فورتسبورغ – لمن يبحث عن السفر الهادئ والمدن الصغيرة في ألمانيا التي تجمع بين سحر التاريخ وجمال المعمار فإن مدينة فورتسبورغ الواقعة جنوبي البلاد تبقى الخيار المناسب، خاصة مع مناظر النهر وكروم العنب المحيطة بالمدينة والمطلة على نهر الماين، كما أن فورتسبورغ وجهة مميزة لمحبي التاريخ وفن العمارة الباروكية.
تقع فورتسبورغ في شمال ولاية بافاريا على ضفاف نهر الماين، وتُعد من أجمل المدن السياحية في منطقة فرانكونيا، وتتميز بمزيج رائع من التاريخ والثقافة والطبيعة، وتجمع أنحاء المدينة بين أناقة المعمار الباروكي وروح المدينة الجامعية الحيوية.
من الجوانب الجميلة في المدينة هدوءها وصغر مساحتها، بحيث تبقى مناسبة للتجول في أبرز مناطقها وأماكنها المميزة مشيا أو عبر متن دراجة هوائية، كما يمكن للزائر خوض تجربة رحلات عبر نهر الماين.
وأما وسط المدينة التاريخي فشوارعه مرصوفة بالحجارة، وفيه بيوت نصف خشبية، مع ساحات صغيرة مليئة بالمقاهي والمطاعم، ومتاجر تعرض منتجات محلية وحرف يدوية، ما يمنح الزائر أجواء المدن الأوروبية القديمة إبان العصور الوسطى.
فورتسبورغ تصنف ضمن المدن الألمانية الصغيرة، إذ يقدر عدد سكانها بنحو 130 ألفاً، وربعهم من الطلاب، ويظهر ذلك في الشوارع حيث يلفت انتباهك الحضور القوي لفئات الشباب والذين يفضل عدد منهم ركوب الدراجات الهوائية على باقي وسائل النقل العام.
وجود جامعة فورتسبورغ العريقة في المدينة يمنح المكان طابعا شابا وحيويا، مع إقامة فعاليات ثقافية وفنية على مدار العام، وتضم المدينة الألمانية أقدم جامعة في البلاد ويناهز عمرها 4 قرون، ويوجد في فورتسبورغ أول سكن جامعي للطلاب والأساتذة في ألمانيا.
كانت فورتسبورغ عاصمة لدولة مستقلة داخل منطقة بافاريا لمدة 600 عام، وارتبط تاريخها ووضعها السياسي والتاريخي بمنصب الأمير الأسقف" Prince Bishop"، وهو لقب للشخص الذي حكم المنطقة ككل من العصور الوسطى وحتى بداية القرن التاسع عشر، وكان يجمع بين السلطة الدينية والسياسية في الوقت نفسه.
واستمرت حقبة الأمراء الأساقفة في فورتسبورغ إلى غاية عام 1803، عندما أنهى الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت الكثير من المعطيات السياسية والجغرافية واللغوية للمدينة، إذ تحول فيها قصر الإقامة في المدينة من مقر للأمراء الأساقفة إلى استراحة ملكية لإمبراطور فرنسا، وانتهت بذلك فورتسبورغ كعاصمة لدولة مستقلة وأصبحت المدينة جزءاً من منطقة بافاريا.
في الكثير من أنحاء فورتسبورغ يصادف السائح معالم تاريخية مثل الكنائس والنصب التذكارية والمباني السكنية التي شيدت على النمط الباروكي، وهو يتسم بالمسحة الكاثوليكية وبنصب تماثيل ضخمة، وهو ما لا نجده مثلاً في شمال ألمانيا.
تضم المدينة قرابة 50 كنيسة كاثوليكية، ومن أجمل كنائس فورتسبورغ كنيسة مريم العذراء، ذات اللون البرتقالي من الخارج والنمط الباروكي المميز وتوجد في ساحة السوق وسط المدينة، فضلا عن كاتدرائية فورتسبورغ أو القديس كيلين، وكنيسة كابيله، وكنيسة نويْمُنستر، وكنيسة سانت يوهانيس.
وتشتهر كاتدرائية فورتسبورغ أو كنيسة سانت كيلين ببابها الخشبي الضخم، والذي تتحدث نقوشه عن أحداث يوم القيامة، والكنيسة من أكبر الكنائس الرومانية في ألمانيا.
يعد قصر الإقامة أو قصر فورتسبورغ أهم معلم سياحي في المدينة ويرجع تاريخه للعصر الإمبراطوري للمنطقة، والمكان تحفة معمارية باروكية مدرجة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
ويتميز القصر بحدائقه الواسعة، وبقاعات الاستقبال المزخرفة، وسقف الدرج الشهير الذي يُعد من أكبر اللوحات الجدارية في العالم وتسمى جدارية الأمم أو لوحة القارات الأربع.
وقد صنف قصر الإقامة، والذي يشبه في تصميم واجهته الأمامية قصر فرساي في باريس، ضمن قائمة اليونسكو بوصفه آخر قصر بني في أوروبا بالنمط الباروكي، ويجمع القصر بين النمط المعماري الفرنسي والنمساوي، والمميز في هذا القصر أنه القصر الوحيد في العالم الذي بني بتصميم مهندس واحد فقط وفق ما يذكره للجزيرة نت المرشد السياحي ماركوس شيفر، وهو ابن مدينة فورتسبورغ.
جدارية الأمم عند الدرج الرئيسي للقصر أنجزها الفنان الإيطالي جيوفاني تيبولو بمساعدة أبنائه بين عامي 1752 و1753، وهي من أبرز الشواهد والشواهق على الفن الباروكي في ألمانيا وفي العالم، وتصنف على أنها من أكبر اللوحات الجدارية في العالم (677 متراً مربعاً) وأيضا أكبر لوحة بالصباغة المائية على الجص الرطب، وقد أنجزت في سقف واحد ودون أعمدة داعمة.
وتخطف جدارية تيبولو ألباب زوار القصر، والذين يظلون تحتها كثيرا لتأمل تفاصيلها وجمال ألوانها وضخامة المساحة التي تمتد عليها، وتجسد الجدارية فكرة تمجيد الأمير الأسقف باعتباره راعيا للفنون والعلوم، وتدور الفكرة حول أن" الشمس" (التي ترمز للأمير) تشرق فوق القارات الأربع التي كانت معروفة في القرن الثامن عشر وهي: أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا.
وكل ركن من أركان الجدارية الأربعة يمثل قارة من القارات الأربع بشخصيات وحيوانات.
وقد نجت هذه الجدارية من نيران الحرب العالمية الثانية، ففي مارس/آذار 1945 تعرضت فورتسبورغ لقصف بريطاني دمر 90% من المدينة التاريخية ودمر القصر، غير أن سقف الدرج الرئيسي وجدارية تيبولو نجيا من الدمار بفضل صلابة البناء الخرساني في تلك المنطقة من القصر.
ومن أجمل قاعات قصر الإقامة قاعة المرايا، والتي تضم ألواحاً زجاجية معقدة تمتح من فن الروكوكو في أوروبا، وقد رسم على الزجاج أشكال عديدة بشكل معكوس، مع غلبة اللون الأصفر فوق الرسومات، وعندما يقف الزائر وسط القاعة تنعكس المرايا على بعضها البعض لتخلق وهما بصريا بامتداد القاعة إلى ما لا نهاية، وقد استخدمت هذه التقنية لإبهار الضيوف.
وهناك أيضا القاعة البيضاء وتضم أعمال النحت على الجص بطريقة دقيقة على الجدران والسقف.
كما توجد القاعة الإمبراطورية والتي تتميز بفتحتها البيضاوية وأعمدتها الرخامية الحمراء الضخمة المطعمة بالذهب.
ويضم القصر أيضا غرفة العرش أو قاعة الاستقبال الكبرى في جناح الأمير الأسقف، ويطغى عليها اللونان الأحمر المخملي والذهبي، وفي سقفها ثريات كريستالية ضخمة وأثاث مذهب فاخر.
بعدما تنهي زيارة القصر لا تفوت فرصة التجول في الحديقة الواسعة والغناء المحيطة بالقصر، والتي أقيمت على النمط الفرنسي، ففيها مسارات للمشي ونوافير وترتيب جميل للمساحة الخضراء وأماكن للجلوس.
لا يمكن لزائر فورتسبورغ أن يفوت زيارة جسر الملوك أو جسر الماين القديم، فهو جسر تاريخي شهير يربط ضفتي نهر الماين، وهو مثالي لالتقاط الصور خصوصا في وقت غروب الشمس.
والجسر الحجري يعود للقرون الوسطى، وتصطف على جانبيه 12 تمثالا تجسد شخصيات ملوك وقديسين ارتبطوا بتاريخ المدينة ومنطقة بافاريا ككل.
والمكان ممنوع على السيارات ومخصص حصريا للمشاة ولركاب الدراجات الهوائية، وهو نقطة التقاء شهيرة للسياح والسكان المحليين على حد سواء.
وتنتشر قرب الجسر محلات لبيع النبيذ المحلي، إذ من أشهر عادات أهل المدينة شرب القهوة والخمر على الجسر في الهواء الطلق مع تبادل الحديث، والاستمتاع بالتنزه في منطقة مركزية تمنح إطلالة رائعة على المكان.
ويمنح الجسر إطلالة رائعة على مدينة فورتسبورغ وعلى القلعة القديمة، وعلى كروم العنب المنتشرة حول المدينة، ويربط الجسر عبر نهر الماين بين البلدة التاريخية لفورتسبورغ وقلعة مارينبيرغ الشهيرة التي تقع على التلة المقابلة للمدينة.
تقع القلعة فوق تلة مرتفعة على الضفة الغربية لنهر الماين، ويمكن أن ترى من مختلف أنحاء المدينة، ويفضل الكثير من السياح الصعود إلى القلعة سيرا على الأقدام عبر ممرات مشاة تبدأ مباشرة بعد عبور جسر الماين القديم.
وعند الوصول إلى قلعة مارينبرغ تنفتح أمام الزائر إطلالة بانورامية على المدينة برمتها وكروم العنب المنتشرة حولها، والمنطقة المحيطة بالقلعة تمتد على مساحة كبيرة وهي مناسبة لمحبي المشي والتصوير.
وقد كانت القلعة مقراً تاريخياً للأمراء الأساقفة لأكثر من 500 عام، والذين حكموا المدينة ومنطقة فرانكونيا.
وتجسد عمارة القلعة مزيجا بين القوطية وعصر النهضة والباروك، وتضم القلعة عدة مبانٍ ومن بينها كنيسة السيدة العذراء، وأبراج مراقبة، وبيت البئر، فضلاً عن الحديقة الأميرية.
وخلال زيارة" الجزيرة نت" للمدينة كانت القلعة مغلقة بسبب أعمال التجديد والصيانة الجارية فيها، ولكن متحف الفرانكونية الموجود داخل القلعة كان مفتوحا أمام الزوار، وهو يضم مجموعة متنوعة من المعروضات التي تغطي تاريخ وثقافة منطقة فرانكونيا، مثل اللوحات والأسلحة والأثاث والملابس والمصنوعات اليدوية، مما يوفر نظرة شاملة على الحياة في عصور مختلفة.
ويعتبر المتحف، والذي أنشئ عام 1947، من أبرز متاحف التاريخ والفنون في منطقة بافاريا وألمانيا ككل، ويضم لوحات فنية وتماثيل ومصنوعات يدوية من منطقة فرانكونيا، بما فيها أكبر مجموعة تماثيل للنحات الألماني الشهير تيلمان ريمنشنايدر، والذي عاش في القرن الثالث عشر (أكثر من 80 عملاً فنياً لهذا الفنان)، ويحتوي المتحف أيضا مقتنيات من خشب وحجارة يفوق عمر بعضها 3 آلاف سنة.
يبقى مبنى رونتغن التذكاري، وهو المختبر الجامعي الذي اكتشف فيه العالم الألماني" فيلهلم رونتغن" الأشعة السينية (X-rays) في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 1895، من أهم الشواهد التي غيرت مجرى الطب والفيزياء في العالم.
وبهذا الاختراع نال رونتغن أول جائزة نوبل في الفيزياء في عام 1901، ويضم المبنى غرفة المكتب والمختبر الأصلي بحيث تم الحفاظ عليها وترميمها بدقة لتبدو تماما كما كانت في عام 1895، كما يحتوي المبنى على أدوات وأجهزة استعان بها رونتغن في تجاربه مثل أنابيب الزجاج المفرغة والملفات الكهربائية.
المكان وجهة رائعة لعشاق العلوم وغالبا ما يتجاهله السياح، وبالتالي نادرا ما يكون مزدحما، فقط احرص على معرفة أوقات افتتاح وإغلاق المختبر حتى لا تصل بعد فوات الوقت مثلما حدث معي.
المختبر الذي تحول لمتحف يقع في مكان هادئ على شارع رئيس غير بعيد عن محطة القطارات في المدينة.
تضم المدينة مركزا مجتمعيا يجعل الاستهلاك المستدام سهلا وعمليا من خلال تقديم فرص لشراء وتأجير وإصلاح وتبادل السلع الاستهلاكية وغير الاستهلاكية المتنوعة، وكل ذلك تحت سقف واحد.
يقدم المركز، وهو أشبه بمتجر السلع والملابس، منتجات تم إنتاجها في أماكن قريبة من المدينة باستخدام الطاقة النظيفة، وفيه جناح خاص بالملابس والأحذية وآخر بالمأكولات وثالث بإصلاح الأجهزة الإلكترونية.
ويضم المركز قرابة ألفي منتج يمكن شراؤها أو تأجيرها.
ويقول" ماتياس بيبر" المشرف على مركز بيت المستقبل للجزيرة نت إنه يعمل في هذا المشروع المجتمعي 5 متطوعين و4 أجراء، وعلى امتداد عمر المركز – الذي يزيد على ثلاث سنوات، أصلح المحل مئات الأجهزة.
المشروع يجسد مفهوم" الاقتصاد الدائري" بشكل عملي، والذي يهدف لتقليل الهدر وتوفير المال على المستهلك، وتسهيل مأموريته بتوفير خيارات البيع والتأجير والتبادل وإصلاح الأجهزة المعطوبة بدل رميها.
ومن عناصر الجذب السياحي البارزة في مدينة فورتسبورغ أنها محطة البداية في" طريق الرومانسية"، وهو أشهر وأقدم مسار سياحي وثقافي في ألمانيا، وقد أنشئ هذا المسار في عام 1950 عقب الحرب العالمية الثانية، وذلك بهدف إعادة بناء قطاع السياحة وجذب الزوار، ورسم صورة جديدة لألمانيا تجمع بين الطبيعة الساحرة والتاريخ العريق.
يبدأ هذا الطريق من قصر الإقامة حيث توجد لوحة تفيد بأن المكان هو بداية طريق الرومانسية، وينتهي هذا المسار عند مدينة فوسن وقصر نويشفانشتاين الشهير في جبال الألب بالقرب من الحدود الألمانية النمساوية، ويمتد طريق الرومانسية على مسافة تقارب 460 كلم.
وسمي بطريق الرومانسية ليس للدلالة على العلاقة بين العشاق، بل تشير إلى" العصر الرومانسي" في القرن التاسع عشر، الذي تميز بعشق الطبيعة البكر، والحنين إلى العصور الوسطى، والقصص الأسطورية، والقلاع الغامضة، وهو تماما ما يشعر به المسافر على هذا الطريق.
يمر طريق الرومانسية عبر أكثر من 28 مدينة وبلدة تاريخية، وهو منطقة مشهورة في ألمانيا وأوروبا لعشاق التعرف على الأماكن مشيا أو بالدراجات الهوائية أو السيارات، إذ توجد لوحات إرشادية بنية اللون على طول الطريق السريع كتب عليها باللغة الألمانية" طريق الرومانسية" لتوجيه سائقي السيارات.
كما يوجد مسار مواز مخصص للدراجات الهوائية ومجهز بلوحات إرشادية خضراء، يمر عبر الحقول والمزارع بعيداً عن صخب السيارات والمدن، وتوجد أيضا مسارات مخصصة للمشاة تربط بين البلدات عبر الغابات والمناظر الطبيعية الساحرة للجنوب الألماني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك