة في كل هدوء واحترام ومودة.
هذه أخلاق الأردنيين المتوارثة والمعتادة.
الأردني البسيط وطني ونزيه ويختلف مع الدولة لا عليها، وعند الغضب والانزعاج ينتقد ويصرخ وأحيانا يشتم.
الأردن بلد التسامح والمرحلة التي ينظر فيها للوزراء والمسؤولين باعتبارهم مناطق مأمونة لا يجوز نقدها انتهت.
العمل العام وكما كان يقول الراحل حجازين نفسه، يعني توسيع الصدر والترحيب بالنقد والاتهام.
العمل العام في بنيته الإنسانية والأخلاقية يرحب بالنقد ولا يرفضه، ويصفق للمتابعة والمساءلة ويؤمن بعقيدة وجود جهات أخرى تراقب المسؤول أو الوزير، مع فرضية حسن النية وسيناريو الحرص على المصلحة العامة من دون شطط أو شخصنة ومع تحري الدقة طبعا.
دوما العمل الرسمي والعام جزء من مفهوم الخدمة الوطنية الذي يغيب أحيانا للأسف عن بعض المسؤولين والوزراء أصحاب الصدر والأفق الضيق.
الرأي في الدستور الأردني مصان وله حرمة والتعبير عن الرأي يحميه الاحتكام في النص الدستوري، والممارسات التي تبدأ من مقترع وناخب وانتخابات تنتهي بحصول الحكومة على ثقة برلمان منتخب.
المرجح أن عددا من المسؤولين التنفيذيين يضيقون ذرعا بالانتقاد والمتابعة المعلوماتية ويحاولون الربط بتهافت ملحوظ ومرصود بين انتقاد الأداء في أي مؤسسة أو وزارة وانتقاد الدولة، أو بين التعرض لمناقشة مسؤول محدد وبين الانتماء والولاء.
انتقاد الحكومة أو الوزير فيها لا علاقة له بالمطلق بانتقاد الدولة ولا النظام ولا الحكم.
تلك أسطوانة مشروخة نعرفها جميعا، ولعبة تحاول بعض المستويات التنفيذية اللجوء لها لإضفاء حصانة اجتماعية غير دستورية وللهجوم على حريات الرأي والتعبير وللادعاء بأن المسؤول في منطقة محصنة غير قابلة للنقد.
الانتقاد الحقيقي الوطني البناء الإيجابي يبني الدولة ولا يهدمها.
الأردنيون شعب صريح عموما ولديه سوابق تاريخية متعددة في إنشاء حوار صريح مع قيادتهم العليا وملوكهم أحيانا، الذين يواجهون بكل بساطة وترحاب وثقة وتواضع حالات الانتقاد، وحتى أحيانا حالات التجاوز وقلة الأدب.
النقد البناء الحميد الهادف هو أساس وجوهر العمل الديمقراطي والعلاقة بين السلطاتالتجربة الأردنية لا يمكنها التخلص من عناوين التسامح والقيم النبيلة التي ترتبط بالتسامح في العمل الوطني والسياسي الإعلامي.
التسامح العام فيه هوامش لقبول الانتقاد، وليس من مصلحة الدولة في كل حال تحويل الحكومات ورموزها إلى مناطق عصية على الانتقاد وترفض المناقشة وتسعى لتحصين نفسها من النقد والمساءلة والمتابعة والمعلومات.
قالها فيلسوف إيطالي قبل عدة عقود: «نحن يجب أن نغير بعض الأشياء حتى لا تتغير أشياء أخرى أكثر أهمية».
انتقاد الوزير في العمل الوطني العام وملاحقته في المعلومات ومساءلته جزء من تقاليد المجتمع والدولة في الحالة الأردنية، بدلالة أن المجتمع عموما يتقبل المسؤول في الحكومة والوزير ويتعامل معه بكل احترام إلى أن يخطئ أو تتضرر مصالح المواطن، ومهارات التواصل بين الناس والحكومة هدفها المنطقي والوطني إنارة درب الحكومة بأفكار ومقترحات نقدية.
على مسؤولي الحكومة الحالية توسيع صدورهم قليلا.
وعلى الحكومة التي تطالب الشعب بالإدلاء برأيه بتشريعاتها المعروضة قبول النقد المباح وطنيا وقيميا، لا بل عليها تشجيع ذلك النقد ليس فقط من باب احترام مشاعر واتجاهات الشعب الذي منح نوابه تلك الحكومة الثقة، ولكن من باب رفد الحكومة بالأثر الرجعي وتنويع الروايات ومصادر المعلومات لها.
الجزء الأهم من ممارسة الولاية العامة التي ينص عليها الدستور لأي سلطة تنفيذية يتمثل في مراعاة الوالي العام هنا لمشاعر ومواقف ومصالح رعيته والمواطنين الذين تولى شؤونهم.
لا يوجد لا ملائكة ولا أنبياء ولا شخصيات مقدسة في الحكومة، والحصانة يحصرها الدستور في ذات يعرفها الجميع.
النقد البناء الحميد الهادف هو أساس وجوهر العمل الديمقراطي والعلاقة بين السلطات.
الغثاء والافتراء والفبركة والانتهازية واحتراف النميمة عناصر يمكن الإلقاء بها في سلة المهملات، وفي حالات الضرورة القصوى ثمة قوانين ناظمة يمكن استعمالها في ردع الإساءة عندما تتجاوز حدودها.
الوزير مواطن في النهاية ويمكنه اللجوء إلى القضاء قبل فوات الأوان، ننصح الحكومة بتوسيع صدرها قليلا.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك