كشف تحقيق استقصائي موسع لصحيفة نيويورك تايمز أن وفاة الملياردير الأمريكي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين لم تكن نتيجة مؤامرة اغتيال معقدة، بل على الأرجح بسبب تضافر إخفاقات مؤسسية جسيمة وأخطاء بشرية متراكمة أتاحت له تنفيذ رغبة انتحارية كان قد أظهرها مرارا خلال الأسابيع الأخيرة من حياته.
ويستند التحقيق إلى أكثر من 3 ملايين صفحة من الوثائق والصور ومقاطع الفيديو التي أُفرج عنها بموجب" قانون شفافية ملفات إبستين"، فضلاً عن مقابلات مع أكثر من 40 شخصا، بينهم سجناء سابقون وحراس ومسؤولون فدراليون ومحامون شاركوا في القضية.
list 1 of 2فايننشال تايمز: العلاقة بين ترمب ونتنياهو تمر بواحدة من أصعب مراحلهاlist 2 of 2" الحرب انتهت بأنين لا زئير".
صفقة ترمب مع إيران تحاصر نتنياهووبحسب الصحيفة، فإن إبستين أُوقف يوم 6 يوليو/تموز 2019 فور وصوله إلى مطار تيتربورو في نيوجيرسي قادما من باريس، بعدما وجّهت إليه اتهامات فدرالية جديدة بالاتجار الجنسي بقاصرات، وهي اتهامات كانت تهدده بالسجن لمدة تصل إلى 45 عاما.
ورصد التحقيق مؤشرات مبكرة على انهياره النفسي منذ اللحظات الأولى لدخوله مركز الاحتجاز الفدرالي في مانهاتن، إذ لاحظت إحدى الموظفات أنه بدا" مذهولا ومنسحبا وحزينا"، وطلبت تدخلا نفسيا خشية إقدامه على الانتحار.
لكن الصحيفة تؤكد أن مسؤولي السجن لم يتعاملوا معه باعتباره سجينا شديد الخطورة، بل أودع بداية في جناح السجناء العاديين قبل نقله لاحقا إلى وحدة العزل الخاصة.
وتكشف الوثائق أن إبستين أبدى ميولا انتحارية واضحة قبل وفاته بأسابيع.
فقد روى زميله الأول في الزنزانة، نيكولاس تارتاليوني، أنه سأله مباشرة بعد رفض طلب الإفراج عنه بكفالة: " كيف يمكن صنع حبل مشنقة؟ ".
كما قال تارتاليوني إنه أحبط محاولتين أخريين لإعداد حبل للانتحار، إحداهما باستخدام ملاءة سرير.
ويشير التحقيق إلى وجود" رسالة انتحار" بقيت مخفية عن المحققين لسنوات، عُثر عليها بين صفحات كتاب داخل الزنزانة، وكتب فيها إبستين: " من الجميل أن يختار المرء توقيت وداعه".
كما كشفت الصحيفة عن ملاحظات أخرى كتبها بخط يده، تحدث فيها عن اليأس الذي يشعر به، معتبرا أن مستقبله لن يجلب سوى" الألم له وللآخرين".
وفي الوقت نفسه، رسم سجناء آخرون صورة لرجل محطم نفسيا.
وقال أحدهم إن إبستين كان يبدو" مهزوما"، بينما نقل آخر عنه قوله إن السجن" عالم مجنون تماما"، وإنه لم يعد يتصور إمكانية العودة إلى حياته السابقة.
وتعتبر نيويورك تايمز أن سلسلة من الأخطاء الإدارية مهّدت الطريق أمام وفاته.
فعلى الرغم من وجود تعليمات واضحة تمنع تركه وحيدا بسبب خطورة حالته النفسية، تُرك في زنزانته بمفرده ليلة 9 أغسطس/آب 2019 بعد نقل زميله في الزنزانة إلى منشأة أخرى، من دون تعيين بديل له.
وكان عدد كبير من الحراس غائبين بسبب أزمة نقص الموظفين، بينما كان الحارسان المكلفان بمراقبة جناحه يعملان لساعات طويلة ومتواصلة، وتبين لاحقا أنهما زورا سجلات المراقبة ولم يقوما بجولات التفقد المطلوبة.
كما كشفت الوثائق أن نظام كاميرات المراقبة كان يعاني أعطالا كبيرة، إذ إن نصف الكاميرات تقريبا لم يكن يسجل الصور رغم عملها المباشر.
وأثار مقطع مصور ضبابي يظهر جسما برتقاليا يتحرك قرب زنزانة إبستين موجة جديدة من الشكوك، لكن التحقيق خلص إلى أن الصورة تعود على الأرجح إلى إحدى الحارسات وهي تحمل أغطية وأمتعة للسجناء.
ورغم استمرار نظريات الاغتيال، ترى الصحيفة أن تنفيذ عملية قتل كان سيتطلب مؤامرة واسعة النطاق تشمل عددا كبيرا من الموظفين داخل السجن ومركز المراقبة، فضلا عن امتلاك مفاتيح متعددة ومعرفة دقيقة بأعطال أنظمة التسجيل.
ونقلت عن المدير السابق لمصلحة السجون الأمريكية هيو هورويتز قوله إن تنفيذ عملية كهذه كان سيحتاج إلى" مؤامرة ضخمة يصعب تصور ألا يكتشف أحد أمرها".
أما بشأن الجدل الذي أحاط بتقرير الطب الشرعي، فتوضح الصحيفة أن الانقسامات بين الخبراء لا تكفي لإثبات وقوع جريمة قتل.
وكان الطبيب الشرعي مايكل بادن، الذي استعان به شقيق إبستين، قد رجّح فرضية القتل استنادا إلى كسور في الرقبة، لكن 9 خبراء مستقلين استشارتهم الصحيفة أكدوا أن مثل هذه الإصابات يمكن أن تحدث أيضا في حالات الشنق الانتحاري.
وخلص التحقيق إلى أن الأدلة الجديدة لا تدعم فرضية الاغتيال، بل تكشف كيف تضافرت الرغبة الانتحارية الواضحة لدى إبستين مع الإهمال الإداري والفوضى داخل السجن، لتنتج واحدة من أكثر الوفيات إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي الحديث.
وتقول نيويورك تايمز إن بعض الأسئلة ستظل بلا إجابات نهائية، لكن الصورة التي ترتسم اليوم تشير إلى" تقاطع مؤسف بين الفشل المؤسسي والأخطاء البشرية والصدف"، وهو ما وفر لإبستين الفرصة الأخيرة لتنفيذ ما بدا أنه قرار اتخذه بنفسه قبل أيام من وفاته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك